كشفت صحيفة إسرائيل هيوم العبرية في 10 يونيو 2026 أن الجيش الأمريكي بدأ إجراءات إنشاء قاعدة عسكرية ومدنية ضخمة قرب معسكر رعيم الإسرائيلي بمحاذاة قطاع غزة، عبر مناقصات للمباني المتنقلة ومنشآت القيادة والسيطرة، بما يفتح الباب أمام وجود أمريكي ميداني مباشر على حدود القطاع.

 

ويرتبط التحرك الأمريكي بسياق سياسي وأمني أوسع من مجرد ترتيبات لوجستية، لأن القاعدة الجديدة تأتي قرب الحدود المصرية وفي ظل سيطرة إسرائيلية ممتدة على رفح ومحور فيلادلفيا، بينما يلتزم نظام السيسي صمتا يضعف موقع مصر الإقليمي ويترك أمنها القومي رهينة التفاهمات الأمريكية الصهيونية.

 

قاعدة رعيم من مقر تنسيق إلى إدارة ميدانية للقطاع

 

وبحسب التقرير العبري، طرحت وزارة الدفاع الأمريكية مناقصات لتوريد كرافانات تستخدمها القوات وفرق القيادة إلى حين اكتمال المنشآت الدائمة، كما وضعت المخططات الأولية برجا مخصصا للقيادة والسيطرة على القوات المنتشرة في الميدان، بما يجعل القاعدة مركز عمليات لا مجرد موقع إداري مؤقت.

 

كما تستهدف واشنطن تحويل الموقع إلى مقر عسكري ومدني للجهات الدولية التي ستشارك في تنفيذ خطة ترامب لغزة، بعد تراجع دور المقر متعدد الجنسيات في كريات غات، والذي ضم في ذروة نشاطه ممثلين عن أكثر من 24 دولة بينها دول عربية قبل أن يغادر معظمهم مع اتساع الحرب الإقليمية.

 

في المقابل، يجري إنشاء القاعدة بتنسيق كامل مع الاحتلال الصهيوني، إذ تتولى وزارة الأمن والجيش الإسرائيلي توفير الترتيبات الميدانية المطلوبة، بينما تتوقع المنظومة الأمنية الإسرائيلية تشغيل الموقع خلال عدة أشهر إذا توفرت ظروف سياسية وأمنية تسمح بالانتقال من التحضير إلى التطبيق الفعلي.

 

ومن هنا، لا تبدو القاعدة خطوة منفصلة عن مستقبل غزة، بل أداة لتنظيم الوجود الدولي تحت قيادة أمريكية وبشروط إسرائيلية، لأن الموقع المقترح قرب رعيم يمنح واشنطن قدرة متابعة مباشرة للقطاع والمعابر وترتيبات الأمن، ويمنح الاحتلال غطاء دوليا لمواصلة فرض الوقائع على الأرض.

 

ويوضح المحلل السياسي معين رباني أن مجلس السلام يرتكز على هدفين رئيسيين هما نزع سلاح حماس والفصائل المسلحة وفتح الباب أمام فرص عقارية وسياسية تحت شعار إعادة الإعمار، ولذلك يخدم رأيه هذا المحور لأنه يكشف أن البنية الجديدة تمنح الأولوية للسيطرة قبل حقوق الفلسطينيين.

 

خطة ترامب ونزع السلاح قبل الإغاثة والإعمار

 

على مستوى الخطة السياسية، تأتي القاعدة ضمن خطة ترامب التي أعلنها في 29 سبتمبر 2025 من 20 نقطة، وتشمل وقف إطلاق النار وإعادة الأسرى وإدخال 600 شاحنة مساعدات يوميا وانسحابا إسرائيليا مرحليا، لكنها تربط الإعمار والانتقال السياسي بنزع سلاح الفصائل وإعادة تشكيل إدارة غزة.

 

ثم تنتقل الخطة في مرحلتها الثانية إلى انسحاب أوسع للجيش الإسرائيلي مقابل تفكيك قدرات المقاومة، بينما يرى منتقدون أن هذا الترتيب يقلب الأولويات لأنه يطلب من الفلسطينيين تسليم أدوات الدفاع قبل ضمان الانسحاب وفتح رفح وعودة الإعمار وإنهاء الحصار والاحتلال الفعلي لمعابر القطاع.

 

غير أن حماس ترفض طرح نزع السلاح قبل تنفيذ المرحلة الأولى كاملة، وتتمسك بإدخال الإغاثة والمنازل المتنقلة والخيام وبدء الإعمار واستكمال الانسحابات وفتح معبر رفح وتسليم الإدارة إلى لجنة وطنية، لأنها تعتبر القفز إلى ملف السلاح محاولة أمريكية إسرائيلية لانتزاع ما عجزت الحرب عن فرضه.

 

ويشرح الباحث الفلسطيني طارق بقعوني خطورة اختزال الحرب في ملف سلاح حماس، إذ يؤكد أن اختفاء حماس أو اختفاء سلاحها لا يعني تلقائيا انتهاء الحصار أو وقف الحرب على الفلسطينيين، ولذلك يدعم رأيه فكرة أن نزع السلاح بلا ضمانات سياسية يحول غزة إلى ساحة مكشوفة أمام الاحتلال.

 

وبالتوازي، يعمل مجلس السلام على إعداد لجان خبراء في التعليم والبنية التحتية وإزالة الركام، غير أن هذه الترتيبات المدنية لا تنفصل عن القوة الدولية المقترحة، لأن إعادة الإعمار تتحول هنا إلى أداة مشروطة بالأمن ونزع السلاح بدلا من كونها حقا إنسانيا عاجلا لسكان أنهكتهم الحرب والنزوح.

 

أما على مستوى المشاركة الدولية، فقد وافقت إندونيسيا والمغرب وكازاخستان وكوسوفو وألبانيا مبدئيا على إرسال قوات، بينما أبدت بنجلادش وباكستان وأذربيجان استعدادا أوليا، إلا أن أغلب الدول جمدت خطواتها بسبب الحرب مع إيران وغموض قواعد الاشتباك وخشية التورط في مواجهة مباشرة مع حماس.

 

استئناف الحرب وصمت مصري يفتحان الباب لواقع أخطر

 

في الجانب العسكري، نقلت هآرتس أن رئيس أركان جيش الاحتلال إيال زامير وافق على خطط عملياتية قدمها قائد المنطقة الجنوبية يانيف عاسور، ضمن مناقشات لاحتمال استئناف العمليات البرية داخل غزة، بزعم أن حماس أعادت بناء قدراتها العسكرية والتنظيمية خلال الأشهر الأخيرة.

 

وتستهدف الخطط الإسرائيلية المحتملة مناطق ظل الجيش يتجنب دخولها بسبب مخاوف مرتبطة بوجود الأسرى، بينها مخيمات الوسط والمواصي ومناطق واسعة داخل مدينة غزة، بما يعني أن فشل المسار السياسي أو تعثر نزع السلاح قد يتحول إلى ذريعة لتوسيع الحرب تحت غطاء أمريكي ودولي.

 

وعلى الحدود المصرية، تكتسب القاعدة الأمريكية قرب غزة دلالة أخطر لأنها تتزامن مع تحصينات إسرائيلية في رفح وفيلادلفيا، بينما يكتفي نظام السيسي ببيانات باهتة لا تمنع الاحتلال من تثبيت وجوده ولا توقف واشنطن عن بناء ترتيبات أمنية تمس المجال الحيوي المصري مباشرة.

 

ويربط الباحث تيموثي كالداش بين حرب غزة والضغط المباشر على مصر اقتصاديا وسياسيا، إذ يشير إلى أن الحرب أثرت على قناة السويس والسياحة وأدخلت القاهرة في حسابات أمنية شديدة الحساسية، ولذلك يخدم رأيه هذا المحور لأنه يوضح أن الصمت المصري لا يحمي الدولة بل يضاعف كلفة التبعية.

 

كذلك أثار التصعيد الإقليمي مع إيران شللا في ترتيبات القوة الدولية، بعد مغادرة معظم ممثلي الدول من مقر كريات غات، غير أن استمرار العمل على القاعدة الجديدة يثبت أن واشنطن لا تنتظر نهاية كل الجبهات كي ترسم مستقبل غزة، بل تستخدم الفوضى الإقليمية لتمرير واقع ميداني دائم.

 

وفي هذا السياق، حذر المحلل السياسي حازم عياد من احتمال تحول القاعدة إلى مركز يدير تهجير الفلسطينيين نحو وجهات بعيدة مثل صوماليلاند، أو إلى مظلة تشارك عبرها قوات أمريكية ودولية في عمليات قتل وتهجير، وهي مخاوف تتغذى على غياب ضمانات واضحة لحماية سكان غزة.

 

وفي النهايه يواجه القطاع 3 مسارات قاتمة، أولها قاعدة أمريكية تدير غزة أمنيا وتعيد هندسة سكانها، وثانيها حرب إسرائيلية واسعة بذريعة نزع السلاح، وثالثها تسوية سياسية مشروطة تسلب المقاومة سلاحها قبل ضمان الانسحاب، بينما يظل صمت القاهرة عنوانا لانهيار دور مصر أمام مشروع يمس حدودها وأمنها ومكانتها.