طالبت تقارير حقوقية ومناشدات برلمانية في مصر بإدراج فاقدي العين الواحدة ضمن المستحقين لكارت الخدمات المتكاملة، بعد استمرار استبعادهم من امتيازات القانون رقم 10 لسنة 2018، رغم أن فقد العين يؤثر على الرؤية وتقدير المسافات والعمل اليومي، ويحول العجز الجزئي الدائم إلى عبء فردي تتحمل الأسر كلفته وحدها.
ويأتي هذا الاستبعاد في سياق سياسة حكومية تضيق أبواب الحماية الاجتماعية بدل توسيعها، إذ تترك الحكومة فئة متضررة طبيًا ووظيفيًا خارج بطاقة يفترض أنها أداة إثبات للإعاقة ونوعها ودرجتها، بينما تستخدم الخطاب الرسمي عن الدمج دون أن تمنح أصحاب العجز البصري الجزئي حقًا واضحًا في العلاج والعمل والدعم.
القانون يعترف بالعجز الجزئي والحكومة تفرغه من أثره
ينص القانون رقم 10 لسنة 2018 على أن الشخص ذا الإعاقة هو كل من لديه قصور أو خلل كلي أو جزئي، بدني أو ذهني أو عقلي أو حسي، إذا كان هذا الخلل مستقرًا ويمنعه عند التعامل مع العوائق من المشاركة الكاملة والفعالة في المجتمع على قدم المساواة مع الآخرين.
لكن الحكومة تتعامل مع فاقدي العين الواحدة بمنطق إداري يختزل الإعاقة البصرية في حالات أشد وضوحًا، بينما يتجاهل هذا المنطق عبارة الخلل الجزئي المستقر التي وضعها القانون نفسه، وهي عبارة تكفي لفتح باب الفحص الفردي العادل بدل الإقصاء الجماعي من كارت الخدمات المتكاملة.
وفي هذا السياق، يرى المحامي الحقوقي نجاد البرعي أن جوهر أي قانون للحقوق لا يقاس بعدد المواد المكتوبة، بل بقدرة الدولة على تحويل النص إلى حماية فعلية للفئات الضعيفة، وهي قراءة تجعل استبعاد فاقدي العين الواحدة خللًا في التنفيذ قبل أن يكون خلافًا طبيًا على التصنيف.
كما يكشف هذا الخلل أن بطاقة الخدمات المتكاملة تحولت من بوابة إنصاف إلى حاجز إداري جديد، لأن المواطن الذي فقد عينًا لا يطالب بامتياز استثنائي، بل يطالب بإثبات أثر دائم يلاحقه في الحركة والعمل والسلامة الشخصية، وتترتب عليه كلفة علاجية ومهنية لا تعترف بها المكاتب الحكومية.
ولذلك تبدو مطالبة فاقدي العين الواحدة بتعديل معايير الاستحقاق مطالبة قانونية قبل أن تكون مطلبًا اجتماعيًا، لأن القانون تحدث عن القصور الجزئي، بينما الممارسة الحكومية تتصرف كأن الحماية لا تبدأ إلا عند الفقد الكامل أو الإعاقة الأشد، وهو ما ينسف فلسفة الدمج من أساسها.
فقد العين الواحدة عجز دائم لا تراه منظومة الفحص
يؤثر فقد العين الواحدة على الرؤية الثنائية وتقدير العمق والمسافات، وهي وظائف ضرورية في القيادة والحرف والعمل داخل المصانع والمخازن والمهن التي تتطلب دقة حركة ومتابعة بصرية مستمرة، ولا يمكن التعامل مع هذا الأثر كمسألة شكلية لأن الجسد يعوض جزئيًا لكنه لا يستعيد كامل قدرته.
ومن الناحية الطبية، يشير الدكتور محمود فؤاد، المدير التنفيذي للمركز المصري للحق في الدواء، في مواقفه العامة حول الحق في العلاج، إلى أن حرمان الفئات المرضية والهشة من مظلات الدعم يحول المرض أو العجز إلى فاتورة مفتوحة، ويدفع الأسر إلى الاختيار بين العلاج والاحتياجات الأساسية.
وبناء على ذلك، يصبح استبعاد فاقدي العين الواحدة من كارت الخدمات المتكاملة حرمانًا مزدوجًا، لأنه لا يكتفي بإقصائهم من الاعتراف القانوني، بل يتركهم أيضًا أمام تكاليف المتابعة الطبية والنظارات والعدسات والفحوصات والأدوية والأجهزة المساعدة دون مسار دعم واضح أو منتظم.
ثم إن توصيف فاقد العين الواحدة كصاحب عجز جزئي دائم لا يعني مساواته بكل درجات الإعاقة البصرية، لكنه يفرض وجود درجة مستقلة داخل المنظومة، بحيث يحصل المتضرر على حقوق تتناسب مع أثر الإصابة على العمل والحركة والسلامة، بدل تركه خارج التصنيف بالكامل.
ويعزز هذا الطرح ما تؤكده منظمة الصحة العالمية من أن ضعف البصر يمثل عبئًا واسعًا على الأفراد والمجتمعات، وأن الرعاية الصحية البصرية ليست رفاهية، بل جزء من الحق في الصحة والقدرة على المشاركة، وهو ما يجعل الإنكار الإداري في مصر أكثر قسوة على الفئات الأقل دخلًا.
حرمان من العلاج والعمل ونسبة 5% باسم معايير ضيقة
تمنح بطاقة الخدمات المتكاملة لحاملها طريقًا إلى خدمات صحية واجتماعية ووظيفية، كما يرتبط الاعتراف بالإعاقة بحقوق العمل ونسبة التعيين المعروفة بـ5%، وهي نسبة نص عليها القانون للأشخاص ذوي الإعاقة في الجهات الحكومية وغير الحكومية التي تستخدم 20 عاملًا فأكثر وفق الضوابط القانونية.
غير أن فاقد العين الواحدة يجد نفسه خارج هذه الحقوق رغم أن الإصابة قد تمنعه من وظائف بعينها، أو تضعف فرصه في المنافسة، أو تجعله مرفوضًا في أعمال تتطلب دقة بصرية وسرعة تقدير للمسافة، فتتحول الإصابة إلى عقوبة مهنية بلا تعويض أو مسار تأهيل.
وفي زاوية الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، تؤكد المبادرة المصرية للحقوق الشخصية في مواقفها من تعديلات قانون ذوي الإعاقة أن السياسة العامة يجب أن تتجه إلى توسيع تعريف الإعاقات المستدامة، لا إلى تضييقها أو تحويل البطاقة إلى أداة عقابية وإدارية ترهب المستحقين بدل حمايتهم.
لذلك يحمل استبعاد فاقدي العين الواحدة رسالة واضحة إلى بقية الفئات الهشة، فالحكومة لا تتوسع في الاعتراف بالحقوق إلا تحت الضغط، ولا تتحرك إلا عندما تتحول الشكوى الفردية إلى ملف عام، بينما يفترض أن تبادر هي إلى تحديث الجداول الطبية وإغلاق فجوات القانون.
وبعد سنوات من الحديث الرسمي عن الدمج، لم تقدم الحكومة تفسيرًا مقنعًا لحرمان هذه الفئة من بطاقة تثبت وضعها وتربطها بخدمات العلاج والعمل والرعاية، ولم تعلن جدولًا زمنيًا لمراجعة التصنيف، رغم تكرار المناشدات ووجود تقارير مرفوعة إلى جهات معنية تطالب بتدخل تشريعي واضح.
وتكشف هذه القضية أن أزمة كارت الخدمات المتكاملة لا تتعلق فقط بإجراءات التسجيل أو بطء الكشف الطبي، بل تتعلق بفلسفة انتقائية في الاعتراف بالضرر، فالدولة التي تعترف بالإعاقة على الورق تملك سلطة نفيها في المكاتب، وتترك المواطن في منطقة رمادية بين العجز والحرمان.
في النهاية، يحتاج فاقدو العين الواحدة إلى قرار سياسي وتشريعي واضح يدرجهم ضمن درجات الإعاقة البصرية وفق تقييم طبي عادل، ويمنحهم بطاقة الخدمات المتكاملة بما يناسب حالتهم، لأن تركهم خارج الحماية يفضح حكومة ترفع شعار الدمج بينما تسقط المتضررين من حساباتها عند أول اختبار حقيقي.

