طالبت 12 منظمة حقوقية مصرية ودولية، في القاهرة، برفع اسم المحامي الحقوقي محمد الباقر من قوائم الإرهاب، بعد قرار الدائرة الأولى بمحكمة الجنايات برئاسة المستشار محمد الشربيني مد إدراجه لمدة 5 سنوات أخرى في القضية 1781 لسنة 2019، وهو قرار أبقى منعه من السفر وتجميد أمواله وحرمانه من العمل العام.

 

ويأتي القرار رغم صدور عفو رئاسي عن العقوبة الصادرة بحقه قبل نحو 3 سنوات، بما يجعل القضية نموذجًا واضحًا لاستخدام القوائم الأمنية كأداة عقاب ممتد بعد الخروج من السجن، حيث لا تستعيد الضحية حريتها فعليًا، بل تنتقل من الزنزانة إلى حصار إداري وقضائي مفتوح.

 

 

قوائم الإرهاب تتحول إلى عقوبة بعد العفو

 

بدأت الأزمة الجديدة عندما قررت محكمة الجنايات في 18 نوفمبر 2025 تمديد إدراج الباقر على قوائم الإرهابيين لمدة 5 سنوات أخرى، بناء على طلب النيابة العامة، قبل انتهاء مدة الإدراج السابقة، ليظل القرار قائمًا رغم غياب حكم جديد أو تحقيق معلن يبرر استمرار القيود.

 

وبحسب المنظمات الموقعة، فإن القرار يحرمه من حقوق دستورية مباشرة، تشمل المحاكمة العادلة وحرية التنقل والحق في التملك والحق في العمل العام، كما يمنعه من التصرف في أمواله وممتلكاته أو إصدار توكيلات قانونية، في وضع يحاصر حياته المهنية والشخصية بقرار إداري شديد الأثر.

 

ثم انتقل الملف إلى محكمة النقض، حيث نظرت الدائرة ب الطعن المقدم من الباقر على القرار، بعد تأكيد فريقه الحقوقي أن الإدراج لا يستند إلى أدلة حقيقية تدينه، وأن السلطات لم تحقق معه في أسباب الإدراج، ولم تبلغه رسميًا بمبررات وضع اسمه على القوائم.

 

وفي هذا السياق، يخدم موقف الباحث الحقوقي محمود شلبي، الباحث في منظمة العفو الدولية المعني بمصر، محور استهداف المدافعين عن حقوق الإنسان، إذ سبق أن ربطت العفو بين توجيه اتهامات إرهاب للحقوقيين وبين محاولة إسكات العمل الحقوقي المستقل، وهو ما يضع قضية الباقر داخل نمط أوسع لا داخل واقعة منفصلة.

 

وتزداد خطورة القرار لأن الباقر حصل في يوليو 2023 على عفو رئاسي عن باقي عقوبة حبسه 4 سنوات في حكم صادر من محكمة جنح أمن الدولة طوارئ في ديسمبر 2021 بتهمة نشر أخبار كاذبة، لكنه خرج من السجن دون أن تسقط عنه القضايا المتداخلة التي بقيت مفتوحة.

 

 

قانون يسمح بالتحريات ويقصي الدفاع

 

ينص القانون 8 لسنة 2015 بشأن تنظيم قوائم الكيانات الإرهابية والإرهابيين على أن الإدراج يتم بناء على طلب من النائب العام إلى المحكمة، مرفقًا بالتحقيقات أو المستندات أو التحريات أو المعلومات المؤيدة، وهو نص منح السلطات مساحة واسعة للاعتماد على مواد لا ترقى إلى دليل قضائي مكتمل.

 

وبناء على هذا الإطار، تقول المنظمات إن الإدراج يجري غالبًا استنادًا إلى تحريات وزارة الداخلية، وهي تحريات لا تعدو كونها رأيًا لمجريها ولا تقطع بالإدانة وفق أحكام لمحكمة النقض، بينما تكتفي المحكمة بالاقتناع بجدية التحريات قبل إصدار قرار يمس الحرية والملكية والحركة.

 

كذلك تكشف قضية الباقر عن فراغ إجرائي خطير، لأن الرجل لم يواجه بتحقيق محدد في القضية 1781 لسنة 2019 قبل إدراجه، ولم يحصل على فرصة فعلية لمناقشة أسباب القرار، بينما تحمل النتيجة آثارًا عقابية كاملة تشبه الحكم الجنائي دون ضمانات المحاكمة العادلة.

 

وهنا يبرز رأي عمرو مجدي، الباحث البارز في هيومن رايتس ووتش، في سياق أوسع يخص اتهامات الإرهاب ضد المدافعين الحقوقيين، إذ اعتبر أن توجيه هذه الاتهامات لحقوقيين بارزين يمثل تصعيدًا خطيرًا في محاولات السلطات المصرية سحق العمل الحقوقي المستقل، وهو توصيف يفسر وظيفة الاتهام لا شكله القانوني فقط.

 

وبينما تؤكد الحكومة عادة أن هذه الإجراءات تدخل ضمن مكافحة الإرهاب، فإن الوقائع التي تعرضها المنظمات تكشف مسارًا مختلفًا، لأن القضية لم تقترن بتحقيق فعلي مع الباقر بشأن أسباب الإدراج، ولم تقدم السلطات معيارًا معلنًا يشرح لماذا يستمر المنع والتجميد بعد العفو الرئاسي.

 

 

ملف الباقر يكشف انتقائية السلطة

 

قضى الباقر نحو 4 سنوات في السجن على ذمة قضايا متشابهة، بينها القضية 1356 لسنة 2019 أمن دولة عليا التي ألقي القبض عليه بموجبها، والقضية 1228 لسنة 2021 التي صدر فيها حكم الحبس، والقضية 855 لسنة 2020 التي حقق معه فيها أثناء وجوده داخل السجن.

 

رغم ذلك، لم يؤد العفو الرئاسي إلى إنهاء القيود المفروضة عليه، لأن القضية 1781 لسنة 2019 ظلت سارية كأساس للإدراج على قوائم الإرهاب، بما جعل العفو إجراءً ناقص الأثر، يمنح خروجا من السجن لكنه يترك صاحبه تحت منع السفر وتجميد الأموال وحرمان النشاط العام.

 

وتقارن المنظمات بين حالة الباقر وحالات أخرى تشبهه في المركز القانوني، منها المحامي والبرلماني السابق زياد العليمي، الذي رُفع اسمه من قوائم الإرهاب في نوفمبر 2023 بعد أكثر من عام على العفو عنه، رغم أن إدراجه ارتبط بتحريات في قضية لم يحقق معه فيها قط.

 

كما تشير المقارنة إلى حالة المبرمج والناشط علاء عبد الفتاح، الذي رُفع اسمه من قوائم الإرهاب في يوليو 2025، رغم أنه كان متهمًا مع الباقر في القضية نفسها ومدرجًا على ذمة القضية ذاتها، قبل صدور قرار رئاسي بالعفو عنه وإطلاق سراحه في سبتمبر 2025.

 

وفي محور أثر القيود، يقدم جيمس لينش، مدير منظمة فير سكوير، توصيفًا مهمًا لوظيفة منع السفر في مصر، إذ اعتبر أن المنع التعسفي بلا نهاية يفرض نظامًا عقابيًا ذا أثر كبير على الحياة، ويعمل بصمت بعيدًا عن الرقابة السياسية الخارجية، وهو ما ينطبق على حالة الباقر بعد العفو.

 

ولا تقف آثار الإدراج عند السفر والمال، لأن القرار يضرب قدرة الباقر على ممارسة المحاماة والعمل الحقوقي، ويمنعه من المشاركة العامة التي سبق أن استعانت بها الدولة نفسها حين شارك كخبرة حقوقية في جلسة الحبس الاحتياطي ضمن جلسات الحوار الوطني، في تناقض سياسي وقانوني صارخ.

 

وتؤكد المنظمات أن استمرار إدراج الباقر يمثل تنكيلًا بسبب نشاطه الحقوقي السلمي والقانوني، كما يندرج ضمن ممارسات انتقامية ضد المدافعين عن حقوق الإنسان، وهي ممارسات رصدتها تقارير أممية عن الترهيب والانتقام من المتعاونين مع آليات الأمم المتحدة في مجال حقوق الإنسان.

 

وتعطي مشاركة المبادرة المصرية للحقوق الشخصية ومركز النديم ومنصة اللاجئين ومؤسسة دعم القانون والديمقراطية والجبهة المصرية ومؤسسة مسار والمفوضية المصرية والمنبر المصري وإيجيبت وايد وحرية الفكر والتعبير ولجنة العدالة ومركز القاهرة وزنًا سياسيًا وحقوقيًا للبيان، لأنها تجمع منظمات تتابع الملف من زوايا قانونية وإنسانية مختلفة.

 

وفي النهاية تبقى قضية محمد الباقر اختبارًا كاشفًا لجدية أي حديث رسمي عن العفو أو الحوار الوطني أو مراجعة الحبس الاحتياطي، لأن السلطة التي تعفو عن محام حقوقي ثم تتركه محاصرًا بقوائم الإرهاب ومنع السفر وتجميد الأموال لا تنهي العقوبة، بل تعيد إنتاجها بأدوات أقل ضجيجًا وأكثر قسوة.