كشفت تقارير اقتصادية عن اتجاه حكومة قائد الانقلاب عبدالفتاح السيسي لبحث تمويل جديد قد يصل إلى 5 مليارات دولار من صندوق النقد الدولي بعد انتهاء البرنامج الحالي في ديسمبر 2026، وسط ضغوط تمويلية تكشف استمرار الاعتماد على الاقتراض الخارجي.
وتأتي هذه المؤشرات بينما تتحمل الميزانية العامة أعباء دين ضخمة وخدمة فوائد مرتفعة، في وقت يدفع المواطن ثمن السياسات نفسها عبر التضخم وتراجع القدرة الشرائية وتقليص الإنفاق على الخدمات الأساسية.
قرض جديد يفضح فشل الخروج من دائرة الصندوق
تطرح عودة الحديث عن تمويل جديد من صندوق النقد سؤالًا مباشرًا حول جدوى برامج الإصلاح السابقة، لأن الحكومة قدمت هذه البرامج بوصفها طريقًا للاستقرار، ثم وجدت نفسها أمام احتياج متكرر للسيولة الأجنبية.
وبحسب مسار البرنامج القائم، دخلت مصر اتفاقًا مع صندوق النقد في ديسمبر 2022 بقيمة 3 مليارات دولار، قبل توسيعه في مارس 2024 إلى 8 مليارات دولار بسبب أزمة العملة والتضخم.
ثم أقر صندوق النقد في فبراير 2026 مراجعتين جديدتين للبرنامج، ما أتاح لمصر الحصول على نحو 2.3 مليار دولار، ورفع إجمالي المسحوبات من البرنامج وأداة الاستدامة إلى نحو 5.2 مليار دولار.
ورغم ذلك، لم يتحول التمويل إلى خروج نهائي من الأزمة، لأن الحكومة لا تزال تواجه فجوات تمويلية وضغوط سداد خارجية، بينما يستمر الاقتصاد في الاعتماد على الأموال الساخنة والاستثمارات الاستثنائية والقروض.
في هذا السياق، يضع الباحث الاقتصادي وائل جمال ملف الاقتراض داخل أزمة أوسع، إذ يرى أن صندوق النقد تحول إلى بوابة لسياسات تزيد هشاشة الاقتصاد بدل بناء إنتاج حقيقي مستقل.
وتخدم قراءة جمال محور الاعتماد الخارجي، لأن الأزمة لا تتعلق بقيمة قرض منفرد، بل بنمط اقتصادي يستخدم القروض لتأجيل الانفجار بدل تغيير هيكل الإنتاج والتصدير وتوزيع الموارد.
كذلك تكشف تحفظات صندوق النقد على بطء برنامج الطروحات الحكومية والخصخصة أن الحكومة لم تنفذ حتى الشروط التي قبلتها مقابل التمويل، رغم تحميل المواطنين كلفة التضخم وخفض قيمة الجنيه.
ومع ذلك، تواصل السلطة خطاب الطمأنة نفسه، حيث تنفي أحيانًا الحاجة إلى برنامج جديد، لكنها لا تقدم بديلًا واضحًا لسداد الالتزامات الخارجية سوى بيع أصول أو انتظار تدفقات جديدة.
لذلك يصبح الحديث عن قرض جديد مؤشرًا سياسيًا واقتصاديًا خطيرًا، لأنه يعني أن الإدارة المالية لم تغادر غرفة الطوارئ منذ سنوات، وأن الوعود الرسمية بتقليل الاعتماد على الدين لم تتحقق.
وتزداد خطورة المشهد عندما تتحول العلاقة مع صندوق النقد من برنامج مؤقت إلى مسار شبه دائم، لأن كل مراجعة جديدة تحمل مطالب تخص سعر الصرف والطروحات والدعم والإنفاق العام.
الديون تلتهم الميزانية وتخنق الإنفاق العام
توضح بيانات الدين الخارجي أن مصر ظلت داخل مستويات مرتفعة للغاية، إذ سجل الدين الخارجي نحو 163.7 مليار دولار في سبتمبر 2025، بعد أن بلغ 161.2 مليار دولار في يونيو 2025.
كما تشير بيانات البنك المركزي إلى أن خدمة الدين الخارجي وحدها بلغت 6.442 مليارات دولار في الربع الأول من العام المالي 2025-2026، بين أقساط وفوائد مستحقة على البلاد.
وبسبب هذه الأرقام، لا تبدو الأزمة محصورة في أصل الدين، لأن مدفوعات الفوائد والأقساط تستنزف موارد الدولة وتفرض ضغطًا مستمرًا على الموازنة والعملات الأجنبية والإنفاق الاجتماعي.
ويقدم الباحث الاقتصادي محمد رمضان قراءة مباشرة لهذا المحور، إذ يرى أن تركيز الحكومة على الفائض الأولي يخفي عجزًا أوسع سببه تضخم مدفوعات الفوائد واستنزاف الإنفاق العام.
وتدعم أبحاث المبادرة المصرية للحقوق الشخصية هذه القراءة، بعدما أظهرت أن 58% من القروض الجديدة في موازنة 2025-2026 موجهة لخدمة ديون قائمة، لا لتمويل تنمية حقيقية.
كما أوضحت المبادرة أن فوائد الدين تعادل 87% من الإيرادات الضريبية، وهو رقم يكشف أن المواطن يدفع الضرائب ثم تذهب الحصيلة إلى الدائنين بدل المدارس والمستشفيات والحماية الاجتماعية.
ومن هنا تتضح كلفة الاستدانة المتكررة على الحياة اليومية، لأن كل جنيه يتجه إلى خدمة الدين يخصم من فرص تحسين الأجور والدعم والصحة والتعليم والنقل العام.
في المقابل، يحاول الخطاب الرسمي تقديم تراجع بعض النسب أو تحسن بعض المؤشرات بوصفه إنجازًا، لكنه يتجاهل أن عبء السداد الفعلي يظل ضخمًا ومؤثرًا على القرار الاقتصادي.
وعلى هذا الأساس، لا يكفي إعلان الحكومة عن سداد متأخرات أو جذب استثمارات خليجية، لأن هذه التدفقات لا تبني قدرة إنتاجية مستدامة إذا ظلت البلاد بحاجة إلى تمويل جديد.
بل إن الاعتماد على صفقات استثنائية يزيد هشاشة الاقتصاد، لأنه يربط استقرار الجنيه والاحتياطي والميزانية بأحداث لا تتكرر كل عام، بدل ربطها بتصدير وإنتاج وتدفقات مستقرة.
وتكشف هذه الحلقة أن الحكومة تختار الحل الأسرع عبر الاقتراض والبيع، بينما تترك جذور الأزمة في بنية الاقتصاد، وعلى رأسها ضعف الصناعة والتصدير واتساع دور الدولة والجهات التابعة لها.
كما أن استمرار الدين عند هذه المستويات يضع الأجيال القادمة أمام التزامات لم تشارك في صنعها، بينما جرى إنفاق جانب كبير من الموارد على مشروعات لا تدر عائدًا دولاريًا كافيًا.
المواطن يدفع فاتورة التقشف والطروحات
تؤكد الباحثة الاقتصادية سلمى حسين أن التركيز على المؤشرات الرقمية وحدها يخفي حقيقة استمرار الدين عبر مسارات خارج الموازنة، بما يجعل الحديث الرسمي عن الانضباط المالي قاصرًا ومضللًا.
وتخدم قراءة حسين محور الكلفة الاجتماعية، لأن الأرقام لا تقاس فقط بحجم العجز أو الفائض، بل بما يخسره المواطن من دعم وخدمات وأمان معيشي نتيجة شروط التمويل.
ومن ثم، فإن أي تفاوض جديد مع صندوق النقد قد يفتح الباب أمام جولة أخرى من الضغط على الدعم والضرائب والأسعار، حتى لو جرى تسويقها تحت عناوين الإصلاح والكفاءة.
وتزيد هذه المخاوف مع تحفظ صندوق النقد على بطء الطروحات الحكومية وتقليص دور الدولة، لأن تسريع الخصخصة في اقتصاد مضغوط قد يحول الأصول العامة إلى وسيلة لسداد الفجوات.
كذلك لا يضمن بيع الأصول بناء اقتصاد أقوى، إذا لم ترتبط الحصيلة بخطة إنتاج وتصدير وتشغيل، لأن البيع في هذه الحالة يصبح تمويلًا مؤقتًا يسبق أزمة تمويلية جديدة.
وبينما يواجه المواطن موجات تضخم متكررة، يظل الخطاب الرسمي مشغولًا بإرضاء الدائنين والمؤسسات الدولية، بدل حماية الأجور والقوة الشرائية والإنفاق الاجتماعي من التآكل المستمر.
لذلك تبدو الأزمة الاقتصادية في مصر أزمة إدارة واختيارات، لأن السلطة تملك موارد وأصولًا وسوقًا كبيرة، لكنها تواصل سياسة سد الفجوات بالقروض بدل إصلاح أولويات الإنفاق والاستثمار.
وفي ظل هذا المسار، تصبح الضغوط على الأسر نتيجة مباشرة للسياسات المالية، حيث تدفع الطبقات المتوسطة والفقيرة كلفة التعويم والتضخم والضرائب، بينما لا ترى تحسنًا ملموسًا في الخدمات.
ثم يأتي ملف الطروحات ليزيد القلق، لأن الحكومة تعرضه كحل لجذب الدولار، بينما يرى منتقدون أنه يفتح الباب لتسييل أصول وطنية دون رقابة كافية أو عائد تنموي واضح.
ولا تنفصل هذه التطورات عن أزمة الثقة بين المجتمع والسياسات الاقتصادية، لأن المواطن يسمع وعودًا متكررة عن نهاية الأزمة، ثم يواجه كل عام أسعارًا أعلى ودعمًا أقل وقروضًا جديدة.
في النهاية، يكشف شبح قرض جديد من صندوق النقد أن الاقتصاد المصري ما زال محاصرًا بين ديون مرتفعة وطروحات متعثرة وإنفاق عام مختنق، بينما تدفع الأسر ثمن وصفة لا تتغير.
وتحتاج مصر إلى مراجعة شاملة للمسار المالي والنقدي قبل أن يتحول الاقتراض إلى سياسة دائمة، لأن استمرار إدارة الأزمة بالقروض يهدد السيادة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية معًا.

