كشفت شهادات حقوقية وأهلية من محيط مستشفى بدر العام عن خروج معتقلين اثنين نُقلا من سجن بدر 1، وسط حراسة أمنية مشددة، بعد تصاعد الاشتباكات داخل السجن ووقوع إصابات خطيرة بين عدد من المحتجزين.

 

وتأتي الواقعة داخل سياق أوسع من الشكاوى المتكررة بشأن مجمع بدر، حيث تتحدث أسر ومنظمات حقوقية عن تفتيش مهين وتجريد للزنازين وحرمان من الزيارات، بينما تواصل وزارة الداخلية سياسة النفي والتهديد بملاحقة من ينشرون الشهادات.

 

ترحيلات بدر تكشف حجم التصعيد داخل السجن

 

بحسب الشهادات، شهد محيط مستشفى بدر العام تحرك سيارة ترحيلات رصاصية داكنة مغلقة بالكامل ومدرعة بالحديد، ومكتوب عليها الشرطة المصرية، بعد نقل معتقلين اثنين من سجن بدر 1 إلى المستشفى.

 

كما رافقت سيارة الترحيلات 3 سيارات بيضاء بكابينة مزدوجة وصندوق خلفي، وسيارتان كحلي بالكابينة نفسها، إلى جانب سيارة رصاصية داكنة مغلقة تقل عددًا من العساكر الملثمين.

 

في الوقت نفسه، ظهر باقي أفراد الحراسة بملابس مدنية، بما يعكس طبيعة التعامل الأمني مع واقعة طبية يفترض أنها تتطلب إعلانًا واضحًا عن حالة المصابين ومكان احتجازهم ومسؤولية إصابتهم.

 

وتزامن خروج المعتقلين من المستشفى مع اتساع رقعة الاشتباكات داخل قطاع 3 بسجن بدر 1، بعدما غطى المعتقلون كاميرات المراقبة داخل الزنازين وكسروا بعضها احتجاجًا على انتهاك خصوصيتهم.

 

بعد ذلك، اقتحمت القوة الضاربة عددًا من الزنازين واعتدت على المعتقلين بالضرب، وفق الشهادات، ما أسفر عن وقوع إصابات خطيرة بين محتجزين كانوا يحتجون على التفتيش والتجريد والمراقبة المستمرة.

 

ويخدم موقف الحقوقي حسام بهجت هذا المحور، إذ طالب في بلاغ سابق للنائب العام بفتح تحقيق جنائي في أوضاع نزلاء بدر، وربط المسألة بسيادة القانون والسلامة الجسدية والكرامة الإنسانية.

 

لذلك لا يمكن فصل مشهد المستشفى عن ملف أوسع، لأن نقل معتقلين مصابين وسط حراسة كثيفة لا يجيب عن سؤال الإصابة، ولا يكشف طبيعة ما جرى داخل الزنازين قبل الترحيل.

 

ومن ثم، تبدو رواية الأهالي والمنظمات أكثر إلحاحًا من النفي الرسمي، لأن التفاصيل الميدانية تتحدث عن سيارات ترحيلات وقوة ضاربة ومصابين، بينما يكتفي الخطاب الأمني بوصف الشهادات بأنها مزاعم.

 

تجريد قطاع 4 واختفاء معتقلين يشعلان الإضراب

 

امتد التصعيد إلى قطاع 4 داخل سجن بدر 1، بعدما جرى تجريد القطاع وشن حملات تفتيش واسعة طالت عدة أدوار وغرف، في استمرار لنمط التفتيش العقابي الذي تشكو منه الأسر.

 

في الدور الأول، جرى تفتيش الغرف بالكامل، واقتياد 12 معتقلًا إلى جهة غير معلومة، وسط غياب أي إعلان رسمي عن أماكن نقلهم أو أسباب إخراجهم من غرفهم.

 

أما الدور الثاني، فقد شهد الإجراء ذاته، مع اقتياد 15 معتقلًا آخرين، بما رفع أعداد المنقولين قسرًا من القطاع وأشعل مخاوف الأهالي بشأن مصيرهم وسلامتهم الجسدية والنفسية.

 

وفي الدور الثالث، جرى تجريد غرفتي 56 و57 بشكل كامل، إلى جانب اقتياد 4 معتقلين كانوا متبقين داخل غرفة 51، بعد تغريب 4 آخرين من الغرفة نفسها منذ اليوم الأول.

 

كما تعرض المعتقل هشام سعيد للاعتداء والتعذيب، بحسب الشهادات، في إطار التنكيل به على خلفية مشاركته في أحداث اليوم الأول، وهو ما يكشف طابعًا عقابيًا لا إجراءً إداريًا عاديًا.

 

وعقب هذه التطورات، أعلن المعتقلون بدء إضراب عن الطعام في جميع الأدوار، احتجاجًا على اقتياد زملائهم وغياب أي معلومات عن مصيرهم أو أماكن احتجازهم الجديدة.

 

ثم تصاعدت المخاوف بعد تهديد عدد من المعتقلين بالانتحار إذا لم تتم إعادة المختفين والكشف عن أماكنهم، في مؤشر خطير على بلوغ الأزمة مستوى يهدد حياة المحتجزين.

 

ويعزز الحقوقي محمد لطفي هذا المحور من خلال ربطه أوضاع السجون المصرية بغياب التحسن الحقوقي، لأن استمرار الإضرابات ومحاولات الانتحار يعكس فشل أدوات الرقابة الرسمية لا مجرد توتر عابر.

 

وعلى هذا الأساس، يتحول مطلب الكشف عن أماكن المنقولين إلى واجب قانوني عاجل، لأن الاختفاء داخل المنظومة العقابية يضاعف الخطر ويترك الأسرة أمام فراغ كامل من المعلومات.

 

لذلك يستدعي ما يجري داخل قطاع 4 تحركًا فوريًا لوقف حملات التجريد والتنكيل، وإعادة المنقولين أو إعلان أماكنهم، وفتح تحقيق مستقل في واقعة الاعتداء على هشام سعيد وباقي المصابين.

 

نفي الداخلية لا يوقف تراكم الشهادات الحقوقية

 

خلال الأيام الماضية، اشتكى عدد من أهالي معتقلي سجن بدر من تعرض أبنائهم لانتهاكات أمنية، وأعربوا عن قلقهم على حياتهم في ظل تصاعد الاعتداءات داخل قطاعات السجن.

 

ومع انتشار الشهادات الأولية، أصدرت وزارة الداخلية نفيًا على لسان مصدر أمني بشأن تعرض سجناء أحد مراكز الإصلاح والتأهيل لانتهاكات أو دخولهم في إضراب بسبب هذه الوقائع.

 

غير أن بيان الجبهة المصرية لحقوق الإنسان وثق، لاحقًا، انتهاكات بدأت صباح الخميس، وتنوعت بين الاعتداءات البدنية والتفتيش المهين وحرمان المحتجزين وأسرهم من حقوق أساسية.

 

وبحسب ما نقلته الجبهة عن شهادات موثقة، بدأت الأحداث بدخول ضباط السجن لإجراء عملية تفتيش جديدة داخل الزنازين، وهي عملية يصفها المحتجزون بأنها متكررة لتكديرهم وتجريدهم من أدواتهم.

 

ثم رفض السجناء استمرار النهج نفسه، بعدما جرى تجريدهم سابقًا من أدوات وملابس وبطاطين، قبل أن تقتحم قوة السجن الزنازين بالقوة وتكسر المتعلقات الشخصية وتدمرها.

 

عند هذه النقطة، بدأت الاحتجاجات في قطاع 3 وامتدت إلى قطاعي 1 و2 داخل سجن بدر 1، وتحولت إلى اشتباكات بين النزلاء وقوة السجن.

 

وقد تسببت الاشتباكات في إصابات بين السجناء شملت جروحًا قطعية وكدمات، إضافة إلى إصابة أحد الضباط، وفق الشهادات التي نقلتها المنظمات الحقوقية عن مجريات الأحداث.

 

ومن أجل احتواء الأزمة، خرج 4 نزلاء للتفاوض مع إدارة السجن للتهدئة، لكنهم لم يعودوا إلى زنازينهم، وسط روايات عن تغريبهم إلى سجن بدر 3 كإجراء عقابي.

 

بعد اختفاء المفاوضين، قرر باقي المعتقلين التصعيد بعدم استلام أكل السجن، وإشعال البطاطين داخل الزنازين، والخبط على الأبواب يومي الخميس والجمعة، احتجاجًا على إدارة الأزمة بالقوة.

 

وردت إدارة السجن بتصعيد جديد، وفق الشهادات، حيث منعت عددًا من المعتقلين السياسيين من الزيارة يوم السبت، ومنعت أهاليهم من إدخال الطعام، مع التضييق على زيارات أخرى.

 

وتخدم الحقوقية منى سيف هذا المحور، لأن شهاداتها وحملاتها بشأن ظروف احتجاز علاء عبد الفتاح في بدر سلطت الضوء على العزل والحرمان من الحقوق الأساسية داخل السجون الحديثة.

 

ومنذ افتتاح بدر في أواخر 2021، وثقت شهادات معتقلين سابقين وأهالي وتقارير حقوقية شكاوى عن الحرمان من الزيارة والتريض، وتقليل الطعام، وغياب التهوية والشمس داخل الزنازين.

 

كذلك تحدثت شهادات متعددة عن حرمان المحتجزين من الرعاية الطبية الجيدة، ومنع إدخال الملابس القطنية والبطاطين وأدوات النظافة، مع تعريضهم لإضاءة قوية على مدار 24 ساعة.

 

وتربط هذه الشكاوى بين الظروف اليومية ومحاولات الانتحار الجماعية، لأن حرمان السجين من النوم والزيارة والرعاية والتواصل الخارجي يحول الاحتجاز إلى ضغط مستمر على الجسد والأعصاب.

 

وخلال السنوات الأخيرة، تكرر إعلان الإضراب داخل قطاعات بدر المختلفة، بينما اكتفت النيابة العامة بزيارات دورية انتهت غالبًا إلى روايات رسمية تمدح أوضاع مراكز الإصلاح والتأهيل.

 

ومع ذلك، يضع تقرير المجلس القومي لحقوق الإنسان نفسه السلطة أمام مسؤوليتها، لأنه تحدث عن ضرورة تعزيز ضمانات التحقيق المستقل والشفاف في الشكاوى والانتهاكات داخل أماكن الاحتجاز.

 

وبالتالي، لم يعد النفي الأمني كافيًا أمام عشرات الشكاوى والبيانات والشهادات، لأن التحقيق النزيه وحده يستطيع حسم الوقائع ومحاسبة كل من يثبت تورطه في الانتهاك أو التستر.

 

في النهاية، تكشف أزمة بدر 1 أن خطاب الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان يفقد معناه عندما يواجه شهادات عن تجريد وتعذيب واختفاء وإضراب وتهديد بالانتحار داخل منشأة تقدمها الدولة كنموذج للإصلاح.