كشف رئيس حكومة الانقلاب مصطفى مدبولي، عن إهدار 35 مليار جنيه سنويًا داخل منظومة دعم الخبز، قائلًا إن نسبة عدم الكفاءة تصل إلى 25%، من دون أن يعلن مصدرًا تفصيليًا للرقم أو طريقة احتسابه.
وجاءت تصريحات مدبولي خلال زيارته لمحافظة البحيرة لتفتح بابًا جديدًا أمام تمرير الدعم النقدي، بينما يعيش ملايين المصريين تحت ضغط أسعار الغذاء، وتتعامل الحكومة مع رغيف الخبز بوصفه بندًا ماليًا قابلًا للخصم لا حقًا اجتماعيًا مرتبطًا بالبقاء اليومي.
وبحسب طرح رئيس الحكومة، فإن منظومة الخبز تكلف الدولة نحو 140 مليار جنيه سنويًا، لكن 35 مليار جنيه لا تصل إلى المستحقين، وهو رقم استخدمه مدبولي لتبرير التحول إلى قاعدة بيانات جديدة.
غير أن الحكومة لم تشرح للرأي العام كيف تراكم هذا الهدر، ومن استفاد منه، ولماذا ظل قائمًا داخل منظومة تديرها الدولة وتراقبها وزارة التموين والمخابز والمطاحن والبطاقات الذكية منذ سنوات طويلة.
في المقابل، زعمت الحكومة أن الدعم النقدي سيعالج المشكلة عبر قاعدة بيانات قوية، لكن التجربة السابقة مع تنقية البطاقات أثبتت أن ضعف البيانات لا يصيب غير المستحقين وحدهم، بل يضرب أسرًا فقيرة يصعب عليها إثبات فقرها بسرعة.
ومن هنا، لا يبدو رقم 35 مليار جنيه مجرد مؤشر فني على خلل إداري، بل يتحول إلى اعتراف سياسي بأن الدولة تركت منظومة الخبز تنزف المال العام ثم بدأت تفكر في العلاج من جيوب المستفيدين.
هدر الخبز يتحول إلى ذريعة لتغيير شكل الدعم
بدأت الحكومة تسويق الدعم النقدي باعتباره طريقًا إلى العدالة، لكنها لم تبدأ بمحاسبة منظومة الهدر نفسها، ولم تكشف للرأي العام أسماء الجهات المسؤولة عن تسرب ربع دعم الخبز تقريبًا.
وبينما تشير الحكومة إلى غير المستحقين، تغيب الأسئلة عن الرقابة على المطاحن والمخابز وسلاسل التوريد، لأن الفاقد في منظومة بهذا الحجم لا ينتج من المواطن وحده، ولا يعالج بخفض نصيبه من الدعم.
ويرى أستاذ الاقتصاد ووزير التموين الأسبق جودة عبد الخالق أن الدعم النقدي قد يملك أفضلية نظرية في بعض الظروف، لكنه رفض التحول إليه في التوقيت الحالي بسبب التضخم وضعف ضمانات حماية القيمة الحقيقية للدعم.
وتخدم ملاحظة عبد الخالق جوهر أزمة الخبز، لأن أي مبلغ نقدي ثابت سيفقد قوته مع ارتفاع الأسعار، بينما يحصل المواطن في الدعم العيني على سلعة محددة تظل مرتبطة بحاجته اليومية لا بتقلبات السوق.
كذلك، فإن الحكومة تتحدث عن قاعدة بيانات قوية كأنها ضمانة مطلقة، رغم أن قواعد البيانات نفسها كانت مدخلًا لحذف مواطنين من بطاقات التموين في مراحل سابقة، وسط شكاوى متكررة من صعوبة التظلم.
وبناء على ذلك، يصبح السؤال الأهم ليس هل يوجد هدر في دعم الخبز، بل لماذا تريد الحكومة تحويل الهدر الذي وقع تحت إدارتها إلى حجة لتغيير حق يحصل عليه نحو عشرات الملايين يوميًا.
الخبز بين تعهدات البرلمان وتصريحات الحكومة
وأكد وكيل لجنة الشؤون الاقتصادية بمجلس النواب أيمن محسوب، في مداخلة تلفزيونية، أن رغيف الخبز لن يدخل ضمن منظومة الدعم النقدي الجديدة، وأن منظومة الدعم العيني للخبز ستستمر.
لكن تصريحات مدبولي في البحيرة جعلت هذا التعهد البرلماني ضعيفًا أمام اتجاه حكومي أوسع، خصوصًا مع تداول سيناريوهات تتحدث عن ضم الخبز إلى السلع التموينية داخل بطاقة موحدة وبأسعار أقرب إلى السوق.
وكان محسوب قد تحدث عن تقسيم المستفيدين إلى ثلاث شرائح، تحصل أعلاها على القيمة نفسها التي كانت تحصل عليها قبل الدعم النقدي، بينما تزيد الشريحتان الثانية والثالثة بنسبة قد تصل إلى 30%.
ورغم أن هذه الصياغة تبدو مطمئنة على الورق، فإنها لا تجيب عن سؤال القيمة بعد التضخم، ولا تضمن بقاء الزيادة كافية إذا ارتفع سعر الدقيق أو الخبز أو السلع الأساسية خلال أشهر قليلة.
وتحذر الباحثة العمالية والاجتماعية منى عزت من أن سياسات الحماية الاجتماعية تفقد معناها عندما تتحول إلى مبالغ لا تلاحق الأسعار، لأن الأسر الفقيرة تحتاج إلى ضمان استهلاك فعلي لا إلى رقم يتآكل شهريًا.
وتكشف هذه الزاوية خطورة دمج الخبز في منظومة نقدية، لأن رغيف الخبز ليس سلعة إضافية في بطاقة التموين، بل هو أساس غذائي يومي يحمي الأسر من سقوط أوسع داخل الجوع وسوء التغذية.
ومع ذلك، تتعامل الحكومة مع الخبز ضمن خطاب الكفاءة المالية، بينما يتعامل المواطن معه ضمن حساب الوجبة اليومية، وهذا الفارق يجعل أي تغيير في المنظومة تهديدًا مباشرًا للأسر التي لا تملك بديلًا.
تنقية البطاقات تفتح باب الحذف لا الإصلاح
نفى مساعد وزير التموين للخدمات الرقمية محمد شتا صحة الأرقام المتداولة بشأن حذف 850 ألف بطاقة تموينية، وقال إن الوزارة لم تعلن بعد أرقام المستبعدين من منظومة الدعم.
وأوضح شتا أن الأرقام النهائية ستظهر بعد اكتمال مراحل مراجعة وتنقية قواعد بيانات المستفيدين، لكن النفي لم يلغ القلق الشعبي، لأن كلمة التنقية ارتبطت عمليًا عند كثيرين بالحذف والتظلمات وطول الإجراءات.
ويؤكد المحامي والحقوقي خالد علي أن الحق في الغذاء لا يجوز التعامل معه كمنحة إدارية قابلة للسحب المفاجئ، لأن الدستور والالتزامات الاجتماعية يفرضان على الدولة حماية الحد الأدنى من المعيشة.
وتدعم هذه الرؤية المخاوف المحيطة بتنقية البطاقات، إذ لا يكفي أن تعلن الوزارة عدم صحة رقم 850 ألف بطاقة، ما دامت لم تنشر معايير الاستبعاد ولا آلية تظلم سريعة وملزمة.
ومن ناحية أخرى، تكشف تصريحات الحكومة عن تناقض واضح بين تحميل غير المستحقين مسؤولية الهدر، وبين الاعتراف بأن قاعدة البيانات تحتاج إلى تنقية واسعة قبل تطبيق الدعم النقدي بشكل موثوق.
فإذا كانت قاعدة البيانات غير منضبطة الآن، فإن استخدامها لتحديد قيمة الدعم النقدي وشرائحه قد ينقل الخطأ من بطاقة الخبز إلى دخل الأسرة نفسه، ويجعل الفقير مسؤولًا عن إثبات حاجته مرة بعد مرة.
وتزداد خطورة هذا المسار لأن الحكومة لم تعلن حتى الآن حدًا واضحًا للاستحقاق، ولم تحدد كيف ستتعامل مع العمالة غير المنتظمة، أو الأسر التي انخفض دخلها بسبب الغلاء أو فقدان العمل.
وفي هذا السياق، يصبح حديث 35 مليار جنيه عن الهدر اتهامًا ناقصًا، لأنه يذكر قيمة الخسارة ولا يحدد المسؤول الإداري والسياسي عنها، ثم يدفع النقاش بسرعة نحو تقليص الدعم أو تحويله.
كما أن ضم الخبز إلى منظومة نقدية موحدة قد يفتح الباب أمام رفع تدريجي لسعر الرغيف، حتى لو جرى تقديم الأمر في البداية كتنظيم فني لا يمس حق المواطن.
وبدلًا من إصلاح الرقابة على المخابز والمطاحن ومراجعة حلقات التوزيع، تضع الحكومة المواطن أمام معادلة قاسية، إما قبول الدعم النقدي المجهول القيمة، أو البقاء داخل منظومة تتهمها الحكومة نفسها بالهدر.
وأخيرا تضع تصريحات مدبولي الحكومة في موضع اتهام قبل أن تضع المواطن في موضع مراجعة، لأن إهدار 35 مليار جنيه داخل دعم الخبز لا يحدث من دون إدارة سمحت به ورقابة عجزت عنه.
وإذا أرادت الحكومة إصلاحًا حقيقيًا، فعليها أن تكشف أولًا أين ذهبت الأموال، ومن استفاد من التسرب، وكيف ستضمن عدم تحويل الدعم النقدي إلى خفض مقنع لقيمة رغيف الخبز.
أما تمرير الدعم النقدي تحت شعار الكفاءة، من دون نشر المعايير والأرقام وآليات التظلم وربط القيمة بالتضخم، فيعني أن الفقراء سيدفعون ثمن الهدر مرتين، مرة من المال العام ومرة من رغيفهم اليومي.

