أوضحت مؤشرات الوقود والطاقة في مصر، خلال يونيو 2026، أن وعود الحكومة بعدم عودة تخفيف الأحمال تصطدم بتراجع إنتاج الغاز، وارتفاع الاستيراد، والاعتماد على 4 سفن تغييز لتغطية ذروة الصيف.
وتضع هذه المؤشرات المصريين أمام خداع رسمي جديد، لأن السلطة تبيع الطمأنة بالكلام، بينما تؤكد الأرقام أن الكهرباء صارت رهينة شحنات غاز مستوردة بالدولار، لا منظومة محلية قادرة على الصمود.
وعود بلا ضمانات أمام صيف ساخن
تقترب أشهر يوليو وأغسطس من ذروة استهلاك الكهرباء، بينما يكرر المسؤولون أن تخفيف الأحمال لن يعود، رغم أن الأزمة الأصلية لم تكن في الأسلاك، بل في الوقود اللازم لتشغيل المحطات.
غير أن الحكومة لا تقدم ضمانة حقيقية، لأنها تربط استقرار التيار بوصول الغاز المسال وتشغيل سفن التغييز، وهو اعتراف ضمني بأن الإنتاج المحلي لا يكفي لمواجهة ضغط الصيف.
كما أن الحديث الرسمي عن تأمين احتياجات الكهرباء يتجاهل تجربة سابقة مؤلمة، حين سمع المواطنون وعودا كثيرة قبل أن تعود الانقطاعات إلى البيوت والمحال والمصانع وتربك الحياة اليومية في عز الحر.
وفي هذا السياق، لا تبدو الطمأنة الحالية خبرا مطمئنا، بل تبدو محاولة لتسكين الغضب قبل بدء الذروة، لأن كل مؤشرات الطلب والوقود تشير إلى موسم شديد الضغط.
ومن هنا تتقدم زاوية الخداع، فالحكومة لا تقول للمواطن إن منع الانقطاع يحتاج إنفاقا ضخما بالدولار، ولا تقول إن أي خلل في الإمدادات قد يعيد الظلام بسرعة.
ويخدم رأي الدكتور حافظ السلماوي، أستاذ هندسة الطاقة، هذا المحور بوضوح، لأنه ربط تخفيف الأحمال بنقص كميات الغاز المتاحة لمحطات الكهرباء، لا بمجرد جاهزية الشبكات أو قدرات التوليد.
وبذلك يصبح السؤال الأساسي ليس هل توجد محطات كافية، بل هل تملك الحكومة وقودا كافيا ورخيصا ومضمونا لتشغيلها طوال الصيف، خصوصا عند ارتفاع استهلاك التكييف والتبريد.
ثم إن الاعتماد على سفن التغييز لا يعني انتهاء الأزمة، لأن هذه السفن تستقبل الغاز المسال المستورد وتحوله فقط، بينما تظل مصر بحاجة مستمرة إلى شحنات جديدة وأسعار مستقرة.
وعلى هذا الأساس، قد تمنع الحكومة الانقطاع في بعض الأيام ثم تفشل في أيام الذروة، لأن أي تأخير في الشحنات أو ضغط على الشبكة يحول الوعد الرسمي إلى ورقة بلا قيمة.
لذلك لا ينبغي التعامل مع نفي تخفيف الأحمال كحقيقة نهائية، بل كتعهد سياسي هش، يقف فوق أزمة وقود ودولار وإنتاج محلي متراجع وطلب صيفي لا ينتظر البيانات الرسمية.
الدولارات المحروقة لا تشتري استقرارا دائما
تعتمد الحكومة على 4 سفن تغييز في السخنة ودمياط، بطاقة إجمالية تصل إلى نحو 2.7 مليار قدم مكعب يوميا، لتغذية محطات الكهرباء والقطاعات الصناعية والاستهلاكية خلال ذروة الصيف.
لكن هذه القدرة لا تعني فائضا آمنا، لأنها تمثل قناة لاستقبال الغاز المستورد لا مصدرا جديدا للطاقة، ولذلك يبقى استقرار الكهرباء مشروطا بتدفق الشحنات وتمويلها دون انقطاع.
كما تكشف أرقام الاستيراد أن الحكومة لم تعد تدير ملف الطاقة من موقع القوة، إذ ارتفعت واردات مصر من الغاز خلال 2025 إلى نحو 8.9 مليار دولار.
وبالمقارنة، بلغت واردات الغاز نحو 4.9 مليار دولار في 2024، ما يعني أن فاتورة الاستيراد قفزت بقوة، بينما يظل المواطن يسمع خطابا رسميا عن السيطرة والطمأنة.
وفي هذا المحور، تخدم تقديرات الدكتور محمد فؤاد، الخبير الاقتصادي وعضو مجلس النواب السابق، زاوية الفاتورة، إذ قدر تكلفة تأمين الغاز والوقود خلال صيف 2026 بنحو 8 مليارات دولار.
كما توقع فؤاد أن يرتفع استهلاك مصر من الغاز الطبيعي إلى نحو 7.9 مليار قدم مكعب يوميا في أغسطس، وهو رقم يضع الحكومة أمام اختبار إمدادات قاس.
وتعني هذه الأرقام أن الصيف قد يشهد انقطاعات كبيرة رغم إنفاق الدولارات، لأن الفجوة بين الطلب والإنتاج والاستيراد لا تغلق بمجرد إعلان حكومي أو جولة وزارية أمام الكاميرات.
إضافة إلى ذلك، تتحرك أسعار الغاز عالميا تحت ضغط التوترات الجيوسياسية، وهو ما يجعل خطة الحكومة مكشوفة أمام سوق لا ترحم الدول التي وصلت إلى الذروة وهي مستوردة.
وفي حال ارتفعت الأسعار أو تأخرت الشحنات، لن يدفع المسؤول ثمن الارتباك في بيته، بل سيدفعه المواطن في صورة انقطاع كهرباء أو غلاء أسعار أو رسوم جديدة.
ومن ناحية الصناعة، تمثل الكهرباء المتذبذبة تهديدا مباشرا لخطوط الإنتاج، لأن المصانع لا تستطيع تشغيل ورديات ثابتة على وعد حكومي قابل للكسر عند أول موجة حر قوية.
لذلك تبدو الدولارات المهدرة على الاستيراد أشبه بشراء صمت مؤقت، لا بناء أمن طاقة حقيقي، لأن الحكومة تنفق لتفادي الانفجار الشعبي دون معالجة أسباب نقص الغاز المحلي.
تراجع الإنتاج يفضح رواية الاكتفاء
تقول الحكومة إن سداد مستحقات الشركاء الأجانب سيشجع الشركات على تكثيف البحث والاستكشاف، لكن هذا القول يكشف في ذاته أن تأخر السداد ساهم في تباطؤ الاستثمار والإنتاج.
وبسبب هذا التأخر، لم يظهر نقص الوقود فجأة مع موجات الحر، بل تراكم عبر سنوات من إدارة مرتبكة، ثم انفجر في صورة تخفيف أحمال ومناقصات استيراد وسفن تغييز.
كما لا تستطيع خطة حفر 101 بئر استكشافية قبل نهاية 2026 أن تنقذ صيف 2026، لأن الحفر والتقييم والتنمية ومد الشبكات عمليات تحتاج زمنا طويلا قبل الإنتاج.
وفي هذا الموضع، يخدم رأي الدكتور ماهر عزيز، عضو مجلس الطاقة العالمي، محور الهشاشة، لأنه اعتبر أن تعاقدات الغاز المسال تساعد فقط إذا استمرت الإمدادات دون انقطاع.
وهذا الشرط يفضح هشاشة الخطة، لأن الكهرباء لا تستقر اعتمادا على كلمة إذا، ولا يستطيع المواطن أن يخطط لحياته على احتمالات وصول الشحنات وعدم اضطراب الأسواق.
كذلك نقلت تقارير عن محمد فؤاد أن إنتاج الغاز في مصر انخفض خلال 2026 إلى مستويات قريبة من أضعف مستوياته في عقدين، رغم سنوات من تسويق الاكتفاء.
ومن ثم، لا تبدو الأزمة مجرد فجوة موسمية، بل نتيجة مباشرة لانهيار رواية رسمية طويلة قالت إن مصر مركز إقليمي للطاقة، ثم أعادت البلاد إلى طوابير الاستيراد.
وفي المقابل، تحاول الحكومة تحويل الأنظار إلى الاستعدادات الفنية، فتتحدث عن سفن وسعات ومحطات، لكنها لا تشرح للمواطن لماذا تراجع الإنتاج المحلي بهذا الشكل ولا من يتحمل المسؤولية.
كما أن الاستيراد من مصادر متعددة لا يحل المشكلة، لأنه يوسع قائمة البائعين فقط، بينما يترك المشتري المصري مكشوفا أمام الأسعار والدولار والاحتياج اليومي لمحطات الكهرباء.
لذلك يصبح الحديث عن صيف بلا تخفيف أحمال خداعا سياسيا إذا لم تصاحبه أرقام معلنة عن الشحنات والمخزون والطلب المتوقع وخطة التعامل مع أيام الذروة القصوى.
وبدلا من الاكتفاء بتطمينات متكررة، يحتاج المصريون إلى اعتراف رسمي بأن الانقطاعات مرشحة للعودة عند أي نقص في الوقود، وأن إهدار الدولارات لا يضمن استقرارا دائما.
وفي النهاية، تكشف أزمة الكهرباء أن الحكومة لا تمنع الظلام بإصلاح حقيقي، بل تؤجله بشحنات غاز مسال، وإذا اشتد الحر أو تعثرت الإمدادات فسيكتشف المصريون أن الطمأنة كانت خدعة باهظة.

