كشفت دراسة حديثة صادرة عن المركز المصري للدراسات الاقتصادية، أن القاهرة والإسكندرية تحولتا للمرة الأولى إلى محافظات طاردة للسكان، بعدما تآكلت قدرتهما على جذب الباحثين عن العمل والمعيشة الأفضل.
وتضع هذه النتيجة الحكومة أمام دلالة قاسية، لأن السكان لا يغادرون المدن الكبرى بسبب رفاهية الاختيار، بل بسبب كلفة السكن والخدمات والمواصلات، وتراجع قدرة الدخل على حماية الأسر من ضغوط الحياة اليومية.
القاهرة والإسكندرية من بوابة الفرص إلى مدن طاردة
أظهرت الدراسة أن خريطة الهجرة الداخلية لم تعد تتحرك وفق المسار القديم الذي كان يدفع سكان الريف إلى القاهرة والإسكندرية بحثا عن العمل، بعدما فقدت المدينتان جزءا كبيرا من جاذبيتهما الاقتصادية والاجتماعية.
وبحسب الدراسة، ارتفع عدد المهاجرين داخليا من نحو 4.8 مليون شخص عام 2006 إلى نحو 8.3 مليون شخص عام 2017، بما يعكس اتساع حركة انتقال السكان داخل البلاد تحت ضغط المعيشة.
كما لم يعد الانتقال من الريف إلى المدينة يمثل وعدا بتحسن الدخل، لأن الدراسة سجلت انخفاضا في مستوى الرفاه بنسبة 2.4% عند هذا النوع من الهجرة، بسبب الإيجارات المرتفعة وتكاليف الحياة اليومية.
في المقابل، سجل الانتقال من مدينة إلى أخرى تحسنا في مستوى الرفاه بنسبة 3.7%، وهو ما يكشف أن الأسر تبحث عن مدينة أقل تكلفة، لا عن مركز حضري ضخم يبتلع الدخل.
وتؤكد هذه الأرقام أن القاهرة لم تعد تستقبل الفقراء بوصفها مدينة الفرص، بل صارت تدفعهم إلى أطراف أخرى، بعدما تحولت تكاليف السكن والمواصلات والخدمات إلى عبء يومي لا تتحمله الأجور.
ويربط الباحث العمراني يحيى شوكت أزمة السكن في مصر بسياسات عمرانية وسوقية تركت قطاعات واسعة أمام تكلفة أعلى وأمان سكني أضعف، وهو طرح يفسر لماذا تصبح الهجرة من المدن الكبرى قرارا دفاعيا.
لذلك تبدو هجرة السكان من القاهرة والإسكندرية نتيجة مباشرة لغياب سياسة إسكان عادلة، لأن التنمية التي ترفع أسعار الأرض دون حماية السكان تنتج مدينة أجمل في الخطاب وأقسى على سكانها.
وتكشف إضافة السويس ودمياط إلى المحافظات الطاردة أن المشكلة لا تخص الزحام وحده، لأن المحافظتين تمتلكان نشاطا صناعيا وموقعا اقتصاديا مهما، ومع ذلك لم تنجحا في الاحتفاظ بالسكان.
ومن هنا يظهر الخلل في توزيع عوائد التنمية، لأن المشروعات والاستثمارات لا تكفي إذا لم تتحول إلى وظائف مستقرة وأجور حقيقية وخدمات قريبة، يستطيع المواطن أن يلمس أثرها في حياته اليومية.
البحر الأحمر وجنوب سيناء تجذبان السكان بفرصة موسمية ومحدودة
في الاتجاه المقابل، تصدرت محافظتا البحر الأحمر وجنوب سيناء قائمة المحافظات الأكثر جذبا للسكان، مدفوعتين بالتوسع السياحي والاستثمارات الجديدة التي وفرت فرص عمل مباشرة في الخدمات والإنشاءات والأنشطة المرتبطة بالسياحة.
لكن هذا الجذب لا يعني نجاحا شاملا في التنمية، لأن الاعتماد على المحافظات السياحية يكشف ضيق خريطة الفرص، حيث يتحرك السكان نحو قطاعات أكثر نشاطا، بينما تظل محافظات واسعة خارج دورة الاستثمار.
ويشير الاقتصادي والعمراني ديفيد سيمز في أعماله عن جغرافيا التنمية المصرية إلى أن الخلل المكاني ليس جديدا، وأن تركيز الاستثمار في مناطق بعينها يخلق ضغطا سكانيا وتنمويا غير متوازن.
وبهذا المعنى، لا تعكس الهجرة إلى البحر الأحمر وجنوب سيناء وفرة عادلة في الفرص، بل تعكس انتقال العمالة إلى جيوب اقتصادية محدودة، لا تستطيع وحدها تعويض تراجع فرص العمل في الريف والمدن القديمة.
كما تكشف الدراسة أن الهجرة قصيرة المسافة أصبحت نمطا بارزا، إذ يفضل السكان الانتقال داخل المحافظة أو إلى مناطق قريبة، حتى لا يخسروا شبكات الأسرة والدعم الاجتماعي التي تعوض ضعف الخدمات الرسمية.
وتوضح هذه النقطة أن المواطن لا يهاجر بحثا عن مغامرة اقتصادية، بل يحاول تقليل خسائره، فيقترب من مناطق العمل الجديدة دون أن يقطع صلته بأسرته ومحيطه الاجتماعي ومصادر المساندة اليومية.
ولهذا تصبح شبكات القرابة بديلا عن الدولة، لأن الأسرة تتحمل أدوارا كان يجب أن تؤديها منظومة حماية اجتماعية فعالة، خصوصا في فترات الغلاء والبطالة وارتفاع الإيجارات وتكاليف التعليم والصحة.
وتشير الدراسة إلى أن النساء حققن تحسنا في أوضاعهن بنسبة 3.25% بعد الهجرة الداخلية، مقارنة بنحو 2.25% للرجال، وهو فارق يعكس تغيرا في طبيعة الفرص داخل قطاعات الخدمات والمدن السياحية.
وتفيد أطروحات الاقتصادي راغوي أسعد حول سوق العمل المصري بأن عمل النساء يرتبط بشروط العمل أكثر من الرغبة وحدها، لأن البيئة الآمنة والمواصلات والساعات المناسبة تحدد قدرة النساء على دخول الوظائف.
ومن ثم فإن استفادة النساء من بعض مسارات الهجرة لا تبرئ السياسات الحكومية، بل تكشف أن الفرص المتاحة لهن تتحسن فقط عندما توفر المدن قطاعات خدمية أكثر مرونة، لا عندما تتحسن السوق عموما.
الريف يدفع ثمن فقدان الأرض وغياب الحماية
ربطت الدراسة التحولات السكانية بالتراجع المستمر في الرقعة الزراعية، موضحة أن مصر تفقد سنويا نحو 30 ألف هكتار من الأراضي الزراعية، بينما يؤدي فقدان كل 100 هكتار إلى اختفاء نحو 400 فرصة عمل.
وتجعل هذه الأرقام الريف في قلب الأزمة، لأن خسارة الأرض لا تعني فقط انخفاض الإنتاج الزراعي، بل تعني أيضا فقدان عمل يومي ومصدر دخل محلي وسبب لبقاء الأسر داخل قراها.
كما تعني خسارة الأرض أن الهجرة لم تعد قرارا فرديا لتحسين الدخل، بل أصبحت استجابة لضغط اقتصادي يطرد السكان من مناطقهم الأصلية، بعدما ضعفت قدرة الزراعة على استيعاب العمالة الريفية.
وتكتمل دائرة الضغط حين ينتقل الريفي إلى المدينة فيجد إيجارا أعلى وخدمات أغلى وروابط اجتماعية أضعف، فيتراجع مستوى الرفاه بدلا من أن يتحسن، كما سجلت الدراسة في نتيجة بالغة الدلالة.
وبينما تقدم الحكومة خطابا متكررا عن التنمية والمشروعات، تكشف حركة السكان اختبارا أكثر صدقا، لأن المواطن يذهب إلى المكان الذي يجد فيه عملا وسكنا وخدمة، لا إلى المكان الذي يظهر في الإعلانات الرسمية.
لذلك تطرح الدراسة سؤالا مباشرا عن جدوى نقل السكان إلى مناطق الفرص الجديدة، إذا كانت الدولة لا توسع الخدمات والاستثمارات في المناطق التي يغادرها المواطنون، ولا تعالج أسباب الطرد من الأصل.
ويصبح الخطر أكبر عندما تترك الحكومة الريف يخسر أرضه، والمدن الكبرى ترفع كلفة الحياة، والمحافظات الصناعية تطرد سكانها، ثم تنتظر من البحر الأحمر وجنوب سيناء أن يمتصا الفائض السكاني والاجتماعي.
وتؤكد هذه الخريطة أن أزمة الهجرة الداخلية ليست مجرد انتقال بين محافظات، بل سجل يومي لفشل السياسات المكانية في توزيع العمل والسكن والخدمات على نحو يحفظ بقاء الناس في أماكنهم.
وفي النهاية، لا تقول الأرقام إن المصريين يغيرون عناوينهم فقط، بل تقول إن المدن الكبرى صارت قاسية، والريف صار أضيق، والتنمية الرسمية لم تعد قادرة على إقناع السكان بالبقاء حيث يعيشون.

