كشفت بوابة الأسعار المحلية والعالمية التابعة لمركز معلومات مجلس الوزراء، اليوم السبت، استمرار ارتفاع أسعار اللحوم الحمراء في الأسواق، بعدما وصل متوسط الضاني الصافي إلى 475 جنيها، وتجاوزت بعض الأنواع 500 جنيه للكيلو.
وتدفع هذه الزيادات الأسر محدودة الدخل إلى تقليص شراء البروتين الحيواني أو الاستغناء عنه، بينما تكتفي حكومة السيسي بنشر متوسطات يومية لا تغيّر واقع محال الجزارة، ولا تحمي المستهلك من موجات غلاء متلاحقة.
أسعار تتجاوز قدرة الأسر على الشراء
سجل متوسط سعر كيلو اللحم الضاني الصافي نحو 475 جنيها، بارتفاع 2.5 جنيه عن السعر السابق، بينما تراوحت الأسعار الفعلية في الأسواق بين 390 و550 جنيها للكيلو.
كما بلغ متوسط سعر كيلو اللحمة الضاني بالعظم نحو 435 جنيها، بزيادة 24 جنيها دفعة واحدة، وتراوحت أسعار هذا النوع بين 380 و490 جنيها داخل الأسواق ومحال الجزارة.
وفي اللحوم البتلو، وصل متوسط سعر الكيلو الصافي إلى نحو 462 جنيها، بارتفاع جنيهين عن السعر السابق، بينما تحركت الأسعار بين 380 و520 جنيها حسب المنطقة ونوعية القطعية.
أما البتلو بالعظم، فقد سجل متوسطا يقارب 437 جنيها للكيلو، بزيادة 30.5 جنيه، وهي قفزة تكشف أن موجة الارتفاع لا تقتصر على اللحوم الصافية وحدها.
وبالنسبة للحوم الكندوز كبير السن، سجل متوسط السعر نحو 366 جنيها للكيلو، بانخفاض 6 جنيهات عن السعر السابق، بينما تراوح السعر بين 280 و400 جنيه في الأسواق.
غير أن الكندوز صغير السن ظل عند مستويات مرتفعة، إذ بلغ متوسط الكيلو نحو 445 جنيها، بانخفاض جنيهين فقط، بينما تراوح السعر بين 380 و490 جنيها.
كذلك سجل الكندوز متوسط السن نحو 441 جنيها للكيلو، بارتفاع 19 جنيها عن السعر السابق، وتراوحت الأسعار بين 400 و500 جنيه، بما يوسع دائرة الضغط على المستهلكين.
وتكشف هذه الأرقام أن الانخفاض المحدود في بعض الأصناف لا يغير الاتجاه العام، لأن مستويات الأسعار بقيت مرتفعة بما يكفي لإخراج اللحوم من حسابات أسر كثيرة.
ومع استمرار هذه المستويات، لم تعد اللحوم الحمراء سلعة غذائية دورية على موائد قطاعات واسعة، بل تحولت إلى شراء موسمي أو مرتبط بالمناسبات، بعد تراجع القدرة الشرائية للأجور.
وتخدم رؤية محمود العسقلاني، رئيس جمعية مواطنون ضد الغلاء، محور حماية المستهلك، إذ انتقد زيادات اللحوم المتسارعة وربط جزءا منها باستغلال بعض التجار للتقلبات والأزمات الخارجية.
وتوضح هذه القراءة أن الأزمة لا تقف عند العرض والطلب، لأن السوق الذي يترك المواطن وحيدا أمام تاجر ومورد وسعر متغير يوميا يفقد وظيفة الرقابة قبل وظيفة التسعير.
غلاء الأعلاف والدولار يدفعان السعر إلى الجزارة
ترتبط أسعار اللحوم الحمراء بسلسلة تكلفة طويلة تبدأ من الأعلاف والاستيراد والنقل وسعر الصرف، ثم تصل إلى المربي والجزار والمستهلك، وهو ما يجعل أي اضطراب يتحول مباشرة إلى سعر أعلى.
وتعاني سوق اللحوم في مصر من اعتماد واضح على مكونات مستوردة، سواء في الأعلاف أو في جزء من اللحوم الحية والمجمدة، وهو اعتماد يجعل الدولار حاضرا داخل سعر الكيلو.
وبسبب هذا الارتباط، لا يشعر المواطن بتراجع سريع في الأسعار عندما تهدأ الأسواق، بينما يشعر فورا بأي زيادة في الوقود أو الأعلاف أو النقل أو اضطراب سلاسل الإمداد.
كما أن ارتفاع تكلفة التربية يدفع مربين صغارا إلى تقليل الدورات أو الخروج من النشاط، ما يقلل المعروض المحلي بمرور الوقت ويفتح الباب أمام مزيد من الضغط على الأسعار.
وتخدم قراءة الدكتور عبد النبي عبد المطلب، الخبير الاقتصادي، محور التكلفة الإنتاجية، إذ تحدث مرارا عن أثر ارتفاع السلع والمحاصيل الغذائية ومدخلات الإنتاج على معيشة المصريين والأسواق.
وتكشف هذه الرؤية أن علاج أزمة اللحوم لا يبدأ من بيان أسعار يومي، بل من تكلفة الإنتاج نفسها، لأن المواطن يدفع في النهاية ثمن الأعلاف والنقل والوقود والتمويل.
كما يفاقم التضخم الغذائي الأزمة، فبيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء أظهرت استمرار ارتفاع قسم الطعام والمشروبات خلال 2026، مع تسجيل زيادات في اللحوم والدواجن خلال أشهر مختلفة.
وفي مايو 2026، أعلن الجهاز المركزي أن الرقم القياسي العام لأسعار المستهلكين لإجمالي الجمهورية ارتفع بنسبة 1.4% على أساس شهري، بما يعكس استمرار ضغط الأسعار على الأسر.
ولا يعني تراجع بعض معدلات التضخم السنوية أن الأزمة انتهت، لأن الأسرة تقارن سعر اليوم بدخلها الحالي، لا بالمؤشرات العامة التي قد تخفي تآكل القدرة الشرائية على الطعام.
وبين تكلفة الإنتاج وضعف الرقابة، يظهر المواطن كحلقة أضعف في السوق، لأن دخله لا يرتفع بنفس سرعة اللحوم، ولا يملك بدائل بروتينية كافية بنفس القيمة الغذائية والجودة.
وتتحمل الحكومة مسؤولية مباشرة في هذا المسار، لأنها لم تبن منظومة مستقرة لتوفير الأعلاف وخفض تكلفة التربية، ولم تمنع انتقال كل موجة تكلفة إلى سعر البيع النهائي.
وفرة شكلية ومنافذ لا تكسر السوق
تكرر الحكومة الحديث عن ضخ كميات من السلع واللحوم في المنافذ، لكن الأسعار المعلنة في السوق تكشف أن هذه التدخلات لا تكفي لكسر موجة الغلاء أو ضبط محال الجزارة.
وتظهر الفجوة بين المنافذ والأسواق الخاصة في أن المواطن لا يشتري فقط من مكان واحد، بل يحتاج إلى سعر عادل في الحي والقرية والمدينة لا في نقاط محدودة.
وتخدم تصريحات حازم المنوفي، عضو شعبة المواد الغذائية، محور حركة السوق، إذ أشار إلى أن ضخ كميات من السلع قد يحقق توازنا، لكن واقع الأسعار الحالية يكشف محدودية الأثر.
وبهذا المعنى، لا تكفي وفرة معروضة إعلاميا إذا بقيت أسعار الضاني والبتلو والكندوز فوق قدرة الأسرة، لأن المستهلك يقيس الوفرة بقدرته على الشراء لا ببيانات المعروض.
كما أن غياب تسعير إرشادي فعال يترك السوق مفتوحة لتفاوت كبير، حيث يصل الفارق في بعض الأصناف إلى أكثر من 100 جنيه بين حد أدنى وحد أقصى للكيلو.
ويكشف هذا التفاوت أن المواطن لا يواجه سعرا واحدا، بل يدخل سوقا مرتبكة تختلف فيها الأسعار حسب المنطقة والقطعية والتاجر ودرجة الرقابة، من غير حماية كافية للمشتري.
وفي ظل هذا التباين، يصبح نشر متوسط السعر وحده إجراء ناقصا، لأن المتوسط يخفي أن أسرا في مناطق كثيرة لا تجد إلا الأسعار العليا داخل نطاقها السكني.
كما أن الأسرة التي تحتاج إلى 2 كيلو لحوم أسبوعيا قد تدفع ما يقارب 900 إلى 1000 جنيه في بعض الأنواع، وهو مبلغ يبتلع جزءا كبيرا من الدخل الشهري.
ولا يمكن فصل هذه الأزمة عن تراجع القوة الشرائية عموما، لأن ارتفاع الإيجارات والكهرباء والمواصلات والدواء يجعل اللحوم أول بند يجري الاستغناء عنه عند ترتيب الأولويات.
لذلك تتحول اللحوم من مؤشر غذائي إلى مؤشر اجتماعي، لأن اختفاء البروتين الحيواني من موائد الفقراء يكشف اتساع الفجوة بين الأسعار الرسمية المنشورة والقدرة الحقيقية على الحياة.
وتحتاج السوق إلى إجراءات أبعد من الرصد، تشمل خفض تكلفة الأعلاف، وتشديد الرقابة على حلقات التداول، ودعم الإنتاج المحلي الصغير، وتوسيع منافذ البيع العادل في القرى والأحياء الشعبية.
كما تحتاج الحكومة إلى إعلان بيانات واضحة عن تكلفة الاستيراد والإنتاج وهوامش الربح، لأن غياب الشفافية يسمح لكل طرف في السلسلة بتحميل المسؤولية للآخر، بينما يدفع المواطن الفاتورة.
وفي النهاية، تكشف أسعار اللحوم اليوم أن الأزمة ليست في رقم الضاني أو البتلو وحده، بل في سوق غذاء يزداد قسوة، وحكومة تراقب المؤشرات بينما تبتعد اللحمة عن موائد الفقراء.
وتبقى الخلاصة أن الكيلو الذي وصل في بعض الأصناف إلى 550 جنيها لم يعد مجرد سعر مرتفع، بل شهادة على فشل سياسات الغذاء والأجور والرقابة في حماية حق الناس في طعام مناسب.

