كشفت بيانات وزارة الصحة المصرية عن اتساع الخطر الصحي داخل مدارس الجمهورية، بعدما بلغت نسبة السمنة بين الأطفال 15% وزيادة الوزن 12%، بينما وضعت المؤشرات العامة مصر في المرتبة 9 عالميا و3 عربيا بالسمنة.

 

وتضع هذه الأرقام المدرسة المصرية أمام اتهام مباشر، لأن الطفل يدخل المنظومة التعليمية بحثا عن تعلم ورعاية، ثم يخرج منها محاصرا بكانتين يبيع السكر والدهون، ووجبة مدرسية غائبة أو ضعيفة، وفقر غذائي يضرب جسده وعقله.

 

 

سوء تغذية بوجهين داخل الفصول

 

وتشير مبادرة الكشف عن الأنيميا والسمنة والتقزم، التي انطلقت في يناير 2019، إلى أن الدولة تعرف حجم الأزمة مبكرا، لأن الفحص يقيس الوزن والطول ونسبة الهيموجلوبين، ثم يحول الحالات المكتشفة إلى التأمين الصحي للعلاج.

 

لكن نتائج المبادرة تكشف مفارقة قاسية، إذ لا يظهر سوء التغذية في صورة طفل نحيف فقط، بل يظهر أيضا في طفل بدين يعاني أنيميا أو تقزما، بسبب طعام مشبع بالسعرات وفقير في الحديد والبروتين.

 

وبحسب البيانات المعلنة، فحصت فرق وزارة الصحة أكثر من 27.9 مليون طفل، بينما تراجعت النسبة الإجمالية للإصابة بالسمنة والأنيميا والتقزم مجتمعة من 38% إلى 22.7%، وهو تراجع لا يلغي اتساع الخطر داخل المدارس.

 

في هذا السياق، توضح خبيرة التغذية سلوى حفني أن سوء التغذية لا يعني نقص الطعام فقط، بل يشمل زيادة الوزن والسمنة والخلل المرتبط بنمط الحياة، ولذلك يخدم رأيها محور ازدواج المرض داخل جسد الطفل نفسه.

 

ومن ثم، تصبح الأنيميا مؤشرا أخطر من مجرد رقم طبي، لأنها تضرب التركيز والتحصيل والقدرة البدنية، وتحوّل الفصول إلى مساحة يجلس فيها ملايين الطلاب بأجساد منهكة وعقول أقل قدرة على الاستيعاب.

 

كما تزيد السمنة المبكرة من احتمالات الإصابة بالسكري وأمراض القلب، لأن تراكم الدهون في الطفولة لا يبقى مشكلة شكلية، بل يتحول إلى عبء مزمن يلاحق الطفل في المراهقة والجامعة والعمل.

 

ولا تنفصل هذه النتيجة عن الغلاء، لأن الأسرة التي فقدت قدرتها على شراء غذاء متوازن تلجأ إلى الأرخص والأسرع، فيحصل الطفل على نشويات وسكريات أكثر من الفواكه واللحوم والبقول ومنتجات الألبان.

 

لذلك، يظهر العبء المزدوج لسوء التغذية في مصر بوضوح، فالجسم قد يحمل وزنا زائدا بينما يفتقد العناصر الدقيقة، وتصبح السمنة قناعا يخفي نقص الحديد والزنك والفيتامينات داخل بيوت كثيرة.

 

 

كانتين بلا رقابة وميزانية لا تصل إلى الطفل

 

وجاء طلب الإحاطة الذي تقدم به النائب جرجس لاوندي ليكشف أن البرلمان نفسه صار يناقش بوابة مفتوحة لتسويق المرض داخل المدرسة، بعدما طالب بتشديد الرقابة على كانتين المدارس الحكومية والخاصة.

 

وطالب لاوندي بمنع دخول المأكولات غير الصحية وعالية الدهون والسكريات، كما دعا إلى وضع لافتات تحذيرية على مشروبات الطاقة والمنتجات عالية السكر، على غرار التحذيرات الموجودة على علب السجائر.

 

غير أن خطورة الطلب لا تقف عند الكانتين وحده، لأن وجود منتجات ضارة داخل المدرسة يعني أن الرقابة غائبة من الأصل، وأن الإدارة التعليمية تترك الطفل يشتري ما يهدم صحته خلال اليوم الدراسي.

 

وفي المقابل، يطرح ملف التغذية المدرسية سؤالا ماليا قاسيا، بعدما قفز الحديث عن 7 مليارات جنيه و660 مليون وجبة سنويا، بينما تظل شكاوى المدارس من الغياب أو التأخر أو ضعف القيمة الغذائية حاضرة.

 

هنا، يخدم رأي الخبير التربوي كمال مغيث محور الرقابة والشفافية، لأنه انتقد سابقا تأخر الوجبات المدرسية واعتبره دليلا على تقصير يجب أن يحاسب المسؤول عنه، لا أن يمر كخلل إداري عابر.

 

وبذلك، لا تكفي الحكومة بإعلان رقم ضخم عن التغذية المدرسية، لأن القيمة الحقيقية تقاس بما يصل إلى يد الطالب، وبما إذا كانت الوجبة تسد فجوة غذائية حقيقية أو تتحول إلى بند إنفاق بلا أثر.

 

كما أن تحويل الوجبة إلى منتج ضعيف أو متقطع يفتح الباب أمام الكانتين التجاري، فيملأ البسكويت المحلى والمقرمشات والمشروبات الغازية فراغا صنعه فشل المنظومة في تقديم غذاء آمن ومنتظم.

 

وعلى هذا الأساس، تصبح المطالبة بلافتات تحذيرية خطوة متأخرة، لأن الطفل لا يحتاج تحذيرا فقط، بل يحتاج حظرا حقيقيا داخل المدرسة، مع بدائل صحية رخيصة ومراقبة يومية لا تخضع لمزاج الإدارة.

 

ثم إن ترك مشروبات الطاقة قرب طلاب المدارس يمثل استهتارا صحيا، لأن هذه المنتجات ترتبط بالسكر والكافيين والتنبيه الزائد، ولا يجوز أن تقف على رف واحد مع وجبة يفترض أنها جزء من حماية الطفل.

 

 

فوضى العلاج والتخصصات تترك الأسر أمام الجراحة

 

ويتسع الملف من الوقاية إلى العلاج، لأن السمنة في سن المراهقة لا تستجيب دائما للحميات الغذائية وحدها، وقد تصل بعض الحالات بعد فشل إنقاص الوزن والأدوية المساعدة إلى جراحات مثل التكميم أو تحويل المسار.

 

 

لكن الوصول إلى الجراحة يعني أن المنظومة فشلت مبكرا، لأن الطفل لا ينتقل فجأة من وجبة مدرسية ضعيفة إلى غرفة عمليات، بل يعبر سنوات طويلة من طعام رديء وغياب نشاط بدني ومتابعة طبية محدودة.

 

وفي الوقت نفسه، أثارت نقابة الأطباء أزمة منفصلة حول إضافة كلمة علاجية إلى كلية التغذية الجديدة بجامعة حلوان، بعدما خاطبت الجهات المعنية ثم طعنت على قرار إنشاء شعبتين تحملان مسمى التغذية العلاجية.

 

ويخدم موقف نقيب الأطباء الدكتور أسامة عبد الحي هذا المحور تحديدا، لأنه يحذر من خلط التخصصات وخداع الطلاب والأسر، بينما يحتاج ملف السمنة والأنيميا إلى أطباء ومختصين مؤهلين لا عناوين تعليمية ملتبسة.

 

ومن زاوية صحية، لا يمكن فصل علاج السمنة عن علاج الأنيميا والتقزم، لأن الطفل البدين قد يحتاج فحصا دقيقا لاكتشاف نقص الحديد وسوء الامتصاص والعادات الغذائية، لا مجرد جدول رجيم منسوخ من الإنترنت.

 

كذلك تحتاج المدارس إلى مسار إحالة واضح، يبدأ من قياس دوري داخل المدرسة، ثم متابعة مع ولي الأمر، ثم خطة غذائية وطبية، ثم تقييم نفسي ورياضي، قبل أن تتحول السمنة إلى حالة جراحية مكلفة.

 

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات وفحوص موسعة، يظل سؤال التنفيذ هو الأهم، لأن الكشف وحده لا يطعم طفلا، ولا يمنع كانتين من بيع السكر، ولا يضمن وصول وجبة صحية إلى مدرسة بعيدة.

 

لذلك، تبدو الأزمة أكبر من حملة صحية موسمية، فهي اختبار لجدية الدولة في حماية الأطفال من السوق داخل المدرسة، ومن عجز الأسرة خارجها، ومن فوضى علاجية تفتح الباب أمام استغلال الخوف والمرض.

 

وتتحمل وزارة التربية والتعليم مسؤولية مباشرة في ضبط الكانتين والوجبة، بينما تتحمل وزارة الصحة مسؤولية متابعة العلاج، ولا يجوز أن تختبئ كل جهة خلف الأخرى بينما يدفع الطلاب ثمن هذا التراخي اليومي.

 

وفي النهاية، تكشف السمنة والأنيميا والتقزم أن المدرسة المصرية لم تعد مجرد مكان لتلقي الدروس، بل صارت مرآة لفقر الغذاء وضعف الرقابة وسوء ترتيب الأولويات، ومن دون محاسبة واضحة ستبقى الأرقام تتحسن على الورق وتتدهور في أجساد الأطفال.