كشفت تصريحات نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية حسين عيسى، في القاهرة يومي 19 و20 مايو 2026، أن خدمة الدين تلتهم نحو 60% من إيرادات الدولة، وأن مناخ الاستثمار لا يستحق أكثر من 4 من 10.

 

وتضع هذه الأرقام حكومة السيسي أمام اعتراف رسمي لا يمكن عزله عن موجة اقتراض جديدة، لأن السلطة التي وصفت الدين بالمأساوي واصلت خلال أسابيع قليلة بيع أذون الخزانة وطلب القروض الخارجية.

 

اعتراف رسمي لا تمتصه وعود الخفض

 

في البداية، لم يخرج عيسى لإنكار الأزمة أو تجميلها، بل وصف الدين العام بأنه مأساوي، وربط تراكمه بتمويل المشروعات القومية، وهي نقطة ظل الخطاب الرسمي يهرب منها لسنوات.

 

ثم جاء تقييم مناخ الاستثمار عند 4 من 10 ليمنح رجال الأعمال إشارة مختلفة، لأن الحاضرين في ندوة غرفة التجارة الأمريكية منحوا التقييم نفسه أو أقل منه، ما حول التصريح إلى شهادة جماعية.

 

كذلك لم تكن تصريحات مايو واقعة منفصلة، فقد تحدث عيسى في فبراير 2026 عن القروض طويلة الأجل والتنموية ذات الشروط الميسرة، ووعد بإجراءات قريبة لتخفيض حجم الدين دون تحميل المواطن العبء.

 

غير أن هذا الوعد بقي معلقا بين لغة الإصلاح وواقع الاقتراض، لأن الحكومة لم توقف أدوات التمويل المكلفة، ولم تقدم جدولا ملزما لتقليل خدمة الدين أو مراجعة الإنفاق على المشروعات الكبرى.

 

وقبل توليه المنصب بعام تقريبا، انتقد عيسى في يونيو 2025 مباهاة المسؤولين بانخفاض التضخم، وقال إن القفزة السعرية أحدثت لخبطة اجتماعية عنيفة، ما يكشف ميلا إلى التصريح المباشر لا التهدئة الناعمة.

 

لذلك تبدو محاولة تصوير حديثه كرسالة لامتصاص الغضب محدودة الإقناع، لأن المسؤول الذي يريد التهدئة لا يمنح مناخ الاستثمار درجة متدنية، ولا يصف الدين بهذا الوضوح أمام مجتمع الأعمال.

 

في المقابل، يقول الخبير الاقتصادي علي الإدريسي إن الخطر الحقيقي لا يبدأ فقط عند التعثر، لكنه يبدأ مع تجاهل جرس الإنذار، خصوصا مع زيادة الالتزامات وارتفاع مؤشرات الديون الخارجية.

 

ومن هنا تخدم شهادة الإدريسي محور الدين تحديدا، لأنها تنقل النقاش من سؤال هل تعثرت مصر، إلى سؤال آخر أكثر قسوة، وهو هل تملك الحكومة مسارا جديا يمنع الوصول إلى التعثر.

 

أذون خزانة وقروض صينية بعد الاعتراف

 

بعد تصريحات مايو، تحركت الحكومة في الاتجاه القديم نفسه، إذ طرح البنك المركزي في 1 يونيو 2026 أذون خزانة بقيمة 85 مليار جنيه، بينها 35 مليار جنيه لأجل 182 يوما.

 

وفي الطرح نفسه، بلغت قيمة الشريحة الثانية 50 مليار جنيه لأجل 364 يوما، وهو ما يعني أن أدوات الدين قصيرة الأجل ظلت وسيلة يومية لتمويل عجز الموازنة رغم الاعتراف الرسمي بكارثة الخدمة.

 

ثم باع البنك المركزي في 7 يونيو أذون خزانة لأجل 3 و9 أشهر بأكثر من 103.5 مليار جنيه، على أن تصدر في 9 يونيو، بمتوسط عائد يدور حول 25%، وبذلك لم يعد الاقتراض المحلي مجرد إجراء فني عابر، بل صار دليلا على أن الموازنة محاصرة بفوائد مرتفعة، وأن الحكومة تمول اليوم بدين جديد يستحق بعد شهور قليلة.

 

وفي المسار الخارجي، صدر في 1 يونيو قرار جمهوري بالموافقة على قرض تفضيلي صيني بقيمة 42 مليون دولار لتمويل المرحلة الثالثة من مشروع سكة حديد مدينة العاشر من رمضان.

 

وبعد أيام، نُشر قرار آخر بالموافقة على قرض صيني بقيمة 90 مليون دولار للمشروع نفسه، وهو ما جعل ملف القطار نموذجا مكثفا لاستمرار تمويل البنية الأساسية بالقروض رغم أزمة الدين.

 

وعلى مستوى الموازنة، قدرت خدمة الدين في العام المالي 2026 و2027 بنحو 5.2 تريليون جنيه، تشمل فوائد وأقساط القروض المحلية والأجنبية، بزيادة 19.2% عن العام السابق.

 

ويقول خبير الموازنات والسياسات المالية عبد النبي عبد المطلب إن الموازنة تحمل طموحات تريليونية بلا أدوات، وتعتمد أكثر على بيع الأصول ورفع الرسوم، بما ينقل عبء الأزمة إلى المواطن.

 

وتخدم شهادة عبد المطلب محور الموازنة، لأنها تربط بين بند الدين وبين الحياة اليومية، فالأزمة لا تبقى داخل جداول وزارة المالية، بل تظهر في الرسوم والأسعار وتراجع قدرة الخدمات العامة.

 

بيع أصول ومناخ استثمار يطرد القطاع الخاص

 

وفي 19 مايو، أعلن عيسى خطة لإعادة هيكلة 59 هيئة اقتصادية، مع الإبقاء على 43 هيئة بعد إعادة هيكلتها، ودمج 7 هيئات، وتحويل 7 أخرى إلى خدمية، وإلغاء هيئتين.

 

كما أعلن قيد 16 شركة حكومية في البورصة تمهيدا لطرح نسب من أسهمها، وتحدث عن نقل عدد من الشركات إلى صندوق مصر السيادي، وتطبيق موازنة قائمة على الأداء بحلول 2027 و2028.

 

لكن هذه الخطة لا تكسب الثقة بمجرد إعلانها، لأن الحكومات السابقة رددت وعود الطروحات والحوكمة مرات، ثم بقيت الهيئات الخاسرة تستنزف المال العام، بينما ذهبت حصص رابحة إلى مستثمرين خليجيين.

 

وتقدم صفقة الشرقية للدخان مثالا دالا، لأن الحكومة باعت 30% من الشركة إلى جلوبال للاستثمار القابضة الإماراتية، وهي صفقة عمقت أسئلة بيع الأصول الرابحة لا إصلاح الخاسرة.

 

في السياق نفسه، قال صندوق النقد إن نموذج النمو الذي تقوده الدولة والمشروعات الكبرى أضعف القطاع الخاص، وأشار إلى استمرار مزايا الشركات المملوكة للدولة والجيش في الضرائب والأراضي والعمالة الرخيصة.

 

ولهذا يصبح تقييم الاستثمار بـ 4 من 10 نتيجة طبيعية، لا مبالغة إعلامية، لأن المستثمر لا يحتاج فقط إلى طرق وجسور، بل يحتاج منافسة عادلة وسعر صرف مستقر وقضاء إداري سريع.

 

وتقول أستاذة الاقتصاد في جامعة عين شمس يمن الحماقي إن كسر دائرة الديون يتطلب تحسين كفاءة القطاع الخاص، وإعادة استغلال موارد شركات قطاع الأعمال، وتحريك الطاقة الإنتاجية والصناعات المختلفة للتصدير.

 

وتخدم شهادة الحماقي محور الاستثمار والإنتاج، لأنها لا تكتفي بالمطالبة بخفض الدين، بل تحدد بديلا اقتصاديا واضحا، يبدأ من الإنتاج والتصدير لا من إعادة تدوير القروض والطروحات.

 

أما احتياطي النقد الأجنبي، فرغم وصوله إلى نحو 53 مليار دولار في أبريل 2026، واعتباره يغطي 158% من الديون قصيرة الأجل، فإن هذا الرقم لا يلغي ضغط الاستحقاقات المقبلة.

 

وتشير بيانات البنك الدولي إلى التزامات خارجية على مصر بقيمة 38.65 مليار دولار خلال 9 أشهر تبدأ من أبريل حتى نهاية 2026، بينها 12.7 مليار دولار ودائع خليجية لدى البنك المركزي.

 

لذلك تكشف تصريحات عيسى مفارقة حادة، فالحكومة تعرف حجم الخطر وتعلنه، لكنها لا تكسر آلية إنتاجه، بل تستبدل كل قرض مستحق بقرض جديد، وكل أزمة تمويل بطرح جديد.

 

وفي النهاية، لا تكمن خطورة عبارة الدين المأساوي في حدتها اللفظية فقط، بل في أنها صدرت من داخل السلطة بينما تسير السلطة نفسها في الطريق الذي صنع المأساة ووسع فاتورتها.

 

وتبقى الخلاصة أن الحكومة لا تواجه الدين بخطة إنتاج حقيقية، بل تدير الوقت بين أذون محلية وقروض خارجية وبيع أصول، فيما يدفع المواطن تكلفة الفوائد قبل أن يرى عائدا واضحا من المشروعات.