قبل أيام قليلة من انطلاق النسخة الأكبر في تاريخ كأس العالم، لا تتجه أنظار الجماهير نحو هوية المنتخب الذي سيرفع الكأس فقط، بل نحو سباقٍ آخر لا يقل إثارة يدور في سجلات البطولة وأرقامها الخالدة. ففي مونديال 2026 الذي تستضيفه الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، تبدو مجموعة من الأرقام التاريخية التي صمدت لعقود طويلة مهددة بالسقوط، مع استعداد نخبة من نجوم كرة القدم لكتابة فصل جديد في تاريخ الحدث الكروي الأهم عالميًا.
وتبدأ القصة مع إنجاز استثنائي غير مسبوق، إذ يقترب كل من ليونيل ميسي وكريستيانو رونالدو والحارس المكسيكي المخضرم غييرمو أوتشوا من تحقيق رقم تاريخي فريد. فبمجرد ظهورهم في البطولة المقبلة، سيصبحون أول لاعبين يشاركون في ست نسخ مختلفة من كأس العالم، وهو إنجاز لم يسبق أن حققه أي لاعب منذ انطلاق المسابقة، ليضيفوا صفحة جديدة إلى سجل الأرقام التي صنعت أساطير المونديال.
لكن التهديد الأكبر قد يطال إرث الهداف الألماني ميروسلاف كلوزه، الذي يحتفظ بأكثر من رقم تاريخي في المونديال. فكلوزه يتربع على عرش أكثر اللاعبين تحقيقا للانتصارات في البطولة برصيد 17 فوزا، غير أن ميسي لا يحتاج سوى انتصارين إضافيين لتحطيم هذا الرقم والانفراد بالصدارة.
أما الرقم الأشهر لكلوزه، والمتمثل في صدارة هدافي كأس العالم عبر التاريخ برصيد 16 هدفا، فيبدو أيضا تحت الضغط. فميسي يدخل البطولة وفي رصيده 13 هدفا، بينما يلاحقه الفرنسي كيليان مبابي بـ12 هدفا، ما يجعل سباق الهدافين التاريخيين أحد أبرز عناوين النسخة المقبلة.
وفي سجل الإنجازات الفردية النادرة، لا يزال الأرجنتيني غابرييل باتيستوتا اللاعب الوحيد الذي نجح في تسجيل ثلاثية "هاتريك" في نسختين مختلفتين من كأس العالم. غير أن أربعة مهاجمين يملكون فرصة معادلة هذا الإنجاز التاريخي، وهم مبابي ورونالدو والإنجليزي هاري كين والبرتغالي غونسالو راموس، بعدما سبق لكل منهم تسجيل "هاتريك" واحد في البطولة.
ولا تتوقف المطاردة عند الأهداف، بل تمتد إلى المباريات النهائية. فالبرازيلي كافو لا يزال اللاعب الوحيد الذي خاض ثلاثة نهائيات متتالية لكأس العالم، لكن ميسي ومبابي يقفان على بعد خطوة واحدة فقط من معادلة هذا الإنجاز بعدما وصلا إلى النهائي مرتين في نسختين سابقتين.
حراسة المرمى
وفي مركز حراسة المرمى، يواصل رقما الإنجليزي بيتر شيلتون والفرنسي فابيان بارتيز مقاومة الزمن، إذ يتقاسمان صدارة أكثر الحراس حفاظا على الشباك النظيفة في كأس العالم بعشر مباريات لكل منهما. إلا أن البلجيكي تيبو كورتوا، الذي يملك سبع مباريات بشباك نظيفة، يدخل البطولة آملا في الاقتراب من هذا الرقم أو تجاوزه.
وخارج حدود المستطيل الأخضر, تبدو الأرقام القياسية للمدربين معرضة بدورها للاهتزاز. فالمدرب الألماني الراحل هيلموت شون قاد منتخب بلاده في 25 مباراة بكأس العالم، لكن الفرنسي ديدييه ديشامب قد يحطم هذا الرقم إذا نجح في قيادة منتخب فرنسا إلى الأدوار المتقدمة، ليصل إلى المباراة السادسة والعشرين في سجله المونديالي.
أما في معركة الأعمار، فقد يكون مونديال 2026 شاهدا على ولادة أكبر هداف في تاريخ البطولة. فالمدافع البرتغالي بيبي يحمل الرقم الحالي بعدما سجل هدفا بعمر 39 عاما، لكن مواطنه كريستيانو رونالدو سيدخل المنافسة بعمر 41 عاما، بينما يملك كل من الكرواتي لوكا مودريتش والبوسني إدين دجيكو فرصة انتزاع الرقم وهما في الأربعين من العمر.
ويمتد تحدي العمر إلى "دكة" البدلاء أيضا. فالمدرب الألماني أوتو ريهاغل دخل التاريخ بوصفه أكبر مدرب يقود منتخبا في كأس العالم بعمر 71 عاما، غير أن التشيكي إيفان هاشيك كوبيك قد يتجاوزه بعمر 74 عاما، قبل أن يظهر الهولندي ديك أدفوكات مدرب كوراساو بعمر 78 عاما، ليصبح الأكبر سنا في تاريخ البطولة إذا قاد منتخب بلاده إلى النهائيات.
وتبقى إحدى أكثر القصص إثارة مرتبطة بما يعرف بلقب "ملك البدلاء". فالبرازيلي دينيلسون لا يزال صاحب الرقم القياسي لأكثر لاعب شارك بديلا في كأس العالم برصيد 11 مباراة. لكن الإنجليزي ماركوس راشفورد يقف على أعتاب التاريخ بعدما سجل تسع مشاركات بديلة، ويحتاج إلى ثلاث مباريات إضافية لينفرد بالرقم القياسي.
وهكذا، وبين سباق الألقاب وصراع النجوم، يبدو أن مونديال 2026 لن يكون مجرد بطولة لتحديد بطل العالم الجديد، بل مسرحا ضخما لمعركة تاريخية على الأرقام القياسية. بعضها صمد لعقود طويلة، وبعضها الآخر قد ينهار خلال تسعين دقيقة فقط، لتفتح كرة القدم صفحة جديدة في سجلها المليء بالأساطير.

