مصطفى عبد السلام

رئيس قسم الاقتصاد في موقع وصحيفة "العربي الجديد"

 

على مدى عقود طويلة، عرفت مصر إنجاز مئات من المشروعات القومية الكبرى، لعل أبرزها تدشين قناة السويس في نوفمبر 1869، وهو المشروع الذي غيّر مسار التجارة العالمية وربط البحر الأحمر بالمتوسط وأسواق الشرق بالغرب وسهل انتقال سلاسل التوريد الدولية، وتحول إلى أهم ممر مائي في العالم وأحد موارد مصر الرئيسية من النقد الأجنبي.

 

وقبلها بسنوات أطلق محمد علي، الذي حكم مصر ما بين عامي 1805 إلى 1848، مشروعاته القومية مثل القناطر الخيرية، التي تصنف على أنها من أضخم مشروعات الري في الشرق الأوسط، وحفر ترعة المحمودية التي ربطت الإسكندرية بنهر النيل، كما دشن نهضة تعليمية وعسكرية كبرى، وأقام عشرات المصانع المدنية والحربية ومستشفى قصر العيني والأحياء السكنية، وحول مصر إلى قوة عظمى في غضون سنوات معدودة.

 

ومنذ قيام ثورة يوليو 1952 عرفت مصر مشروعات قومية كبرى لعل أهمها بناء السد العالي في الفترة من 1964-1970، وما أسفر عنه من نقلة نوعية في تاريخ الزراعة المصرية وتزويد القرى والنجوع بالكهرباء، وقبلها حماية مصر من أزمات العطش والجفاف مع توفير الأمن المائي للبلاد.

 

كما دشن جمال عبد الناصر مشروعات صناعية عملاقة، منها إقامة مجمعات مصانع الطائرات والصناعات الحربية، ومجمع الحديد والصلب بحلوان جنوب القاهرة، وأسس شركة النصر لصناعة السيارات ومجمع الألومنيوم بنجع حمادي، ومئات المصانع في قطاعات عدّة، منها الغزل والنسيج والصناعات التحويلية والدواء والأغذية ومواد البناء، كما دشن ستاد القاهرة الدولي.

 

وفي عهد أنور السادات عرفت مصر مشروعات كبرى، أبرزها إقامة مدن عمرانية كبرى مثل السادات والعاشر من رمضان والسادس من أكتوبر وبرج العرب، وغيرها من المدن التي تحولت إلى قلاع صناعية في سنوات تالية، وواصل حسني مبارك إقامة المشروعات الصناعية وأولى أهمية بمشاريع إسكان الشباب، وتدشين مشروع مترو الأنفاق وترعة السلام في سيناء ومشروع توشكى وشرق العوينات، وأعاد إعمار منطقة حلايب وشلاتين المتاخمة مع السودان، ووضع لبنة المتحف المصري الكبير.

 

وخلال العقد الأخير أطلق عبد الفتاح السيسي عددًا كبيرًا من المشروعات القومية التي رأى بعضها النور مثل توسعة قناة السويس، أو ما يطلق عليها قناة السويس الجديدة، وتدشين العاصمة الإدارية الجديدة، والشبكة القومية للطرق، ومشروع الضبعة النووية لتوليد الكهرباء بالطاقة النووية بالتعاون مع روسيا، وإنشاء مجمع بنبان للطاقة الشمسية في أسوان، والذي تصنفه الحكومة بأنه من أكبر مشروعات الطاقة الشمسية في العالم.

 

في حين لم ترَ مشروعات أخرى النور وظلت حبرًا على ورق أو لم يتم إنجاز الكثير منها مثل مشروع إقامة مليون وحدة سكنية الذي جرى الإعلان عنه في العام 2014 بالشراكة مع شركة إماراتية أعلنت إفلاسها لاحقا، ومشروع استصلاح أربعة ملايين فدان، وإقامة مدينة الأثاث بدمياط، وإقامة أكبر مشروع استزراع سمكي في الشرق الأوسط لسد الفجوة الغذائية، ومشروع تبطين الترع.

 

ولم تؤتِ بعض تلك المشروعات الكبرى ثمارها رغم ضخامة الأموال التي أنفقت عليها، فمشروع توسعة قناة السويس الذي جرى افتتاحه في العام 2015، وهو مشروع عملاق بكل المقاييس، قيل إنه سيضاعف الدخل السنوي للقناة ليصل إلى نحو 100 مليار دولار، ورغم مرور تلك السنوات لا تزال الإيرادات الحقيقية تمثل أقل بكثير من 10% من هذا المبلغ. بل إن إيرادات قناة السويس سجلت خلال عام 2025 نحو 4.2 مليارات دولار، مقارنة بنحو 4 مليارات دولار في عام 2024 بسبب التوترات التي شهدتها المنطقة على خلفية الحرب على غزة، ومن المتوقع أن يستمر التأثر خلال العام الجاري بسبب الحرب على إيران واغلاق مضيق هرمز.

 

والملاحظ أن معظم المشروعات الكبرى التي دشنتها الحكومات المصرية المتعاقبة ثبتت جدواها للدولة واقتصادها ومواطنيها وكانت تحمل لفظ "قومية" عن حق بسبب ضخامتها والمردود الكبير منها والعوائد المالية المحققة، لكن وصلنا حاليًا إلى مرحلة إطلاق اللفظ على مشروعات وهمية مثل المشروع القومي لعلاج الفيروسات "جهاز الكفتة"، أو مشروعات لا تهم المواطن في شيء، بل تهم رجال الأعمال وتخدم المستثمرين الأجانب والسائح بالدرجة الأولى، ومن أحدث الأمثلة قرار مجلس الوزراء المصري الصادر قبل أيام، والذي اعتبر مشروع إقامة مارينا اليخوت بمنطقة الكيلو 92 بالساحل الشمالي الغربي من ضمن المشروعات القومية.