جدد حادث سقوط شرفة منزل في منطقة التوفيقية بمحافظة الإسكندرية، خلال الأسبوع الماضي، المخاوف من ملف العقارات الآيلة للسقوط، بعد إصابة سيدة ونقلها إلى المستشفى، وسط تحذيرات من 7500 عقار خطر.

 

وتكشف الواقعة عجزا ممتدا في إدارة المباني المتهالكة، لأن السكان والمارة لا يواجهون حادثا منفردا، بل يعيشون تحت شرفات متصدعة وواجهات منهكة، بينما تتحرك الأحياء غالبا بعد سقوط الخرسانة على الناس.

 

شرفة تسقط ومدينة تمشي تحت الخطر

 

أعاد حادث التوفيقية سؤال السلامة إلى الشارع السكندري، بعدما تحولت أجزاء من شرفة منزل إلى خطر مباشر على سيدة كانت تمر أسفل العقار، في مشهد يتكرر داخل الأحياء القديمة بلا حل جذري.

 

وتتركز الكتلة الأكبر من العقارات المتهالكة في أحياء الجمرك ووسط وغرب، وهي مناطق تضم مباني قديمة وواجهات متضررة وشرفات فقدت أجزاء من قدرتها على الصمود أمام الرطوبة والأمطار.

 

وبحسب على حسن، وهو موظف من سكان المنشية، تتفاقم الأزمة خلال فصل الشتاء، لأن الأمطار والرطوبة تزيد هشاشة الواجهات الخرسانية، وتهدد الأرواح والسيارات والمحال الموجودة أسفل العقارات المتصدعة.

 

كما يؤكد محمد مجدي، من سكان حي الجمرك، أن شوارع بحري تحتاج إلى فحص دوري وتنفيذ قرارات الإزالة والترميم قبل وقوع كوارث جديدة، رغم الجهود التي تعلنها الأجهزة التنفيذية بين فترة وأخرى.

 

وهنا يبرز رأي الدكتور التوني محمود التوني، أستاذ الهندسة بجامعة الإسكندرية وعضو لجنة تظلمات إزالة المباني الآيلة للسقوط، الذي يرى أن الأزمة تحتاج حلولا مستدامة تتجاوز المسكنات المؤقتة.

 

وتكشف شهادات السكان وخبرة التوني أن الخطر لا يتعلق بواجهة قبيحة أو عقار قديم فقط، بل ببنية عمرانية فقدت الصيانة، وتنتظر قرارا إداريا أو تمويلا أو إخلاء قبل سقوط جزء جديد.

 

7500 عقار خطر ومسؤولية محلية مؤجلة

 

أوضح التوني أن آخر حصر لمحافظة الإسكندرية رصد نحو 7500 عقار تمثل خطورة بدرجات متفاوتة، وهو رقم لا يسمح بالتعامل مع الملف بوصفه شكاوى متفرقة أو حوادث طارئة.

 

ويعني هذا الرقم أن آلاف الأسر والمارة يعيشون داخل نطاق خطر يومي، لأن العقار الآيل للسقوط لا يهدد سكانه فقط، بل يهدد الشارع والسيارات والمحال والعقارات المجاورة.

 

ومن زاوية سياسات السكن، يحمل الباحث العمراني يحيى شوكت الإدارة المحلية مسؤولية متابعة أوضاع العقارات والتدخل المبكر، بدلا من الانتظار حتى تصل المباني إلى مرحلة الخطر والإخلاء القسري.

 

وتدعم رؤية شوكت جوهر الأزمة في الإسكندرية، لأن تعدد قرارات الإزالة أو الترميم لا يكفي إذا بقي التنفيذ معطلا، أو إذا ظل السكان بلا بديل آمن عند طلب الإخلاء.

 

كما أن ضعف عوائد بعض العقارات القديمة وعجز الملاك عن التمويل يفتحان باب الإهمال، ثم يتحول الإهمال إلى خطر عام، بينما تتحمل الأسر والمارة نتيجة نزاع طويل بين الملكية والصيانة والبدائل.

 

لذلك لا يجوز أن يبقى الملف محصورا في حملات إزالة أجزاء خطرة، لأن المحافظة تحتاج خريطة معلنة للعقارات المصنفة، وجدولا زمنيا للتدخل، وآلية تمويل تسبق موسم الأمطار.

 

وفي الأحياء القديمة، لا يملك المواطن وسيلة حماية حقيقية سوى النظر إلى أعلى أثناء السير، وهذا وحده إدانة لإدارة محلية تعرف مناطق الخطر، لكنها لا تمنع تحوله إلى إصابات وكوارث.

 

صندوق صيانة وسكن بديل قبل سقوط الخرسانة

 

اقترح التوني إنشاء صندوق تمويل متخصص لصيانة المباني الحرجة، مستشهدا بتعاون المحافظة وكلية الهندسة وشركة المقاولون العرب، الذي أسفر عن ترميم نحو 70 عقارا مطلا على الكورنيش لحماية المارة.

 

ويثبت هذا المثال أن التدخل ممكن عندما تتوافر إرادة وتمويل وخبرة هندسية، لكنه يكشف أيضا أن حماية الكورنيش لا يجب أن تسبق حماية الأزقة الداخلية التي يسكنها الفقراء ويمر بها العاملون يوميا.

 

وفي السياق نفسه، يطالب الدكتور مصطفى جلال، أستاذ الهندسة المعمارية، بإنشاء صندوق لصيانة المباني، تشرف عليه جهة محلية تملك سلطة الإخلاء والتنكيس وتحديد شركات متخصصة والتعامل مع الشكاوى والنزاعات.

 

وتفتح هذه الرؤية باب الحل العملي، لأن المالك الفقير لا يستطيع تحمل تكلفة الترميم وحده، والمستأجر لا يملك إصلاحا هيكليا، والدولة لا يمكن أن تكتفي بإصدار قرار ثم ترك العقار يموت ببطء.

 

كما أشار التوني إلى وجود تنسيق مستمر مع وزارة الإسكان لتوفير وحدات بديلة وآمنة للأسر المتضررة في حالات الإزالة الكلية، وهي خطوة لا بد أن تتحول إلى برنامج واضح لا وعود متفرقة.

 

ومن جهتها، تؤكد أحياء الإسكندرية استمرار الحملات لإزالة الأجزاء الخطرة والتعامل مع الشكاوى، بينما شددت زينب السيد، رئيس حي غرب، على التزام الملاك بتنفيذ قرارات لجنة المنشآت فور صدور التراخيص.

 

لكن تحميل الملاك وحدهم مسؤولية التنفيذ يتجاهل عجز كثيرين عن الترميم، ويتجاهل أن الخطر يقع في الشارع العام، ما يجعل تدخل الدولة واجبا لحماية حياة المواطنين لا مجاملة لأصحاب العقارات.

 

وتتفاقم المشكلة عندما تتحول الأراضي الفضاء الناتجة عن هدم العقارات إلى مقالب عشوائية، كما يقول طارق حافظ من سكان حي غرب، فتنتقل الأزمة من خطر انهيار إلى قمامة وحشرات وروائح.

 

وفي النهاية، لا تحتاج الإسكندرية إلى بيان جديد بعد كل شرفة تسقط، بل إلى صندوق صيانة ممول، وحصر معلن، وسكن بديل، وتنفيذ حاسم، حتى لا يصبح المرور تحت بيت قديم مغامرة يومية.