قبل 59 عامًا من الآن، اندلعت حرب الأيام الستة، وهو صراع لم يدم سوى ستة أيام، ولكنه غيّر بشكل جذري أمن إسرائيل ومكانتها الدبلوماسية وهويتها الوطنية، على حد وصف شيمون رفائيلي نائب رئيس معهد السياسة الأمنية التابع لمنتدى الدفاع والأمن الإسرائيلي (IDSF).
وادعى في مقال نشرته صحيفة "جيروزاليم بوست": "بينما يحيي العالم العربي ذكرى "يوم النكسة" (يوم النكسة)، إحياءً لذكرى الهزيمة العربية في حرب الأيام الستة، يجدر بنا أن نتذكر الواقع الذي سبق الصراع. لم تخض إسرائيل الحرب رغبةً في توسيع حدودها، بل بدافع الحاجة إلى ضمان وجودها ذاته".
تطورات ما قبل الحرب
وأشار في هذا السياق إلى إقدام الرئيس جمال عبدالناصر على طرد قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة من سيناء، ونشر تشكيلات عسكرية كبيرة في شبه الجزيرة، وإغلاق مضيق تيران أمام الملاحة الإسرائيلية، وإقامة جبهة عسكرية مع سوريا والأردن. وفي الوقت ذاته، ترددت أصداء دعوات متكررة لتدمير إسرائيل في أرجاء العالم العربي.
وذكر أنه "في الأسابيع التي سبقت الحرب، بُذلت جهود دبلوماسية لتجنب المواجهة. ولكن عندما اتضح أن التهديد لا يزال قائماً وأن حرية الملاحة والأمن القومي والردع الإسرائيلي جميعها في خطر، اتخذت إسرائيل قرارًا استراتيجيًا مصيريًا. ففي الخامس من يونيو، أطلقت عملية "فوكس"، التي دمر خلالها سلاح الجو الإسرائيلي معظم سلاح الجو المصري في غضون ساعات، ثم شن غارات لاحقة على سلاحي الجو السوري والأردني أيضًا. وفي غضون ساعات، تغير التوازن الاستراتيجي للصراع، مما منح إسرائيل تفوقًا حاسمًا".
وفي غضون ستة أيام فقط، حققت إسرائيل تحولاً استراتيجيًا غير مسبوق، ومع ذلك، امتدت أهمية هذا النصر إلى ما هو أبعد من ساحة المعركة، بحسب تعبير رفائيلي.
وتابع: "لقد وفرت حرب الأيام الستة لإسرائيل ميزتين ذواتي أهمية تاريخية ووطنية هائلة: العمق الاستراتيجي والتواصل المتجدد مع مراكز الهوية اليهودية".
وأوضح: "من منظور أمني، لم تعد إسرائيل دولة ضيقة وضعيفة. فقد تركت خطوط الهدنة لعام 1949 البلاد مكشوفة ويصعب الدفاع عنها. وبعد الحرب، تغير الواقع الاستراتيجي بشكل جذري. إذ أدى السيطرة على مرتفعات الجولان، ووادي الأردن، والضفة الغربية، وقطاع غزة، وشبه جزيرة سيناء إلى خلق عمق استراتيجي لم يكن موجودًا من قبل، ودفع التهديدات بعيدًا عن المراكز السكانية لإسرائيل".
إلى جانب أهميتها الأمنية، رأى نائب رئيس معهد السياسة الأمنية التابع لمنتدى الدفاع والأمن الإسرائيلي (IDSF) أن الحرب حملت معنى أعمق: عودة الشعب اليهودي إلى قلب تاريخه، وفق زعمه.
وأشار إلى أنه "على مدى 19 عامًا، مُنع اليهود من دخول البلدة القديمة في القدس، وحائط البراق، والعديد من أقدس مواقعهم. وظلت يهودا والسامرة (الضفة الغربية)، مهد الحضارة اليهودية، معزولة عن دولة إسرائيل. وكانت الخليل، ونابلس، وبيت إيل، وشيلو، والبلدة القديمة في القدس بعيدة المنال عن اليهود في دولتهم"، وفق قوله.
حرب الأيام الستة غيرت الواقع
وفيما لفت إلى أن العالم العربي اختار وصف الحرب بـ"النكسة"، ورأى فيها استمرارًا للنكبة عام 1948، إلا أنه قال إن الحرب نفسها تكشف حقيقة مهمة: لم يبدأ الصراع عام 1967.
وتابع: "حتى قبل سيطرة إسرائيل على الضفة الغربية، وقبل عودتها إلى البلدة القديمة في القدس، وقبل سيطرتها على مرتفعات الجولان أو غزة، سعت الدول العربية إلى منع قيام دولة يهودية ذات سيادة في الشرق الأوسط. لم يكن النزاع يومًا مقتصرًا على الحدود فحسب، بل كان يدور حول وجود إسرائيل ذاته".
وأردف: "خلّفت حرب الأيام الستة درسًا استراتيجيًا هامًا لا يزال ذا صلة حتى اليوم. لا يمكن لدولة صغيرة في منطقة الشرق الأوسط المضطربة أن تتجاهل الجغرافيا. فالعمق الاستراتيجي، والسيطرة على الأراضي الحيوية، والقدرة على إبعاد التهديدات عن المراكز السكانية، ليست ترفًا، بل هي عناصر أساسية للأمن القومي".
وأوضح رفائيلي: "أظهرت الحرب أن الحدود ليست مجرد خطوط على خريطة للتعايش السلمي، بل إنها تؤثر بشكل مباشر على قدرة الدولة على حماية مواطنيها وتأمين مستقبلها. وقد برهنت أحداث حرب إسرائيل وحماس مرة أخرى على الثمن الباهظ الذي قد تدفعه إسرائيل عندما تستوطن منظمات إرهابية إجرامية حدودها"، على حد وصفه.
ولفت إلى درس آخر يتعلق بالردع، "فالأزمة التي أدت إلى حرب الأيام الستة لم تظهر فجأة، بل تطورت عبر سلسلة من الخطوات المتصاعدة: طرد قوات الأمم المتحدة من سيناء، والحشد العسكري على طول حدود إسرائيل، وإغلاق مضيق تيران، والدعوات العلنية المتكررة لتدمير إسرائيل. نادرًا ما تظهر التهديدات الاستراتيجية دفعة واحدة، بل تتطور تدريجيًا، وكلما طال أمد التردد أو ضبط النفس في مواجهتها، ازداد الثمن المطلوب لإزالتها".
واعتبر أن حرب الأيام الستة تذكر بمبدأ أساسي في فن الحكم والأمن: "لا يُقاس الردع فقط بالقوة التي تمتلكها الدولة، ولكن أيضًا باستعدادها لاستخدام تلك القوة عندما تتزايد التهديدات ويتم تجاوز الخطوط الحمراء".
واستطرد: "أثبتت حرب الأيام الستة أيضًا أنه عندما يتحد الشعب اليهودي، ويتحلى بالعزيمة، ويستعد للدفاع عن سيادته، فإنه قادر على تغيير مجرى التاريخ. كانت ستة أيام كافية لاستعادة أمن إسرائيل، وتوفير عمق استراتيجي لها، وإعادة ربط الشعب اليهودي بقلب وطنه التاريخي. هذه ليست مجرد ذكرى من الماضي، بل هي دليل للمستقبل. في الشرق الأوسط، يقوم السلام على القوة، والسيادة على الأمن، ومستقبل إسرائيل مرهون باستعدادها للدفاع عن كليهما".
https://www.jpost.com/opinion/article-898212

