طالبت النائبة ولاء الصبان، عضو مجلس النواب، رئيس الوزراء ووزيري الإسكان والاتصالات، بتدخل عاجل لمواجهة فوضى السمسرة العقارية غير المرخصة والمنصات الرقمية الوهمية، بعد اتساع الإعلانات المضللة التي تهدد المواطنين والمستثمرين.
وتكشف الأزمة فراغا رقابيا ترك سوقا بمليارات الجنيهات تحت رحمة صفحات مجهولة ووسطاء بلا ترخيص، بينما يدفع المشترون ثمن غياب منصة رسمية تحقق في المشروع والوسيط والإعلان قبل تحويل الأموال.
إعلانات وهمية وسماسرة بلا ترخيص
تحولت صفحات ومجموعات مواقع التواصل الاجتماعي إلى سوق عقاري مواز، يعرض وحدات ومشروعات دون تحقق كاف من التراخيص أو الملكية أو صفة المعلن، ما جعل الإعلان الرقمي بابا سهلا للنصب.
وبحسب طلب الإحاطة، تروج صفحات إلكترونية لمشروعات غير مرخصة عبر وسطاء لا يحملون تراخيص قانونية أو شهادات اعتماد مهنية، وهو ما يضع المشتري أمام شخص مجهول يبيع الثقة قبل العقار.
كما تعتمد هذه الصفحات على صور جذابة وتصاميم مبهرة وأسعار أقل من السوق، ثم يكتشف الضحية أن الوحدة غير موجودة أو غير مملوكة للبائع أو جرى بيعها لأكثر من شخص.
وفي هذا السياق، حذرت عبير عصام، عضو مجلس إدارة شعبة الاستثمار العقاري، من فوضى عمولات السماسرة، وقالت إن بعض الدخلاء يفرضون عمولات تصل إلى 10% وتؤثر على استقرار السوق.
وتخدم قراءة عصام جوهر الأزمة، لأن السمسار غير المرخص لا يكتفي بتحصيل عمولة، بل يتحول إلى طرف يرفع السعر ويضلل المشتري ويتحرك خارج الضرائب والرقابة والمحاسبة المهنية.
لذلك لا تبدو المشكلة مجرد إعلان كاذب على صفحة مجهولة، بل شبكة وساطة غير رسمية تصنع سعرا وهميا، وتبيع وعودا بلا ضمان، وتترك المواطن يطارد حقه بعد فوات الأوان.
كذلك يخسر المطور الجاد من هذه الفوضى، لأن المشتري الذي يتعرض للنصب عبر وسيط رقمي لا يفرق لاحقا بين شركة ملتزمة وصفحة مجهولة، فتتراجع الثقة في السوق كله.
سوق بلا قاعدة بيانات يطارد المشتري لا النصاب
أكدت ولاء الصبان أن استمرار الأنشطة غير الرسمية يؤدي إلى فقدان الدولة جزءا من مستحقاتها الضريبية، إلى جانب تراجع الثقة في السوق العقاري نتيجة غياب الرقابة على الإعلانات والمنصات غير المعتمدة.
وترتبط هذه النقطة بأصل الخلل، لأن الدولة تملك قانونا ينظم القيد في سجل السماسرة العقاريين، لكنها لم تربط هذا القيد رقميا بالإعلانات المنشورة أمام ملايين المستخدمين يوميا.
وبحسب الهيئة العامة للرقابة على الصادرات والواردات، يقيد بسجل السماسرة العقاريين كل من يمارس السعي لإبرام عقود شراء أو بيع أو تأجير العقارات والأراضي، وفقا للقانون رقم 21 لسنة 2022.
غير أن وجود السجل لا يكفي إذا ظل الإعلان العقاري يخرج بلا رقم ترخيص واضح، وبلا رابط تحقق، وبلا إلزام للمنصة بحذف الحسابات التي تبيع مشروعات مجهولة أو وحدات غير موثقة.
ومن زاوية تنظيم السوق، قال الخبير العقاري محمد القاضي إن إصلاح السوق لا يبدأ بإنشاء جهة جديدة فقط، بل بترخيص المطورين ووضع عقود نمطية تحمي المشترين وتعزز الشفافية.
وتدعم رؤية القاضي مطلب إنشاء سجل قومي ومنصة موحدة للتحقق من المشروعات والوسطاء، لأن المشتري يحتاج أداة بسيطة تكشف وضع المشروع والوسيط قبل الدفع أو توقيع أي تعاقد.
كما أن غياب الربط التكنولوجي بين الإسكان والاتصالات والرقابة على الصادرات والضرائب وشرطة تكنولوجيا المعلومات يترك فجوة خطيرة، يستطيع من خلالها الوسيط الوهمي فتح صفحة جديدة بعد كل بلاغ.
لذلك يصبح طلب الإحاطة موجها للحكومة قبل السمسار، لأن القانون موجود، والصفحات موجودة، والضحايا موجودون، لكن آلية الردع الرقمية ما زالت أبطأ من سوق النصب الإلكتروني.
النصب الرقمي يضرب الاستثمار وسمعة العقار المصري
تتزايد المخاوف من إحجام المشترين، خصوصا المغتربين والمستثمرين الأجانب، لأن هذه الفئة تعتمد على الإنترنت في البحث والمقارنة والتواصل، وقد تسقط بسهولة أمام إعلان جذاب أو وسيط يدعي الاعتماد.
ومع استمرار الشكاوى وبلاغات النصب، تتحول السوق العقارية من وعاء آمن لحفظ المدخرات إلى مساحة شك، في وقت يحتاج القطاع إلى ثقة حقيقية لا إلى حملات تسويق ضخمة.
ويؤكد علاء فكري، عضو شعبة الاستثمار العقاري، أن إنشاء وحدة لتنظيم السوق العقاري وتصدير العقار خطوة ضرورية لإرساء قواعد مهنية وضبط السوق، وهو ما يضع الرقابة المؤسسية في قلب الحل.
وتكشف هذه الرؤية أن الأزمة لا تعالج بتوعية المشتري وحده، لأن المواطن لا يستطيع فحص كل مستند أو مطاردة كل وسيط، بينما تستطيع الدولة إلزام المنصات ببيانات تحقق قبل النشر.
كما يحتاج السوق إلى تجريم الإعلانات غير الموثقة بوضوح، بحيث لا يسمح لأي حساب أو صفحة بإعلان وحدة للبيع أو الإيجار إلا بعد إدخال رقم ترخيص الوسيط والسجل التجاري للشركة.
إلى جانب ذلك، يجب أن تتبع شرطة تكنولوجيا المعلومات الحسابات الوهمية التي تكرر النصب، وأن تغلقها بالتنسيق مع المنصات، وأن تعلن نتائج الحملات حتى يشعر المشتري أن الردع ليس حبرا على ورق.
وبدون ذلك، ستواصل صفحات مجهولة رفع الأسعار بشكل مصطنع وتعظيم العمولات وخلق مضاربات وهمية، بينما يتحمل المواطن فارق السعر، ويتحمل المطور الجاد تراجع الثقة، وتخسر الدولة حصيلة ضريبية كان يمكن تحصيلها.
وفي النهاية، لا تحتاج السوق العقارية إلى إعلان جديد عن التنظيم، بل تحتاج قرارا تنفيذيا يربط الترخيص بالإعلان، ويجعل السمسرة بلا قيد جريمة مرئية، ويحمي فلوس الناس من سماسرة الفضاء الرقمي.

