حذر خبراء اقتصاد زراعي من تداعيات إلغاء صرف الأسمدة المدعمة لمحاصيل الموالح وبنجر السكر خلال موسم 2026، بعدما دفع القرار المزارعين نحو السوق الحرة وهدد تكلفة الإنتاج والصادرات وأسعار السكر.
يفتح القرار أزمة معيشية وزراعية حادة، لأن الحكومة تنزع أداة دعم مباشرة من يد المزارع الصغير، بينما ترتفع العمالة والطاقة والري والتقاوي والمبيدات، ثم تنتقل الفاتورة لاحقًا إلى المستهلك.
السوق الحرة تبتلع الفلاح الصغير
ويضع القرار مزارعي الموالح والبنجر أمام كلفة تسميد أعلى بكثير من قدرتهم، لأن الحصة المدعمة كانت تمثل الحد الأدنى الذي يسمح للفلاح بإدارة موسمه دون الارتهان الكامل للتجار.
كما تؤكد التحذيرات الزراعية أن إجبار المزارعين على الشراء من السوق الحرة سيرفع التكلفة بنسب قد تتجاوز الضعف، خصوصًا مع قفزات متتالية في أسعار مستلزمات الإنتاج خلال الشهور الأخيرة.
وبحسب أسعار منشورة في أبريل 2026، بلغ سعر شيكارة اليوريا المدعمة 290 جنيهًا، بينما سجلت شيكارة اليوريا في السوق الحر مستويات وصلت إلى 1600 جنيه خلال موجة جديدة.
لذلك، لا يتعامل الفلاح مع فرق سعر محدود، بل يواجه فجوة تضرب حسابات الفدان بالكامل، وتدفع بعض المزارعين إلى تقليل كميات السماد أو تأجيل الخدمة أو تقليص المساحات مستقبلًا.
في هذا المحور، يوضح أستاذ الاقتصاد الزراعي جمال صيام أن إنتاج مصر المحلي من الأسمدة يكفي احتياجات الفلاحين مع وجود فائض، لكن الخلل الحقيقي يكمن في منظومة التوزيع والرقابة.
ومن ثم، يصبح إلغاء الدعم عن محاصيل بعينها عقابًا للمزارع بدل إصلاح الخلل، لأن الحكومة تترك التسريب والسوق السوداء ثم تعالج الأزمة بحرمان صاحب الأرض من الحصة الرسمية.
كذلك، تزيد خطورة القرار مع ارتفاع الطاقة والنقل وأجور العمالة ومستلزمات الري، لأن السماد لا يمثل بندًا منفصلًا، بل يدخل ضمن سلسلة تكلفة تزداد من أول الخدمة حتى الحصاد.
الموالح تدفع ثمن قرار يطارد الصادرات
وتأتي الأزمة في وقت تتصدر فيه الموالح المصرية قائمة الصادرات الزراعية، إذ تجاوزت صادراتها 2.2 مليون طن خلال عام 2025، مع استمرار مصر في صدارة تصدير البرتقال عالميًا.
وبناء على ذلك، لا تبدو الموالح محصولًا عاديًا يمكن تحميله أعباء إضافية بلا خسائر، لأنها مصدر نقد أجنبي مهم، وتنافس في أسواق تتحكم فيها الجودة والسعر ومواعيد التوريد.
كما أن رفع تكلفة التسميد يضغط على جودة المحصول وحجمه ومظهره التجاري، وهي عوامل تحدد قبول البرتقال واليوسفي والليمون في الأسواق الخارجية، ولا يمكن فصلها عن برنامج التغذية الزراعية.
وتشير مطالب النائب مدحت ركابي المنصوراوي إلى أن القرار يمس محاصيل تعد من أهم قصص النجاح التصديري، ولذلك طالب بكشف الدراسات الفنية والاقتصادية التي سبقت إلغاء الدعم.
في هذا السياق، يربط أستاذ الأراضي والمياه نادر نور الدين بين مكانة الموالح المصرية عالميًا وبين ضرورة حماية مدخلات الإنتاج، لأن تراجع الخدمة الزراعية ينعكس مباشرة على القدرة التنافسية.
وعليه، يكشف القرار تناقضًا واضحًا في خطاب الحكومة، فهي تعلن السعي لزيادة الصادرات وتعظيم النقد الأجنبي، ثم ترفع تكلفة إنتاج محصول تصديري رئيسي في توقيت شديد الحساسية.
ثم يزداد التناقض حين تطلب الحكومة من المزارع الالتزام بمعايير التصدير والجودة، بينما تدفعه إلى شراء السماد بسعر حر، وتتركه وحيدًا أمام سوق مدخلات تتحرك بلا حماية كافية.
البنجر والسكر تحت ضغط تكلفة جديدة
ولا تقل خطورة القرار على بنجر السكر، لأن هذا المحصول يمثل ركيزة أساسية لصناعة السكر المحلية، وأي تراجع في إنتاجيته يهدد جهود تقليل الاعتماد على الاستيراد من الخارج.
وقد أعلنت بيانات حكومية في 2025 زيادة إنتاج السكر إلى 2.6 مليون طن، مع توقعات بالوصول إلى 2.9 مليون طن في 2026، وهو مسار يتأثر مباشرة بمساحة البنجر وإنتاجيته.
لذلك، فإن تحميل مزارعي البنجر تكلفة إضافية لا يهددهم وحدهم، بل يهدد سعر السكر في السوق المحلية، لأن انخفاض الجدوى قد يدفع بعضهم إلى تقليل الزراعة أو خفض الخدمة.
وتطرح الإحاطة البرلمانية سؤالًا مباشرًا عن جدوى دعم محصول استراتيجي بالكلام، ثم تحميل مزارعيه أعباء قد تضرب الإنتاج، في وقت يعاني فيه المواطن من أسعار السكر المتقلبة.
وفي هذا الملف، يحذر الخبير الاقتصادي رشاد عبده من أن رفع تكلفة مدخلات الزراعة لا يتوقف عند الفلاح، لأن الأثر ينتقل إلى المستهلك النهائي عبر أسعار الغذاء والسلع الأساسية.
وبالتالي، يتحول القرار من إجراء إداري داخل منظومة الأسمدة إلى قرار يمس الأمن الغذائي، لأن البنجر يدخل في سلعة يومية لا يتحمل المواطن ارتفاعها بعد موجات غلاء طويلة.
كما يصبح فتح تحقيق عاجل في أسباب القرار ضرورة لا مطلبًا سياسيًا، لأن وقف الدعم دون إعلان دراسات التكلفة والإنتاجية والتصدير يترك الفلاح أمام قرار غامض ونتائج شديدة الوضوح.
وكان النائب مدحت ركابي قد طالب بإلغاء القرار والالتزام بصرف كامل حصة الأسمدة المدعمة لمزارعي الموالح والبنجر لعام 2026، مع مراجعة آليات التوزيع لمنع التسريب للسوق السوداء.
فضلًا عن ذلك، طالب بعقد جلسة استماع عاجلة داخل لجنة الزراعة والري، بحضور وزير الزراعة ومسؤولي البنك الزراعي، لبحث الأزمة ووضع حلول جذرية بدل ترك المزارعين للغضب والارتباك.
وتكشف هذه المطالب أن المشكلة ليست في رغبة الفلاح في دعم مفتوح، بل في غياب سياسة عادلة تضمن وصول السماد لمستحقيه، وتحاسب المتلاعبين، وتحمي المحاصيل التي تقوم عليها الصادرات والغذاء.
وفي النهاية، يضع إلغاء دعم الأسمدة الحكومة أمام فاتورة أكبر من وفر مالي مؤقت، لأن خراب بيت المزارع يبدأ بزيادة شيكارة السماد، وينتهي بغلاء الفاكهة والسكر وتراجع التصدير.
لذلك، لا يحتمل ملف الموالح والبنجر التجريب الإداري، لأن قرارًا واحدًا بلا دراسة منشورة قد يضرب الفدان والصادرات والمصنع والمستهلك، بينما يظل الفلاح الحلقة الأضعف في كل مرة.

