كشفت وقفة محصلي الفواتير وقراء العدادات بشركة مياه الشرب والصرف الصحي في القناطر الخيرية بالقليوبية، لليوم الثاني، الخميس 4 يونيو، عن اتساع غضب عمالي يطالب بالتثبيت وتطبيق الحد الأدنى للأجور.
أظهرت الأزمة أن الحكومة تدير عمال المرافق العامة بعقود هشة ورواتب مجزأة، بينما تطالبهم باستمرار الخدمة للمواطنين من دون ضمان أجر عادل أو مسار واضح لتسوية سنوات العمل السابقة.
تثبيت مؤجل وأجور دون الحد الأدنى
ويقول المحتجون إن مطلبهم الرئيسي يتمثل في تحرير عقود عمل شاملة ومستقرة، لأن استمرارهم بنظام العمولة يحرمهم من الأمان الوظيفي، رغم أنهم يؤدون مهامًا يومية مرتبطة بانتظام خدمة عامة أساسية.
وبحسب المتحدث باسم محصلي القليوبية محمد داود، ينتظر العمال اجتماع السبت 6 يونيو مع رئيس فرع الشركة بالقليوبية وممثلين عن المحصلين والقراء، لعرض المطالب وبحث حل رسمي للأزمة.
كما يأمل المحتجون أن يخرج الاجتماع بقرارات جادة تنهي الجمود الإداري، لأن استمرار الوقفة يضغط على العمال نفسيًا وماديًا، وقد يربك عمليات القراءة والتحصيل من دون أن يكون المواطنون طرفًا في الأزمة.
غير أن الأزمة لم تبدأ من وقفة يونيو وحدها، لأن العمال رفضوا قبل نحو عامين تحويل التعاقد إلى عقود وكالة، بسبب غياب ضمانات الأرباح وخشيتهم ضياع سنوات خدمة سابقة.
في هذا السياق، يكتسب رأي كمال عباس، المنسق العام لدار الخدمات النقابية والعمالية، أهمية مباشرة، لأنه يربط عدالة الأجر بسلة استهلاك الأسرة والتضخم، لا بقرارات إدارية تعلن أرقامًا ثم تترك التنفيذ.
ومن ثم، تبدو مطالبة عمال مياه القناطر بالحد الأدنى للأجور اختبارًا حقيقيًا للحكومة، لا مجرد نزاع محلي، لأن العامل الذي يخدم شركة مرفق عام لا يجب أن يظل خارج حماية الأجر المقرر.
نظام العمولة يحمّل العاملين مسؤولية فشل التحصيل
ويشرح داود أن بعض المحصلين والقراء يعملون منذ مدد تصل إلى 8 سنوات بعقود تعتمد على العمولة، ما يجعل دخل العامل مرتبطًا بنسبة تحصيل تصفها العمالة بأنها تعجيزية وغير عادلة.
وبالتفصيل، يحصل العامل على دفعة أولى هي بدل انتقال بنحو 2000 جنيه في يوم 25 من كل شهر، ثم يحصل على نسبة تتراوح بين 1900 و3000 جنيه بين يوم 10 ويوم 15.
لذلك، يبقى إجمالي ما يحصل عليه العامل أقل من الحد الأدنى بعدة آلاف، حتى عندما يؤدي مهامه الميدانية، لأن الشركة تربط دخله بتحصيل المواطنين لا بساعات العمل والمسؤوليات الفعلية.
وتدعم الباحثة الاقتصادية سلمى حسين هذا المحور من زاوية أوسع، إذ عرضت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية دراسة عن الأجر المنصف، أظهرت أن القيمة الحقيقية للأجر يجب أن تقاس بالتضخم وخط الفقر الوطني.
وعليه، تكشف حالة محصلي المياه فجوة واضحة بين خطاب الحكومة عن رفع الأجور وبين واقع العاملين بنظام العمولة، لأن الزيادة لا تنقذ من يبقى خارج التطبيق الفعلي داخل الشركات التابعة للمرافق.
كذلك، يضع نظام العمولة العامل في مواجهة مباشرة مع المواطن المتعثر في السداد، بينما تنسحب الإدارة من مسؤوليتها، فيتحمل المحصل ضغط الشارع ونقص الدخل ومخاطر العمل الميداني معًا.
في المقابل، تظهر أزمة تعيين المستشارين بعد سن 60 داخل شركات المياه كملف يزيد غضب العمال، لأن الإدارة التي تمد لقيادات ومناصب استشارية تعجز عن تثبيت عمال يخدمون التحصيل اليومي.
احتجاجات ممتدة ووعود حكومية بلا تنفيذ
وسبق لعمال فروع القناطر الخيرية والخصوص وشبرا الخيمة وبنها أن قدموا شكاوى إلى رئاسة الوزراء ووزير الإسكان، اعتراضًا على تدني الرواتب ونسب التحصيل، رغم أن بعضهم يعمل منذ 10 سنوات.
ثم نظم محصلو القليوبية في مارس 2025 وقفات متزامنة للمطالبة بتطبيق حد أدنى قدره 7000 جنيه وتحرير عقود شاملة، قبل أن تتكرر الأزمة بعد وعود لم تتحول إلى تسوية ملزمة.
وبعد ذلك، اتسعت احتجاجات عمال شركة مياه الشرب والصرف الصحي بالقاهرة في نوفمبر 2025 إلى نحو 30 موقعًا، شملت شبكات وفروعًا ومخازن والمقر الرئيسي بشارع رمسيس.
وفي ديسمبر 2025، عادت موجة احتجاجات جديدة بعد تراجع الإدارة عن تنفيذ وعودها، وشملت الوقفات مواقع في القاهرة والقليوبية والإسكندرية، ما يؤكد أن الأزمة بنيوية وليست اعتراضًا عابرًا في فرع واحد.
ويخدم رأي المحامي العمالي هيثم محمدين هذا المحور قانونيًا، لأنه ينتقد التشريعات التي تترك العامل تحت رحمة الفصل وضعف التعويض والغرامات الهزيلة، وهي بيئة تسمح باستمرار العقود الهشة دون كلفة رادعة.
ومن هنا، تبدو وقفة مياه القناطر امتدادًا لمسار طويل من الاحتجاجات العمالية داخل المرافق، حيث تستخدم الشركات الوعود والاجتماعات لامتصاص الغضب، ثم تعود الأزمة للانفجار عند أول موعد صرف.
واللافت أن الحكومة أعلنت رفع الحد الأدنى للعاملين بالدولة إلى 8000 جنيه من يوليو 2026، لكنها تترك عمالًا داخل شركات تابعة للمرافق يطالبون فقط بتطبيق حد أدنى يحميهم من الفقر.
لذلك، لا يملك المحتجون ترف التراجع، لأن مطلب التثبيت يعني احتساب سنوات العمل السابقة وتأمين دخل منتظم، بينما يعني استمرار العمولة بقاء العامل معلقًا بين نسب تحصيل صعبة وراتب لا يكفي أسرته.
ختامًا، تكشف احتجاجات مياه القناطر أن أزمة الأجور في مصر لم تعد رقمًا في بيان حكومي، بل صارت مواجهة يومية بين عمال يطلبون حقًا قانونيًا وإدارة تشتري الوقت باجتماعات مؤجلة.

