أعلنت حكومة الانقلاب وصول رؤوس الأموال المستثمرة في مشروعات المناطق الحرة إلى 14.3 مليار دولار، عبر 1254 مشروعا، منها 1032 مشروع مناطق حرة عامة و222 مشروع منطقة حرة خاصة، مع توفير نحو 253 ألف فرصة عمل.
وتكشف هذه الأرقام مفارقة ثقيلة على المصريين، لأن الدولة تعلن توسعا استثماريا كبيرا بينما لا يظهر أثره على الأسعار والأجور والخدمات، في وقت تلتهم فيه فوائد وأقساط الديون جانبا ضخما من الموازنة، وتدفع الأسر ثمن اقتصاد يرفع المؤشرات ولا يخفف المعيشة.
المناطق الحرة تكبر والأثر المعيشي يظل محدودًا
في البداية، تقدم الحكومة أرقام المناطق الحرة باعتبارها دليلا على جذب الاستثمار وتحريك النشاط الاقتصادي، إذ بلغ عدد المشروعات العاملة 1254 مشروعا، وتحدث البيان الرسمي عن 253 ألف فرصة عمل بوصفها مؤشرا على الدور المحوري لهذه المناطق.
ثم تظهر المفارقة عند مقارنة هذه الأرقام بحياة المصريين اليومية، لأن المواطن لا يقيس نجاح الاستثمار بحجم رأس المال المعلن، بل بسعر الطعام والمواصلات والعلاج والإيجار، وبقدرة دخله على الصمود أمام موجات الغلاء وتراجع الخدمات.
وبحسب بيانات سابقة للهيئة العامة للاستثمار، ارتفعت رؤوس الأموال المستثمرة في المناطق الحرة من 10.9 مليار دولار عام 2014 إلى 14.2 مليار دولار عام 2025، وزادت صادراتها إلى 9.3 مليارات دولار، بما يقارب 20% من صادرات مصر.
لكن هذه الأرقام لا تعني تلقائيا تحسن معيشة المصريين، لأن جزءا كبيرا من مشروعات المناطق الحرة يعمل بمنطق تصديري أو خاص، وتتمتع هذه المشروعات بحوافز وإعفاءات وتسهيلات، بينما يبقى تأثيرها على السوق المحلي محدودا إذا لم ترتبط بسلاسل إنتاج داخلية واسعة.
وفي هذا المحور، يخدم رأي ممدوح الولي، نقيب الصحفيين الأسبق والخبير الاقتصادي، زاوية الفجوة بين الاستثمار والاقتصاد الحقيقي، لأنه يركز في كتاباته على أن المشكلة ليست في إعلان أرقام كبيرة، بل في ضعف العائد الإنتاجي والاعتماد على الاقتراض.
لذلك لا يكفي أن تقول الحكومة إن المناطق الحرة جذبت 14.3 مليار دولار، إذا كانت الأسر لا ترى انخفاضا في الأسعار أو زيادة في الأجور الحقيقية أو تحسنا في الخدمات العامة، فالاستثمار الذي لا يتحول إلى دخل واسع يبقى رقما معزولا.
كما أن 253 ألف فرصة عمل، رغم أهميتها، تبدو محدودة عند وضعها أمام سوق عمل يضم ملايين الشباب والعمالة غير المنتظمة، خصوصا إذا كانت الوظائف لا ترفع متوسط الأجور بما يكفي لمواجهة التضخم وتكلفة السكن والتعليم والصحة.
ومن هنا، يصبح السؤال الأساسي هو نوعية هذه الاستثمارات لا عددها فقط، وهل تضيف إنتاجا محليا عميقا وتكنولوجيا وتشغيلا مستقرا، أم أنها تعمل داخل جزر اقتصادية معزولة تستفيد من المزايا ولا تعالج اختلالات الاقتصاد الأكبر.
وبناء على ذلك، يحتاج ملف المناطق الحرة إلى تقييم علني يربط كل مشروع بحجم الصادرات الصافية وفرص العمل اللائقة والضرائب غير المباشرة والقيمة المضافة المحلية، لا بمجرد عدد المشروعات ورؤوس الأموال المسجلة في البيانات الرسمية.
الديون تبتلع الموازنة وتخنق أثر الاستثمار
في المقابل، تواجه الأرقام الاستثمارية الرسمية جدارا ماليا ضخما اسمه خدمة الدين، فقد كشفت تقديرات مشروع موازنة 2026-2027 عن تخصيص نحو 5.227 تريليون جنيه للفوائد وسداد القروض، منها 2.419 تريليون جنيه للفوائد فقط.
وبسبب هذا العبء، لا يشعر المواطن بثمار الاستثمار المعلن، لأن جزءا كبيرا من موارد الدولة يذهب إلى الدائنين بدلا من التعليم والصحة والنقل والحماية الاجتماعية، فتبدو المؤشرات الاستثمارية جيدة على الورق بينما تبقى الخدمات اليومية تحت ضغط نقص التمويل.
كذلك ارتفعت مخصصات سداد القروض بنسبة 34% مقارنة بالعام المالي الحالي، بينما زادت مخصصات الفوائد 5.3%، وهو ما يعني أن الدولة تدخل العام المالي الجديد وهي مضطرة إلى إنفاق ضخم على ديون سابقة قبل الحديث عن تحسين فعلي في حياة الناس.
وفي هذا السياق، يخدم رأي عبد النبي عبد المطلب، الخبير الاقتصادي ووكيل وزارة التجارة الأسبق، وظيفة تفسير ضغط الموازنة، لأنه يربط دائما بين أولوية الإنفاق العام وضرورة توجيه الموارد إلى الإنتاج والخدمات بدلا من الاستدانة المتكررة.
لذلك تظهر الدوامة بوضوح عندما تقترض الحكومة لتسدد قروضا وفوائد، ثم تعلن في الوقت نفسه عن استثمارات لا تكفي لتوليد موارد دولارية مستدامة بحجم الالتزامات، فيبقى الاقتصاد عالقا بين جذب أموال جديدة وسداد فواتير قديمة.
كما سجل الدين الخارجي المصري نحو 163.7 مليار دولار بنهاية سبتمبر 2025، بحسب بيانات منسوبة إلى البنك المركزي، مع سداد مليارات الدولارات سنويا في أقساط وفوائد، وهو ضغط مباشر على العملة والاحتياطيات وسياسة الاستيراد.
ثم إن خدمة الدين الخارجي في النصف الثاني من 2026 قُدرت بنحو 16.306 مليار دولار، وفق تقرير الوضع الخارجي للبنك المركزي، وهو رقم يوضح لماذا لا تستطيع الحكومة التعامل مع الاستثمار كنجاح مكتمل بينما تستمر الاستحقاقات الدولارية الثقيلة.
ومن زاوية داخلية، يواصل بند الفوائد ابتلاع النصيب الأكبر من المصروفات، إذ تستهدف الحكومة سداد فوائد بقيمة 2.419 تريليون جنيه في 2026-2027، بعد 2.298 تريليون في 2025-2026، و1.919 تريليون في 2024-2025.
وبذلك يصبح أثر الاستثمار محدودا أمام ماكينة الدين، لأن أي عائد جديد يدخل الاقتصاد يجد أمامه فوائد مرتفعة وأقساطا ضخمة وفجوة تمويلية مزمنة، فتتراجع قدرة الدولة على تحويل النمو إلى دعم حقيقي للأجور والخدمات والأسعار.
الاستثمار بلا عدالة لا ينقذ المواطن من الغلاء
على مستوى أوسع، تكشف المناطق الحرة عن نموذج اقتصادي يركز على جذب رؤوس الأموال والمشروعات، لكنه لا يضمن بالضرورة وصول العائد إلى المواطن، خصوصا إذا بقيت الأجور منخفضة والضرائب غير عادلة والخدمات العامة عاجزة عن امتصاص ضغط المعيشة.
وفي هذا المحور، يخدم رأي هاني جنينة، الخبير الاقتصادي، زاوية التضخم وسعر الصرف، لأنه يربط بين صدمات التمويل والدولار وارتفاع تكلفة الإنتاج، وهي عوامل تجعل أي استثمار غير كاف إذا لم ينعكس على استقرار العملة والأسعار.
لذلك لا يشعر المصري بنتيجة 14.3 مليار دولار في المناطق الحرة إذا كان يشتري السلع بسعر أعلى كل شهر، ويدفع فواتير خدمات أكبر، ويتحمل ضرائب ورسوم غير مباشرة، بينما تظل الأجور عاجزة عن ملاحقة تكلفة الحياة.
كما أن صندوق النقد الدولي نفسه شدد على أن إطلاق إمكانات النمو في مصر يحتاج إصلاحات أعمق وتقليص هيمنة الدولة وتوسيع دور القطاع الخاص، وهو ما يعكس أن أزمة الاستثمار ليست في عدد المناطق وحدها، بل في بنية الاقتصاد كله.
ومن جهة أخرى، لا تزال الدولة تراهن على مناطق جديدة واستثمارات مستهدفة بمليارات الدولارات، لكن المصريين جربوا كثيرا وعود المشروعات الضخمة دون أن تتحول إلى تحسن ملموس في الدخل أو في جودة المدرسة والمستشفى والمواصلات.
ثم إن فرص العمل المعلنة تحتاج إلى تفصيل، لأن الوظيفة التي لا توفر أجرا عادلا وتأمينا واستقرارا لا تستطيع وحدها أن تنقل أسرة من ضغط الفقر، كما أن توظيف 253 ألف عامل لا يعالج أزمة سوق عمل واسع ومتراكم.
وبالتوازي، يجب أن تسأل الحكومة عن صافي العملة الصعبة الذي تحققه المناطق الحرة بعد خصم الواردات والمكونات الأجنبية والتحويلات والأرباح، لأن الاقتصاد يحتاج دولارات صافية تخفف ضغط الدين، لا حركة تصدير شكلية تعود أغلب مدخلاتها من الخارج.
وعلى هذا الأساس، يصبح معيار النجاح الحقيقي هو تخفيض الاقتراض لا زيادة البيانات الاحتفالية، فإذا كانت المناطق الحرة بهذا الحجم والقوة، فلماذا تبقى الموازنة محاصرة بالفوائد، ولماذا يحتاج الاقتصاد إلى قروض جديدة ومراجعات صندوق النقد وبيع أصول مستمر.
وفي النهاية، تكشف أرقام المناطق الحرة أن مصر لا تعاني من نقص في البيانات الكبيرة، بل من نقص في أثر هذه البيانات على حياة الناس، فالمواطن لا يأكل رأس مال مسجلا بالدولار، ولا يدفع مصاريف أولاده بعدد المشروعات العاملة.
وبهذا المعنى، لا يصبح الاستثمار إنجازا كاملا إلا عندما يخرج من الجزر المعزولة إلى بيوت المصريين، في صورة أجور أفضل وأسعار أهدأ وخدمات أقوى وديون أقل، أما بقاء المواطن داخل دوامة الفوائد والقروض فيعني أن النمو المعلن لم يصل بعد إلى أصحابه الحقيقيين.

