حددت وزارة التموين في مصر سقف سعر رغيف الخبز السياحي عند 2 جنيه لوزن 80 جراما عقب زيادة الوقود ومدخلات الإنتاج لتتصاعد شكاوى المواطنين والتجار من موجة غلاء امتدت إلى الفينو والمخبوزات.

 

وتكشف الأزمة سياسة اقتصادية تحمل الفقراء كلفة القرارات الحكومية ثم تترك صغار التجار بين نار التكلفة وغضب الزبائن بينما تتراجع القدرة الشرائية ويصبح الخبز اليومي عبئا جديدا على ملايين الأسر.

 

 

زيادة تطال الرغيف

 

وبدأت موجة الارتفاع بعد زيادة أسعار السولار والغاز وتكاليف النقل بما رفع مصروفات تشغيل الأفران وتحريك الدقيق والخميرة والزيوت ودفع أصحاب مخابز إلى المطالبة بإعادة حساب الأسعار المقررة وهوامش الربح.

 

وبالتالي حددت الوزارة سعر الرغيف السياحي وزن 60 جراما عند 1.5 جنيه ووزن 40 جراما عند 1 جنيه مع إلزام المخابز بإعلان السعر والوزن لمنع البيع العشوائي وتقليل الكميات.

 

كما شملت الضوابط خبز الفينو بسعر 2 جنيه لوزن 50 جراما و1.5 جنيه لوزن 40 جراما و1 جنيه لوزن 30 جراما وسط مخاوف من التلاعب بالأحجام الفعلية.

 

غير أن مواطنين يشكون من أن الأسعار الرسمية لا تنعكس دائما داخل الأحياء إذ يباع الرغيف بأوزان أقل أو أسعار أعلى بينما يصعب على المستهلك العادي قياس الوزن أو إثبات المخالفة.

 

ومن جهة أخرى يؤكد أصحاب مخابز أن الزيادة لا تتوقف عند الوقود بل تشمل أجور العمال والكهرباء والصيانة وأكياس التعبئة والإيجارات والنقل وهو ما يقلص قدرتهم على الالتزام بالسقف دون خسائر.

 

علاوة على ذلك أصبحت المخبوزات الأخرى أكثر تعرضا للزيادة لأنها لا تخضع جميعها لتسعير موحد وتدخل في إنتاجها الزبدة والسمن والسكر والبيض والجبن وهي مكونات شهدت ارتفاعات متلاحقة.

 

وفي المقابل يرى مواطنون أن تغير السعر يتبعه غالبا تراجع في الجودة والحجم معا إذ يشتري المستهلك المنتج بسعر أعلى ثم يكتشف أن الوزن أصغر والحشو أقل والمكونات أضعف.

 

أما الأسر محدودة الدخل فتضطر إلى تقليل شراء الفينو والحلويات والمخبوزات الجاهزة أو استبدالها بأصناف أرخص بعدما أصبحت الوجبات المدرسية وإفطار العمال أكثر كلفة من الدخول المتاحة.

 

 

شكاوى بين الطرفين

 

ومن ثم تحول الخبز السياحي من بديل متاح لمن لا تشملهم بطاقات الدعم إلى بند ضاغط في الميزانية المنزلية خصوصا لدى الأسر الكبيرة والعمال الوافدين والطلاب المقيمين بعيدا عن أسرهم.

 

وفي الوقت نفسه يشكو التجار من تراجع المبيعات بعد تحريك الأسعار لأن الزبائن يشترون كميات أقل أو يبحثون عن بدائل شعبية وهو ما يزيد الهدر اليومي في السلع سريعة التلف.

 

كذلك يقول أصحاب محال إن المستهلك يوجه غضبه إلى البائع النهائي رغم أن جزءا كبيرا من التكلفة تحدده أسعار المصانع والمطاحن وشركات النقل وموردي المواد الخام والطاقة.

 

إضافة إلى ذلك يواجه صغار التجار منافسة غير متكافئة مع السلاسل الكبرى التي تستطيع شراء كميات ضخمة وتخزين المدخلات والحصول على أسعار أفضل بينما يشتري المخبز الصغير احتياجاته بصورة يومية.

 

وبناء على ذلك يطالب أصحاب المخابز بآلية معلنة لمراجعة تكلفة الإنتاج بصورة دورية بدلا من ترك التسعير رهنا بالمفاوضات والقرارات المفاجئة التي قد تحول النشاط إلى خسارة متواصلة.

 

في المقابل يرفض مواطنون تحميلهم أي زيادات جديدة مؤكدين أن الأجور لم تتحرك بالمعدل نفسه وأن الرغيف ليس سلعة ترفيهية يمكن الاستغناء عنها أو تقليل استهلاكها بسهولة.

 

ولهذا تتصاعد المشادات اليومية داخل المخابز ومحال المخبوزات بين زبائن يرفضون الأسعار وأصحاب أعمال يقولون إنهم عاجزون عن البيع بأقل منها بينما تغيب الجهات الحكومية عن المشهد الفعلي.

 

وفوق ذلك يشكو المستهلكون من غياب الفواتير وإعلانات الأسعار في بعض المحال بما يفتح الباب لتغيير السعر من منطقة إلى أخرى ومن زبون إلى آخر دون معيار واضح.

 

ومن ناحية مقابلة يطالب التجار بتشديد الرقابة على موردي الدقيق والخامات وليس على نقطة البيع وحدها لأن محاسبة المخبز مع ترك بقية سلسلة الإنتاج بلا رقابة لا تعالج الأزمة.

 

 

الرقابة لا تكفي

 

وفي هذا السياق أعلنت وزارة التموين إلزام المخابز بإظهار الأوزان والأسعار على الواجهات مع معاقبة المخالفين إلا أن فعالية القرار تظل مرتبطة باستمرار الحملات داخل الأحياء والقرى لا بإصدار البيانات فقط.

 

نتيجة لذلك يخشى المواطنون من تكرار نمط معروف يبدأ بتحديد سعر رسمي ثم يتراجع الالتزام تدريجيا بعد هدوء الحملات لتظهر أسعار أعلى وأوزان أقل تحت مبررات اختلاف الجودة والتكاليف.

 

ومع ذلك لا يمكن اختزال المشكلة في جشع بعض التجار لأن موجات رفع الوقود وانخفاض قيمة العملة وارتفاع تكلفة الاستيراد والنقل خلقت ضغوطا حقيقية تمتد من المطاحن إلى المستهلك.

 

بالتوازي تظل الحكومة مسؤولة عن حماية الطرفين عبر ضبط الأسواق ومواجهة الاحتكار وتوفير الدقيق بأسعار مستقرة ودعم صغار المنتجين بدلا من الاكتفاء بوضع سقف سعري قد يصعب تنفيذه.

 

فضلا عن ذلك يتطلب ضبط سوق المخبوزات تحديد أوزان واضحة للأصناف الأساسية وإلزام المحال بإعلان مكونات المنتجات وأسعارها حتى لا تتحول الزيادة إلى باب مفتوح لتقليل الجودة سرا.

 

وعلى المستوى الإنساني تعني زيادة بضعة قروش في الرغيف أعباء شهرية كبيرة على الأسرة التي تشتري عشرات الأرغفة يوميا بينما تبدو الزيادة محدودة فقط لمن ينظر إلى السعر منفردا.

 

لذلك تكشف شكاوى المواطنين والتجار عن أزمة أوسع من سعر الخبز تتمثل في اقتصاد تتصاعد فيه تكاليف المعيشة والإنتاج معا بينما تظل الأجور والحماية الاجتماعية أبطأ من موجات الغلاء.

 

وأخيرا لن تحل الحملات المؤقتة أزمة الخبز السياحي والمخبوزات ما لم تراجع الحكومة سياسات الوقود والأسعار والأجور وتضمن توزيعا عادلا للكلفة بدلا من نقلها كاملة إلى المواطن والتاجر الصغير.

 

اعتمدت الأرقام الواردة على التوجيه الرسمي الصادر عن وزارة التموين بشأن الحدود القصوى لأسعار وأوزان الخبز السياحي والفينو وعلى تصريحات شعبة المخابز حول تأثير الوقود ومدخلات الإنتاج.