كشف طلب إحاطة قدمه النائب أشرف أمين، عضو مجلس النواب في مصر، إلى المستشار هشام بدوي رئيس المجلس، عن أزمة انفلات غير مسبوقة في أسعار الأجهزة الكهربائية وقطع الغيار، موجها المساءلة إلى رئيس الوزراء ووزيري الصناعة والتموين ورئيس جهاز حماية المستهلك بسبب الزيادات العشوائية والاحتكار وغياب الرقابة.
وتضع هذه الأزمة المواطن أمام سوق لا تحكمه قوائم أسعار مستقرة ولا تحميه رقابة فعالة، بينما تتحول الثلاجات والغسالات والتكييفات والبوتاجازات من احتياجات منزلية أساسية إلى أعباء معيشية قاسية، في وقت تترك فيه الحكومة التجار والشركات يرفعون الأسعار ويضعفون الضمان ويؤخرون الصيانة.
أسعار تتغير يوميا وسوق بلا ضوابط معلنة
في البداية، حمّل أشرف أمين الحكومة مسؤولية مباشرة عن حالة الانفلات في سوق الأجهزة الكهربائية، لأن الأسعار أصبحت تتغير بصورة شبه يومية دون مبررات واضحة أو ضوابط حقيقية، بينما يواجه المواطن قائمة طويلة من الزيادات على السلع التي يحتاجها كل بيت.
ثم حدد النائب طبيعة السلع المتضررة من الموجة الحالية، إذ أشار إلى شكاوى متزايدة من المغالاة في أسعار الثلاجات والغسالات والتكييفات والبوتاجازات، وهي أجهزة لا تدخل ضمن الرفاهية، بل ترتبط مباشرة بحياة الأسرة وحفظ الغذاء وتخفيف الحر وإدارة المنزل.
وبسبب غياب الرقابة الفعلية، لا يجد المستهلك تفسيرا معلنا لفارق السعر بين يوم وآخر، ولا يعرف هل ترتبط الزيادة بتكلفة إنتاج أو سعر صرف أو خامات مستوردة، أم أن السوق يستخدم الارتباك الاقتصادي ذريعة لزيادة الأرباح على حساب الأسر.
كذلك يفتح الارتفاع الصادم في أسعار قطع الغيار الأصلية بابا أخطر، لأن المستهلك لا يدفع فقط عند شراء الجهاز، بل يظل محاصرا بعد الشراء بسعر قطعة الغيار وخدمة الصيانة، خصوصا عندما تختفي القطعة الأصلية وتظهر بدائل مجهولة أو غير مطابقة للمواصفات.
وفي هذا المحور، يخدم رأي الخبير الاقتصادي ممدوح الولي جوهر الأزمة، لأنه ربط في كتاباته بين ارتفاع الأسعار وتآكل قدرة المواطنين الشرائية، وشكك في قدرة القرارات الرسمية وحدها على تخفيف الأعباء عندما لا تضبط الحكومة حلقات السوق والتوزيع.
لذلك يصبح طلب الإحاطة اتهاما للحكومة لا مجرد شكوى قطاعية، لأن الدولة التي تعلن حماية المستهلك لا تستطيع ترك السوق يتحرك كل يوم بسعر جديد، ولا تستطيع مطالبة المواطن بالصبر بينما تفشل في نشر قوائم سعرية واضحة أو مواجهة التخزين والمضاربة.
كما أن الحديث عن تراجع بعض تكاليف الاستيراد عالميا يضاعف الشبهة حول الزيادات، لأن انخفاض بعض عناصر التكلفة لا يظهر في الأسعار النهائية، بينما يظهر أي ارتفاع خارجي بسرعة داخل السوق المحلي، بما يكشف انحيازا فعليا لمصلحة التاجر لا المستهلك.
وعلى هذا الأساس، لم يطلب النائب مجرد بيان حكومي، بل طالب بتفسير أسباب الارتفاعات المتتالية والعشوائية في أسعار الأجهزة الكهربائية وقطع الغيار، وهي صياغة تضع وزارتي الصناعة والتموين أمام اختبار الأرقام لا أمام خطاب عام عن ظروف الأسواق.
قطع الغيار تختفي والمنتجات المجهولة تدخل من باب العجز الرقابي
بعد ذلك، ربط أشرف أمين بين اختفاء بعض قطع الغيار الأصلية وانتشار منتجات مجهولة وغير مطابقة للمواصفات، لأن نقص القطعة المعتمدة لا يترك المواطن أمام خيار عادل، بل يدفعه إلى شراء بديل غير مضمون حتى يحافظ على جهاز دفع فيه مبلغا كبيرا.
ومن هنا تتحول أزمة الأسعار إلى أزمة سلامة وجودة، لأن قطع الغيار المجهولة في الأجهزة الكهربائية قد تؤدي إلى أعطال متكررة أو مخاطر داخل المنازل، بينما لا يظهر جهاز حماية المستهلك كقوة ردع كافية تمنع التلاعب أو تلاحق المراكز غير المعتمدة.
في المقابل، يحمّل قانون حماية المستهلك المورد مسؤولية توفير مراكز الخدمة والصيانة والإصلاح وقطع الغيار الأصلية أو المعتمدة للسلع المستوردة والمنتجة محليا، وهذا الالتزام القانوني يجعل اختفاء القطع أو المغالاة فيها إخلالا بحق المستهلك لا مجرد مشكلة تجارية.
لذلك يكتسب رأي محمود العسقلاني، رئيس جمعية مواطنون ضد الغلاء، وظيفة تحريرية واضحة في هذا المحور، لأنه يرى أن تحرك المستهلكين ضد الغلاء والاحتكار يصبح ضروريا عندما تتقاعس الحكومة والبرلمان عن توفير نصوص وآليات تحمي الناس من السوق المنفلت.
وبهذا المعنى، لا يكفي أن تحذر الدولة المواطنين من المراكز الوهمية أو قطع الغيار غير الأصلية، لأن التحذير لا يحل المشكلة إذا ظلت القطعة الأصلية نادرة أو مرتفعة السعر، وإذا ظل المستهلك مضطرا للبحث عن فني بديل بسبب تأخر الخدمة الرسمية.
كما أن جهاز حماية المستهلك أعلن سابقا أن مراكز الصيانة غير المعتمدة تهدد أمن وسلامة المواطنين، ورصد مراكز تدعي صلتها بشركات أصلية وتمارس نشاطا تجاريا دون ترخيص، وهو ما يؤكد أن المشكلة معلومة للجهاز ولا تحتاج اكتشافا جديدا.
غير أن معرفة الجهاز بالمشكلة لا تعني نجاحه في ضبطها، لأن اتساع الشكاوى داخل سوق الأجهزة الكهربائية يشير إلى فجوة بين النص القانوني والتنفيذ، وبين حق المستهلك في الضمان والصيانة وواقع ينتظر فيه المواطن أياما أو أسابيع قبل استجابة المركز.
ومن ثم يصبح سؤال النائب عن دور أجهزة الرقابة التموينية في مواجهة الممارسات الاحتكارية والتلاعب بالأسعار سؤالا مركزيا، لأن وزارة التموين لا يمكن أن تكتفي بمتابعة السلع الغذائية بينما تترك سلعا معمرة وأساسية تتحول إلى باب واسع للاستغلال التجاري.
وبناء على ذلك، يجب أن تكشف الحكومة عن عدد الحملات التي نفذتها على تجار الأجهزة الكهربائية ومراكز الصيانة خلال 2026، وقيمة المخالفات المحررة، وعدد الشركات التي عوقبت بسبب إخفاء قطع الغيار أو بيع منتجات غير أصلية أو تضليل المستهلك.
الضمان ينهار بعد البيع والحكومة تترك المواطن وحده أمام الشركات
في مسار آخر، أكد أشرف أمين أن الأزمة لم تعد تقتصر على الأسعار فقط، بل امتدت إلى ضعف خدمات الضمان والصيانة وتأخر مراكز الخدمة في الاستجابة لشكاوى المواطنين، رغم المبالغ الضخمة التي تحصلها الشركات والتجار من المستهلكين عند الشراء.
وهنا تظهر المفارقة الأشد قسوة، لأن المستهلك يدفع سعر الجهاز محملا بوعد الضمان وخدمة ما بعد البيع، ثم يكتشف عند العطل أن الضمان يحتاج اتصالات ومواعيد وتأجيلات ورسوم إضافية، بينما لا تتحرك الجهات الرقابية إلا بعد تراكم الشكاوى أو تدخل إعلامي.
كذلك ينص قانون حماية المستهلك على أن الضمان يشمل الكشف والفحص والإصلاح وقطع الغيار الأصلية، إضافة إلى نفقات انتقال الفنيين ونقل المنتج عند الحاجة إلى الإصلاح وإعادته إلى مقر المستهلك، بما في ذلك التركيب والتشغيل عند اللزوم.
لذلك يخدم رأي الخبير الاقتصادي هاني جنينة هذا المحور من زاوية التكلفة الكلية على الأسر، لأنه ربط في تقديراته الحديثة بين تقلب سعر الصرف والتوترات الخارجية واحتمالات عودة الضغوط السعرية، بما يعني أن ضعف الضمان يضيف تضخما خفيا بعد الشراء.
غير أن الشركات لا تستطيع تعليق كل أزمة على سعر الصرف، لأن خدمة الضمان التزام تعاقدي وقانوني سابق على العطل، ولأن المستهلك لا يشتري الجهاز وحده، بل يشتري معه حقا في الصيانة وقطعة أصلية واستجابة زمنية معقولة عند حدوث المشكلة.
وبالتالي، يصبح تأخر مراكز الخدمة في الاستجابة صورة من صور تحميل المواطن تكلفة فشل السوق، إذ يضطر المستهلك إلى دفع مبالغ إضافية لفنيين غير معتمدين أو شراء قطع بديلة أو ترك الجهاز معطلا، رغم وجود ضمان معلن على الفاتورة.
ومن ناحية عملية، لا تبدو الأزمة منفصلة عن ضعف المنافسة والاحتكار، لأن السوق الذي يرفع السعر قبل البيع ويضعف الخدمة بعد البيع يحتاج تدخلا تنظيميا صارما، يبدأ بإلزام الشركات بإعلان أسعار قطع الغيار الأصلية وفترات توافرها ومواعيد الصيانة الملزمة.
لهذا طالب أشرف أمين الحكومة بتحرك عاجل لإعادة الانضباط إلى سوق الأجهزة الكهربائية، وتشديد الرقابة على الأسعار ومراكز الصيانة، ومواجهة جشع بعض التجار والشركات الذين يرفعون أسعار الأجهزة دون مبرر، وهي مطالب لا تحتمل التأجيل في ظل ضغط المعيشة.
وبعد هذا الطلب، تصبح مسؤولية رئيس الوزراء ووزارات الصناعة والتموين وجهاز حماية المستهلك مزدوجة، لأن المطلوب ليس اجتماعا حكوميا عابرا، بل خطة معلنة تربط السعر بالتكلفة وتكشف المخزون وتراقب الضمان وتعاقب الشركات التي تبيع الثقة ثم تتهرب من الصيانة.
في النهاية، تكشف أزمة الأجهزة الكهربائية أن الحكومة تركت المواطن بين نارين، نار سعر يتغير بلا إعلان ونار ضمان لا يعمل عند الحاجة، بينما أصبحت قطعة الغيار الأصلية سلعة نادرة ومرتفعة السعر في سوق يفترض أن تحميه مؤسسات الدولة.
وبهذا المعنى، لا يحتاج المستهلك إلى بيانات تهدئة جديدة، بل يحتاج إلى رقابة يومية وغرامات حقيقية وقوائم أسعار منشورة وسجل علني للشركات المخالفة، لأن حماية المستهلك لا تتحقق بخط ساخن وحده، بل بسلطة تمنع الاستغلال قبل أن يدفع المواطن ثمنه.

