أظهرت شكاوى السوق المصري خلال مايو 2026 توسعا كبيرا في صفحات ومجموعات البيع عبر مواقع التواصل الاجتماعي، حيث تمارس آلاف الحسابات نشاطا تجاريا يوميا دون تراخيص أو سجلات ضريبية أو رقابة واضحة، بما حوّل المنصات الرقمية إلى أسواق موازية خارج قبضة الدولة.

 

وتتحمل الحكومة مسؤولية هذا الانفلات لأنها تركت التجارة الرقمية تنمو أسرع من التشريع والرقابة، فصار المستهلك يشتري أغذية ومستحضرات تجميل وأجهزة وملابس من مصادر مجهولة، بينما يلتزم التاجر الرسمي بالضرائب والمواصفات والإيجارات، ويفقد قدرته على المنافسة أمام بائع لا يظهر في أي سجل.

 

سوق رقمي مواز خارج الضرائب

 

بدأت المشكلة من توسع البيع عبر صفحات فيسبوك ومجموعات واتساب وحسابات إنستغرام وتيك توك، حيث يعرض آلاف البائعين منتجات يومية ويستقبلون الطلبات والتحويلات دون سجل تجاري أو بطاقة ضريبية أو مقر معلوم، فتتحول التجارة الإلكترونية إلى نشاط واسع بلا عنوان قانوني واضح.

 

وبحسب تقديرات مرتبطة بجهاز تنمية التجارة الداخلية، بلغ حجم التجارة الإلكترونية الرسمية في مصر نحو 80 مليار جنيه سنويا في مرحلة سابقة، بينما قد يصل الرقم عند احتساب الصفحات غير الرسمية إلى أضعاف ذلك، ما يكشف أن الدولة تعرف حجم السوق لكنها لم تضبطه.

 

ويرى الدكتور إبراهيم عشماوي، رئيس جهاز تنمية التجارة الداخلية السابق، أن مصر تضم ملايين المتاجر بين رسمي وغير منظم، وأن دمج المتاجر في القطاع الرسمي ومواجهة العلامات المقلدة يمثلان أولوية لحماية السوق، وهذا الرأي يضع صفحات البيع الرقمية داخل أزمة أوسع تخص الاقتصاد غير الرسمي.

 

لذلك لا تبدو التجارة غير الرسمية عبر مواقع التواصل مجرد مبادرات شبابية صغيرة، بل شبكة واسعة تتداخل فيها تجارة منزلية ومخازن مجهولة وموزعون بلا بيانات، ويصعب على مصلحة الضرائب تتبعها إذا ظلت التحويلات والمدفوعات والإعلانات تتم خارج إطار تسجيل موحد.

 

كما أن غياب إطار ملزم للتسجيل والترخيص يخلق ظلما واضحا داخل السوق، لأن التاجر الملتزم يدفع ضريبة وقيمة مضافة وتأمينات وإيجارا وفواتير، بينما ينافسه بائع مجهول بسعر أقل لأنه لا يتحمل الكلفة القانونية نفسها، فتتحول الفوضى إلى مكافأة لمن يهرب من النظام.

 

منتجات مجهولة المصدر تهدد صحة المستهلك

 

تمتد خطورة السوق الموازي الرقمي إلى سلامة المواطنين، لأن صفحات البيع تعرض أحيانا منتجات غذائية ومستحضرات تجميل وأجهزة كهربائية وملابس وأدوية شعبية ومكملات غير موثقة المصدر، ولا يجد المستهلك عند وقوع الضرر فاتورة رسمية أو عنوانا ثابتا أو جهة يمكن مساءلتها.

 

وفي قطاعات مثل الأغذية ومستحضرات التجميل، لا يكون الغش التجاري مجرد خسارة مالية، بل خطرا صحيا مباشرا، لأن المنتج مجهول المصدر قد يكون منتهي الصلاحية أو مقلدا أو مخزنا بطريقة سيئة أو غير مطابق للمواصفات، بينما تبيع الصفحة صورة جذابة وسعرا مخفضا.

 

ويؤكد إبراهيم السجيني، رئيس جهاز حماية المستهلك، ضرورة التعامل بحزم ودون أي تهاون مع السلع الغذائية مجهولة المصدر وغير الصالحة للاستهلاك، ويدعو إلى تكثيف الحملات الرقابية في الأسواق، وهو موقف يكشف أن الخطر معروف لكن امتداده الرقمي يحتاج أدوات أسرع.

 

ومن ثم، لا يكفي أن تطلب الحكومة من المواطنين تقديم شكاوى بعد وقوع الضرر، لأن البيع عبر المنصات يقوم على سرعة الإعلان والإغلاق وتغيير اسم الصفحة، وقد يختفي البائع خلال ساعات، بما يجعل الرقابة اللاحقة أضعف من قدرة المخالف على الهروب.

 

كذلك تتضرر ثقة المستهلك في التجارة الإلكترونية كلها، لأن ضحية النصب أو المنتج الفاسد لا تفرق غالبا بين منصة رسمية ومتجر مرخص وصفحة مجهولة، فيدفع القطاع المنظم ثمن فشل الدولة في التمييز الواضح بين بائع قانوني وبائع عابر بلا مسؤولية.

 

تنظيم السوق لا يعني سحق صغار البائعين

 

تحتاج الحكومة إلى دمج التجارة غير الرسمية عبر مواقع التواصل داخل الاقتصاد الرسمي دون تحويل الأمر إلى مطاردة لصغار البائعين والشباب، لأن جزءا من هذا النشاط نشأ بسبب البطالة وغلاء الإيجارات وتراجع القدرة الشرائية، لكن ذلك لا يبرر ترك السوق بلا قواعد.

 

وبحسب مصلحة الضرائب المصرية، يلتزم مزاول نشاط التجارة الإلكترونية بالتسجيل الضريبي خلال 30 يوما من تاريخ بدء النشاط، وهي قاعدة تكشف أن النص العام موجود، لكن المشكلة تكمن في ضعف التطبيق وتشتت البيانات وصعوبة حصر صفحات البيع التي تعمل بأسماء شخصية.

 

ويرى الدكتور وليد جاب الله، الخبير الاقتصادي وعضو الجمعية المصرية للاقتصاد والإحصاء والتشريع، أن دمج الأنشطة في المنظومة الرسمية يحتاج إلى حوافز وتسهيلات لا إلى عقوبات فقط، وهو طرح مهم حتى لا تتحول مواجهة الاقتصاد الموازي إلى عبء جديد على صغار العاملين.

 

لذلك تبدأ المعالجة من إنشاء سجل رقمي مبسط للبائعين عبر مواقع التواصل، يربط الصفحة برقم ضريبي مختصر ووسيلة دفع معلنة وبيانات تواصل واضحة، مع إعفاءات أو شرائح مبسطة للمشروعات الصغيرة، حتى لا يصبح التسجيل عقوبة بل بوابة حماية وفرصة للنمو.

 

كما يجب إلزام الصفحات التي تبيع منتجات حساسة، مثل الأغذية ومستحضرات التجميل والأجهزة الكهربائية، بإظهار بيانات المصدر ورقم التشغيلة وبيانات الاستيراد أو التصنيع، لأن حماية المستهلك لا تتحقق بإعلان رخيص أو تقييمات وهمية، بل بسلسلة توريد قابلة للتتبع والمساءلة.

 

وبالتوازي، تحتاج الدولة إلى تعاون من منصات التواصل نفسها، بحيث لا يسمح بالإعلانات التجارية المتكررة دون بيانات بائع واضحة، ولا تبقى الصفحات المخالفة قادرة على تغيير الاسم والهروب من البلاغات، لأن السوق الرقمي لا يدار بأدوات تفتيش ورقية فقط.

 

وفي النهاية، تكشف فوضى التجارة عبر مواقع التواصل أن الحكومة تأخرت في قراءة الاقتصاد الرقمي، فتركت سوقا ضخمة تتوسع بلا ضرائب ولا مواصفات ولا حماية للمستهلك، ثم اكتشفت أن الخطر يهدد الخزانة والتاجر القانوني والمواطن معا، ولا علاج إلا بتنظيم عادل وسريع يربط كل بائع بمسؤولية واضحة.