كشفت بيانات صحية وبيطرية متداولة في مصر خلال مايو 2026 عن تسجيل نحو 1.4 مليون حالة عقر خلال 2025، وسط تقديرات متباينة لعدد الكلاب الضالة بين 15 و40 مليون كلب، لتتحول الشوارع في القاهرة والجيزة والبحيرة والدقهلية والشرقية والصعيد إلى بؤر خوف يومي.


وتضع الأزمة الحكومة أمام فشل إداري واضح، لأن حماية المواطنين لا تتعارض مع الرفق بالحيوان، لكن غياب بيانات دقيقة وحملات تعقيم واسعة ورقابة على المخلفات وتجارة الكلاب ترك الأطفال وكبار السن يدفعون الثمن، وحول حق الحركة الآمنة إلى معاناة يومية داخل الأحياء السكنية.


أرقام العقر تكشف فشل الوقاية لا كثرة الكلاب فقط


بدأت الأزمة صحيا قبل أن تصبح جدلا اجتماعيا، فقد ارتفعت حالات العقر من نحو 650 ألف حالة في 2022 إلى 800 ألف في 2023، ثم تجاوزت 1.2 مليون حالة في 2024، قبل أن تصل تقديرات 2025 إلى نحو 1.4 مليون حالة عقر سنويا.

 

ثم جاءت الفئات العمرية الأكثر تعرضا لتكشف خطورة الظاهرة على الأسرة، إذ تشير البيانات إلى أن الأطفال من 4 إلى 14 عاما يمثلون نحو 60% من ضحايا العقر، بينما تتوزع النسبة الباقية على الفئات الأكبر، وهذا يعني أن الخطر يتركز حول المدرسة والشارع واللعب اليومي.

 

وبحسب الدكتور حسام عبد الغفار، المتحدث باسم وزارة الصحة، سجلت مصر 1.4 مليون حالة عقر في 2025 مقارنة بما لا يقل عن 1.2 مليون في أعوام سابقة، كما تتحمل الكلاب نحو 90% من حالات السعار المسجلة، بما يجعل الأزمة ملف صحة عامة لا مشاجرة أحياء.

 

وعلى هذا الأساس، لا تكفي الاستجابة بعد العقر بتوفير الأمصال واللقاحات، لأن الدولة تنفق مليارات على العلاج الوقائي بينما تترك السبب يتكاثر في الشوارع، فكل حالة عقر تعني طفلا مرعوبا أو مسنا عاجزا أو أسرة تبحث عن مصل عاجل في لحظة خوف.

 

جذور الأزمة في القمامة والتخلي عن الحيوانات وغياب البيانات

 

في أصل المشكلة، لا تزيد أعداد الكلاب من فراغ، بل تجد غذاء ومأوى داخل بيئة حضرية مرتبكة، حيث تتراكم المخلفات وبقايا الطعام حول الأسواق والمناطق الطرفية والأراضي الفضاء، وتظهر القطعان قرب أماكن القمامة والمصانع والمناطق شبه المغلقة بعيدا عن رقابة فعالة.

 

كذلك يوضح الدكتور محمود حمدي، الطبيب البيطري وأمين صندوق نقابة الأطباء البيطريين، أن زيادة أعداد كلاب الشوارع ترتبط بغياب برامج واسعة ومستدامة للتعقيم والتطعيم، وبالتخلي عن الكلاب المنزلية عند المرض أو كلفة الرعاية، وبالبيئة الحضرية التي توفر مخابئ ومصادر طعام.

 

ومن ثم، تصبح تجارة الحيوانات غير المنظمة ومزارع التكاثر ومحال بيع الكلاب جزءا من المشكلة، لأن بعض الكلاب التي لا تباع أو تمرض أو تكبر تخرج إلى الشارع، ثم تتكاثر بلا رقابة، بينما تتعامل الحكومة مع النتيجة في الطريق ولا تغلق مصدر التدفق نفسه.

 

ولهذا يظل تضارب الأرقام بين 8 و14 مليون كلب وفق تقدير، و15 إلى 40 مليون وفق تقدير آخر، و20 إلى 30 مليون وفق رأي بيطري، دليلا على غياب قاعدة بيانات وطنية، والحكومة لا تستطيع إدارة ما لا تحصيه بدقة ولا تتابع تغيره ميدانيا.

 

التعقيم والتحصين حل علمي أبطأ من حجم الخطر

 

على مستوى الحل، أعلنت الدولة خططا للتعقيم والتحصين وإنشاء مراكز إيواء خارج الكتل السكنية، مع توفير سيارات مجهزة وحملات بالتعاون مع المجتمع المدني، غير أن الأرقام المنفذة ما زالت صغيرة إذا قورنت بملايين الكلاب ومئات الآلاف من حالات العقر سنويا.

 

كما كشفت وزارة الزراعة عن تحصين 25,633 كلبا حرا ضد السعار وتعقيم 2,124 كلبا منذ يناير حتى مطلع مايو 2026، وهي خطوة ضرورية لكنها لا تزال محدودة أمام تقديرات تتحدث عن ملايين الكلاب، ولا يمكن أن تحقق أثرا واسعا من دون توسع منتظم ومستمر.

 

وتخدم حنان دعبس، نائب رئيس الاتحاد النوعي للرفق بالحيوان، هذا المحور بوضوح، لأنها تعتبر أن الحل العلمي المعترف به يقوم على التعقيم والتطعيم ضد السعار ثم إعادة إطلاق الكلاب في المكان نفسه، مع توعية الناس، لأن التعقيم يوقف التكاثر والتطعيم يحمي الصحة العامة.

 

غير أن هذا الحل يحتاج إلى سرعة وتمويل لا إلى بيانات تهدئة، فالتجارب الدولية تؤكد أن السيطرة على السعار تتطلب تغطية واسعة ومنتظمة لتطعيم الكلاب، لا حملات رمزية متقطعة، كما أن النجاح يحتاج إلى تعاون الصحة والطب البيطري والمحليات والمدارس والإعلام في خطة واحدة.

 

الحكومة بين خوف الناس وحقوق الحيوان

 

في الشارع، ينقسم الناس بين من يطالب بإبعاد الكلاب بأي وسيلة ومن يرفض القتل والتسميم باسم الرفق بالحيوان، لكن هذا الانقسام يخدم عجز الحكومة إذا ظل بلا سياسة عامة واضحة، لأن الحل الحقيقي ليس ترك الكلاب ولا إبادتها بل إدارة علمية رحيمة وحاسمة.

 

وبالتوازي، يحتاج المواطن إلى حق واضح في الإبلاغ والاستجابة، فالمناطق التي تتكرر فيها هجمات الكلاب أو تظهر فيها قطعان حول المدارس والأسواق والمواقف يجب أن تدخل خريطة تدخل عاجل، لا أن تظل الشكوى حبيسة الحي والطب البيطري والمحافظة بلا متابعة معلنة.

لذلك يجب أن تبدأ المواجهة من القمامة والتغذية العشوائية ومزارع التكاثر غير المرخصة، ثم تنتقل إلى حملات التعقيم والتحصين، ثم إلى ملاجئ مدروسة للكلاب الخطرة والمريضة، مع إلزام مالكي الحيوانات بالتسجيل والتطعيم وعدم التخلي عنها في الشارع بلا عقوبة.

 

وفي النهاية، لا تعيش المدن حياة كريمة إذا خاف الأطفال من الذهاب إلى المدرسة وخاف كبار السن من السير ليلا، ولا تكون الدولة رحيمة بالحيوان إذا تركته جائعا ومريضا في الشارع، فالحكومة مطالبة بحماية الإنسان والحيوان معا عبر سياسة جدية لا إدارة أزمة بعد كل عقر.