شهد المسجد الأقصى المبارك والبلدة القديمة في القدس المحتلة يومي الخميس والجمعة تصعيدًا سياسيًا وميدانيًا واسعًا، بعدما اقتحم وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير باحات الأقصى خلال ما تسميه إسرائيل «يوم توحيد القدس»، بالتزامن مع «مسيرة الأعلام» التي تخللتها هتافات عنصرية واعتداءات على المقدسيين، قبل أن يحتشد نحو 75 ألف مصلٍّ في صلاة الجمعة رغم القيود الإسرائيلية المشددة.

 

وتحوّل الأقصى إلى محور مواجهة مفتوحة بين محاولات الاحتلال فرض وقائع جديدة داخل المسجد، وبين تمسك الفلسطينيين بحقهم في الوصول والصلاة والرباط، خصوصًا مع تزامن التصعيد مع الذكرى الـ78 للنكبة الفلسطينية، وما رافقها من دعوات استيطانية لتوسيع الاقتحامات وتحويلها إلى ممارسة أكثر انتظامًا داخل ساحات المسجد.

 

اقتحام بن غفير ورفع العلم داخل الأقصى

 

اقتحم إيتمار بن غفير المسجد الأقصى تحت حماية شرطة الاحتلال، وظهر وهو يرفع العلم الإسرائيلي داخل الباحات، في خطوة استفزازية كسرت مجددًا قواعد الوضع القائم في المسجد، ورفعت مستوى التوتر في القدس، خاصة أن الاقتحام جاء بالتزامن مع تحركات استيطانية واسعة داخل البلدة القديمة.

 

وقال بن غفير، خلال الاقتحام، إن إسرائيل «استعادت السيادة» على ما يسميه الإسرائيليون «جبل الهيكل»، وهي تسمية يرفضها الفلسطينيون والمسلمون باعتبارها تستهدف المسجد الأقصى بهويته الإسلامية. وجاء هذا التصريح وسط اتهامات فلسطينية بأن الحكومة الإسرائيلية تمنح غطاء سياسيًا مباشرًا لجماعات المستوطنين المتطرفين.

 

وفرضت شرطة الاحتلال إجراءات مشددة في محيط المسجد والبلدة القديمة، شملت منع الرجال دون سن 60 عامًا والنساء دون 50 عامًا من دخول المسجد منذ صلاة الفجر، إضافة إلى احتجاز الهويات والتفتيش عند الأبواب، والاعتداء بالدفع والضرب على عدد من المصلين.

 

وبحسب دائرة الأوقاف الإسلامية في القدس، اقتحم 620 مستوطنًا و78 طالبًا يهوديًا ساحات المسجد الأقصى صباح الخميس، وسط جولات استفزازية وأداء طقوس تلمودية، في وقت أجبرت فيه قوات الاحتلال المصلين وموظفي الأوقاف وطلاب المدرسة الشرعية على البقاء داخل المصليات المسقوفة.

 

مسيرة الأعلام واعتداءات البلدة القديمة

 

تزامنت الاقتحامات مع «مسيرة الأعلام» التي ينظمها اليمين الإسرائيلي سنويًا في ذكرى احتلال القدس الشرقية عام 1967 وفق التقويم العبري، حيث مرّ آلاف المستوطنين في شوارع البلدة القديمة ومحيط باب العامود، قبل أن تنتهي المسيرة قرب ساحة حائط البراق.

 

وخلال المسيرة، هتف مستوطنون بشعارات عنصرية، بينها «الموت للعرب» و«لتحترق قراكم»، كما وثقت تقارير بريطانية ودولية اعتداءات على فلسطينيين ومتاجر في البلدة القديمة، في مشهد أعاد إلى الواجهة دور المسيرة في تأجيج التوتر داخل مدينة محتلة ومكتظة بالسكان الفلسطينيين.

 

وأبلغت سلطات الاحتلال تجار البلدة القديمة ومحيطها بإغلاق محالهم ظهر الخميس، بالتزامن مع مرور المسيرة، كما أغلقت طرقًا وشددت انتشار الشرطة في مناطق القدس، بما حول الحركة اليومية للفلسطينيين إلى مسار مقيد يخضع بالكامل لحسابات أمنية إسرائيلية.

 

وفي المقابل، رأى فلسطينيون أن القيود لم تكن إجراءً أمنيًا محايدًا، بل محاولة لإفراغ ساحات الأقصى والبلدة القديمة أمام المستوطنين، خاصة أن الاحتلال سمح باقتحامات منظمة داخل المسجد، بينما منع فئات واسعة من الفلسطينيين من الوصول الطبيعي إلى أماكن الصلاة.

 

حشود الجمعة ومخاوف فرض واقع جديد

 

في اليوم التالي، أدى نحو 75 ألف فلسطيني صلاة الجمعة في المسجد الأقصى رغم الانتشار الأمني المكثف والقيود المفروضة على بوابات البلدة القديمة، بحسب ما نقلته مصادر فلسطينية وإقليمية، في مشهد عكس محاولة جماعية للدفاع عن حق الصلاة في المسجد بعد يوم من الاقتحامات.

 

وشهدت الطرق المؤدية إلى الأقصى توترًا إضافيًا قبل الصلاة، حيث تحدثت تقارير فلسطينية عن اعتداءات نفذها مستوطنون في شارع الواد، وعن إغلاق بعض الأبواب ومنع مصلين من الوصول، في وقت واصلت فيه قوات الاحتلال تفتيش الشبان والتدقيق في هوياتهم.

 

وقال الباحث في شؤون القدس زياد ابحيص إن الاحتلال يسعى إلى تحقيق ثلاثة أهداف متدرجة داخل الأقصى، تبدأ بتثبيت الاقتحامات المعتادة يوم الخميس بالتزامن مع مسيرة الأعلام، ثم محاولة فرض اقتحامات مسائية، وصولًا إلى السعي لاقتحام يوم الجمعة لأول مرة.

 

واعتبرت حركة حماس أن تصاعد الاقتحامات والإجراءات الإسرائيلية في القدس يندرج ضمن سياسة تستهدف التضييق على المقدسيين والمرابطين، وإفراغ المسجد الأقصى من رواده تمهيدًا لفرض مزيد من السيطرة عليه، ودعت إلى تعزيز التواجد في المسجد والتصدي لمخططات الاحتلال والمستوطنين.

 

وتكشف أحداث الخميس والجمعة أن المواجهة حول المسجد الأقصى لم تعد مرتبطة باقتحام عابر أو مسيرة سنوية فقط، بل باتت مرتبطة بمحاولة إسرائيلية متدرجة لتغيير قواعد الوصول والسيادة داخل المسجد، مقابل تمسك فلسطيني واسع باعتبار الأقصى خطًا دينيًا وسياسيًا لا يقبل التقسيم أو التطبيع مع الاقتحامات.