تحول وسط لندن، اليوم السبت، إلى مساحة اختبار أمني وسياسي مع انطلاق مسيرة مؤيدة لفلسطين من إكزيبيشن رود باتجاه بال مال لإحياء الذكرى الـ78 للنكبة، بالتزامن مع تظاهر أنصار اليميني المتطرف تومي روبنسون تحت شعار “وحّدوا المملكة”، وسط انتشار نحو 4,000 شرطي.
وجاءت المسيرة الفلسطينية في سياق يتجاوز إحياء ذكرى تاريخية، إذ ربط المنظمون بين النكبة المستمرة وحق العودة ورفض الحرب الإسرائيلية على غزة، وبين مواجهة صعود اليمين المتطرف في بريطانيا، بينما طالبت شخصيات عربية وفلسطينية بحماية متساوية لا تتعامل مع الفلسطينيين كخطر أمني مسبق.
تعبئة أمنية غير مسبوقة في قلب لندن
ونفذت شرطة العاصمة البريطانية خطة أمنية واسعة للفصل بين مسيرة النكبة وتظاهرة “وحّدوا المملكة”، وشملت الخطة مروحيات وطائرات مسيرة ووحدات خيالة وكلابا بوليسية وآليات مدرعة وفرق تحقيق، إلى جانب استخدام تقنيات التعرف المباشر إلى الوجوه في بعض المناطق.
وقالت الشرطة إن يوم السبت قد يكون من أكثر أيامها ازدحاما في السنوات الأخيرة، بسبب تزامن التظاهرتين مع نهائي كأس الاتحاد الإنجليزي في ويمبلي، وأكدت أنها ستستخدم صلاحيات تفتيش وتوقيف موسعة لمنع الاشتباكات وضبط أي تحريض أو جرائم كراهية.
وبحسب بيانات الشرطة وتغطيات بريطانية، انطلقت مسيرة “وحّدوا المملكة” من كينغزواي قرب هولبورن باتجاه وايتهول وميدان البرلمان، بينما تجمعت مسيرة النكبة في إكزيبيشن رود في كنسينغتون، على مسافة تزيد على 3 أميال من تجمع اليمين المتطرف.
وأعلنت الشرطة توقيف رجلين قرب محطة يوستن للاشتباه بتورطهما في قضية إلحاق أذى جسيم على خلفية حادثة دهس في برمنغهام، بعد وصولهما إلى لندن للمشاركة في تظاهرة “وحّدوا المملكة”، كما أشارت تغطيات لاحقة إلى ارتفاع عدد التوقيفات لأسباب متفرقة خلال اليوم.
مسيرة النكبة من إكزيبيشن رود إلى بال مال
نظمت المسيرة بدعوة من تحالف يضم حملة التضامن مع فلسطين، وائتلاف أوقفوا الحرب، ومنظمات مناهضة للعنصرية، إلى جانب أصدقاء الأقصى وجهات داعمة أخرى، وحملت الفعالية عنوان “النكبة 78: مسيرة من أجل فلسطين.. متحدون ضد تومي روبنسون واليمين المتطرف”.
وأكدت حملة التضامن مع فلسطين أن المسيرة تهدف إلى إحياء ذكرى النكبة، وتأكيد حقوق الشعب الفلسطيني غير القابلة للتصرف، وفي مقدمتها حق اللاجئين في العودة إلى ديارهم، إضافة إلى مواجهة اليمين المتطرف في بريطانيا وما وصفته المنظمة بتمجيد العنصرية الإسرائيلية.
وسلك المشاركون طريقا معلنا يبدأ من إكزيبيشن رود، ثم يمر عبر كرومويل غاردنز وبرومبتون رود ونايتسبريدج وبيكاديللي وسانت جيمس ستريت، قبل الوصول إلى بال مال، مع إعلان مسار ميسر يبدأ من محطة غرين بارك للذين يحتاجون إلى طريق أقصر.
ودعا المنظمون المشاركين إلى الالتزام بإرشادات السلامة والتحرك ضمن ترتيبات الحشد، بينما وفرت النقابات والمنظمات المشاركة توجيهات خاصة بالمراقبين الميدانيين، والإبلاغ عن أي حوادث، وتجنب مناطق التوتر المحتملة مع أنصار اليمين المتطرف أو تجمعات كرة القدم.
حماية الفلسطينيين بين الحق في التظاهر وخطاب الأمن
سبقت المسيرة رسالة عاجلة وجهها قادة وناشطون وشخصيات مهنية من الجاليتين العربية والفلسطينية في بريطانيا إلى رئيس الوزراء كير ستارمر، وطالبت الرسالة بضمان حماية متساوية للمشاركين، وسط مخاوف من تهديدات اليمين المتطرف وتوتر محطات النقل ومحيط وايتهول.
وقال الموقعون إن البريطانيين من أصول فلسطينية وعربية يعيشون حالة قلق عالية مع تصاعد خطاب العداء، وطالبوا بخطة أمنية واضحة تعترف بذكرى النكبة باعتبارها فترة حداد مشروع لجزء من النسيج البريطاني، لا مجرد مشكلة أمنية لإدارة الحشود.
وفي هذا السياق، نقلت تقارير بريطانية عن ناشطين فلسطينيين شعورهم بأنهم يعاملون كمتهمين لا كجالية تحيي ذكرى اقتلاع جماعي، بينما حذر منظمون من أن السماح لليمين المتطرف بالتمدد في مركز الحكم البريطاني يرسل رسالة قاسية إلى الأقليات.
استفزاز أمني للمشاركين في المسيرة
كما انتقد جون ريس، أحد منظمي المسيرة المؤيدة لفلسطين، تعامل الشرطة مع حدود الخطاب في التظاهرات، واتهمها بالسماح لتومي روبنسون بالسيطرة على مساحة واسعة حول وايتهول بعد اختيار موعد اعتبره المنظمون استفزازيا بسبب تزامنه مع فعالية النكبة.
وعلى الجانب الحكومي، وصف رئيس الوزراء كير ستارمر صعود اليمين المتطرف بأنه معركة على روح البلاد، واتهم منظمي تظاهرة “وحّدوا المملكة” بنشر الكراهية والانقسام، لكنه وجه أيضا تحذيرات إلى المشاركين في المسيرات المؤيدة لفلسطين بشأن معاداة السامية.
وتعكس أحداث السبت معضلة بريطانية أوسع، إذ يتداخل الحق في التظاهر مع سياسة أمنية مشددة، بينما تصبح ذكرى النكبة اختبارا لموقف الدولة من مواطنيها الفلسطينيين والعرب، لا سيما عندما يطلب هؤلاء حماية واضحة من اليمين المتطرف لا مساواة شكلية تحت ضغط الكاميرات.
وفي النهاية، لم تكن شوارع لندن مجرد مسارين منفصلين لتظاهرتين متزامنتين، بل كانت ساحة تكشف كيف تتعامل الدولة مع الحداد الفلسطيني ومع الخوف من اليمين المتطرف في وقت واحد، وبين المسارين بقي السؤال الأهم: هل تحمي الشرطة حق التعبير، أم تعيد تعريفه من بوابة الاشتباه.

