شهد مقر حزب العيش والحرية في وسط القاهرة، فعالية تضامنية واسعة حملت عنوان “السجن مش مكانهم”، بمشاركة أسر محبوسين احتياطيًا على ذمة قضايا ذات طابع سياسي، إلى جانب حقوقيين وشخصيات عامة وسياسيين، في مشهد أعاد تسليط الضوء على ملف الحبس الاحتياطي المطول.
وتحولت القاعة إلى معرض بصري مفتوح، عُلّقت على جدرانه عشرات الصور لمحبوسين، مرفقة ببيانات تعريفية شملت أعمارهم وتواريخ القبض عليهم والاتهامات الموجهة إليهم ومدد احتجازهم، إلى جانب رسومات كاريكاتورية حملت رسائل تطالب بإنهاء الحبس الاحتياطي والإفراج عنهم.
شهادات أسر: “القضية ليست قانونية فقط”
خلال المؤتمر، طالب المشاركون بالإفراج عن ذويهم، مؤكدين أن استمرار الحبس الاحتياطي لفترات طويلة تحول إلى أزمة تمس البعد الإنساني والاجتماعي للأسرة المصرية.
وقال والد الفنان والرسام والمترجم أشرف عمر إن ابنه “مكانه ليس السجن”، داعيًا إلى وضع معايير واضحة للفصل بين قضايا الرأي والقضايا الجنائية، ومشيرًا إلى أن الاتهامات الموجهة له “غير عادلة” بحسب وصفه.
ويُحاكم أشرف عمر في القضية رقم 11846 لسنة 2025 جنايات التجمع الخامس، بعد القبض عليه في يوليو 2024، على خلفية اتهامات تشمل الانضمام إلى جماعة إرهابية وتمويلها ونشر أخبار كاذبة، وهي اتهامات ينفيها مقربون منه.
شهادات من داخل التجربة
من جانبها، تحدثت ندى مغيث، زوجة أشرف عمر، عن الأثر الممتد للحبس الاحتياطي على العائلات، مؤكدة أن التعامل مع الملف باعتباره مسألة قانونية بحتة يتجاهل تداعياته الاجتماعية والإنسانية.
وأشارت إلى ضرورة بناء موقف مشترك بين القوى السياسية والمدنية لمواجهة ما وصفته بانتهاكات مرتبطة بمدد الحبس، معتبرة أن الأزمة لا تتعلق بالأفراد فقط بل ببنية قانونية تحتاج إلى مراجعة أوسع.
كما استعرضت مغيث جانبًا من تجربة زوجها داخل السجن، قائلة إنه استثمر فترة احتجازه في القراءة وتعلم اللغة الإسبانية، وساهم في تعليم بعض النزلاء، في شهادات تؤكد – بحسب قولها – أن السجون لا توقف الحياة الفكرية بالكامل.
مداخلات سياسية وحقوقية
وشارك في المؤتمر عدد من الشخصيات العامة، من بينهم القيادي السياسي المعارض أحمد الطنطاوي أحمد الطنطاوي، الذي أكد أن الدفاع عن المحبوسين سياسيًا لا ينفصل عن الدفاع عن مستقبل المجال العام، داعيًا إلى استمرار التضامن وتوسيع أدوات التحرك السلمي.
كما شدد على ضرورة الانتقال من ردود الفعل الفردية إلى “خطط منظمة ومتدرجة” للتعامل مع الملف، معتبرًا أن القبول بالأمر الواقع يمثل شكلًا من أشكال الاستسلام السياسي.
من جهته، قال محمد أنور السادات محمد أنور السادات، نائب رئيس المجلس القومي لحقوق الإنسان، إن المجلس يتابع عددًا من الشكاوى المرتبطة بأوضاع المحتجزين، بالتنسيق مع جهات قضائية، لكنه أشار إلى أن الاستجابة لا تزال محدودة مقارنة بتوقعات أسر المحتجزين.
وأضاف أن معالجة ملف الحبس الاحتياطي تتطلب إرادة تنفيذية واضحة أكثر من كونها مرتبطة فقط بالنصوص القانونية.
شهادات حقوقية: أزمة ممتدة
من داخل الأوساط الحقوقية، قالت وفاء المصري، عضوة لجنة الدفاع عن سجناء الرأي، إن الفعالية لم تستطع عرض صور جميع المحبوسين بسبب اتساع الأعداد وصعوبة التوثيق، مؤكدة أن الملف يتجاوز قدرات المبادرات الفردية، كما دعت إلى خطوات أكثر فاعلية للتعامل مع أوضاع المحتجزين، دون تحديد طبيعتها، في إشارة إلى الحاجة لتحرك سياسي وقانوني أوسع.
وقالت الأكاديمية ليلى سويف إن استمرار الضغط المجتمعي والحقوقي ضرورة لإبقاء الملف حاضرًا، معتبرة أن الاستجابة الرسمية غالبًا ما ترتبط بحجم الضغط العام.
وشهد المؤتمر رسائل دعم مصورة من شخصيات من بينهم، حمدين صباحي، والمحامي الحقوقي خالد علي خالد علي، والروائي إبراهيم عبد المجيد، والكاتب محمد عبد القدوس، الذين دعوا إلى إعادة النظر في أوضاع المحتجزين على خلفية قضايا رأي.
وأكدت المداخلات أن استمرار الحبس الاحتياطي لفترات طويلة يفاقم الأزمة الإنسانية ويزيد من حالة الاحتقان داخل المجتمع.
أمثلة فردية مثارة خلال المؤتمر
وخلال النقاشات، أشار محامون وحقوقيون إلى حالة الناشطة مروة عرفة، التي قالت منظمات حقوقية بينها المبادرة المصرية للحقوق الشخصية إنها قضت سنوات بين الحبس الاحتياطي والإجراءات القضائية، على خلفية اتهامات تتعلق بالانضمام إلى جماعة محظورة، وهي اتهامات تنفيها أسرتها ومؤيدوها.
قراءة حقوقية للمشهد
يرى مشاركون في المؤتمر أن ملف الحبس الاحتياطي بات يمثل أحد أبرز القضايا الخلافية في المشهد الحقوقي المصري، خاصة مع استمرار احتجاز عدد من المتهمين لفترات طويلة قبل صدور أحكام نهائية.
وأكد محامون حقوقيون أن الإشكالية لا تتعلق فقط بالقوانين المنظمة، بل أيضًا بآليات التطبيق، مؤكدين أن بعض القضايا تمتد فيها فترات الحبس لسنوات دون حسم قضائي نهائي.
دعوات لتوسيع الفعاليات التضامنية
في ختام الفعالية، دعا عدد من المشاركين إلى استمرار الفعاليات التضامنية، سواء عبر المؤتمرات أو الوقفات أو الأنشطة الرمزية، بهدف إبقاء الملف حاضرًا في المجال العام.
وشددت المداخلات على أن استمرار احتجاز آلاف الأشخاص على ذمة قضايا مختلفة يترك أثرًا ممتدًا على الأسر، ويعيد طرح تساؤلات حول مستقبل ملف الحريات العامة في البلاد.

