أعلنت الحكومة المصرية بدء إجراءات تحويل سيارات الجهاز الإداري للدولة إلى العمل بالكهرباء، مع التوسع في إنشاء محطات شحن جديدة والتفاوض لشراء أول دفعات سيارات للمسؤولين الحكوميين، في خطوة جاءت بعد شهور من استحواذ شركة «صافي» التابعة للجيش على مصنع النصر للسيارات وإعلان رجل الأعمال إبراهيم العرجاني ضخ استثمارات ضخمة في قطاع تصنيع المركبات داخل مصر.

 

وكشفت التحركات الحكومية الأخيرة عن اتجاه واضح لإعادة تشكيل سوق السيارات والطاقة والبنية التحتية بما يخدم شبكات اقتصادية صاعدة مرتبطة بالسلطة، بينما تواجه البلاد أزمة ديون حادة وارتفاعًا غير مسبوق في أسعار الوقود والكهرباء والمواصلات، وسط مخاوف من تحميل الخزانة العامة تكاليف مشروع جديد يخدم كبار المسؤولين أكثر مما يخدم ملايين المواطنين.

 

الحكومة تبدأ إحلال سيارات المسؤولين وسط أزمة اقتصادية خانقة

 

قال رئيس الوزراء مصطفى مدبولي خلال اجتماعه مع وزير المالية أحمد كجوك إن الحكومة تستهدف التحول التدريجي لاستخدام السيارات الكهربائية داخل الجهاز الإداري للدولة باعتباره جزءًا من خطة ترشيد استهلاك الوقود وتعظيم كفاءة استخدام الطاقة داخل المؤسسات الرسمية.

 

وأضاف مدبولي أن الحكومة ستتابع بصورة دورية تنفيذ خطة التحول الكهربائي داخل الوزارات والجهات المختلفة مع إزالة العقبات التي تواجه التنفيذ وتسريع التعاقدات الخاصة بشراء المركبات الجديدة المخصصة للمسؤولين الحكوميين بدلًا من السيارات التقليدية العاملة بالبنزين والسولار.

 

كما أوضح المتحدث باسم مجلس الوزراء محمد الحمصاني أن وزارة المالية بدأت إعداد دراسات مقارنة تتعلق بالوفر المتوقع من استخدام السيارات الكهربائية بدلًا من السيارات التقليدية داخل أسطول الدولة الحكومي، مع التركيز على تقليل فاتورة استيراد المنتجات البترولية مستقبلاً.

 

وفي السياق نفسه تحدثت الحكومة عن تطوير منظومة متكاملة للنقل الأخضر تشمل توسيع شبكات الشحن السريع والذكي وإنشاء بنية رقمية مرتبطة بإدارة المركبات الكهربائية وتأمينها إلكترونيًا بما يتوافق مع ما وصفته الحكومة بمعايير السلامة العالمية.

 

ويرى الخبير الاقتصادي وائل النحاس أن توقيت الإعلان عن هذه الخطة يثير تساؤلات واسعة بسبب الأوضاع الاقتصادية الحالية وارتفاع عجز الموازنة وتزايد الديون الخارجية، مؤكدًا أن الدولة تتجه لإنفاق مليارات جديدة على قطاع لا يزال محدود الاستخدام داخل السوق المصرية.

 

وأوضح النحاس أن الحكومة تطرح مشروع التحول الكهربائي باعتباره خطوة لترشيد الإنفاق بينما تتجاهل التكلفة الضخمة لإنشاء البنية التحتية ومحطات الشحن والصيانة والتشغيل والتأمين التقني، وهي نفقات ستتحملها الخزانة العامة في النهاية وسط ضغوط اقتصادية متزايدة.

 

كذلك تتزامن هذه الخطة مع استمرار الحكومة في رفع أسعار الوقود والكهرباء ورسوم الخدمات الأساسية خلال الأشهر الأخيرة ضمن سياسات التقشف المرتبطة ببرامج الاقتراض، ما دفع مراقبين للتساؤل حول أولوية تخصيص مليارات جديدة لسيارات المسؤولين في هذا التوقيت.

 

«صافي» والعرجاني يدخلان قلب سوق السيارات الكهربائية

 

جاء الإعلان الحكومي بعد شهور قليلة من استحواذ شركة «صافي» التابعة لجهاز مشروعات الخدمة الوطنية على مصنع النصر للسيارات، في خطوة اعتبرها اقتصاديون توسعًا جديدًا للمؤسسات التابعة للجيش داخل القطاعات الصناعية والاستثمارية المرتبطة بالنقل والطاقة.

 

كما أعلن رجل الأعمال إبراهيم العرجاني خلال الفترة الماضية ضخ استثمارات ضخمة تصل إلى مليار دولار في قطاع صناعة السيارات، بالتزامن مع توسع الدولة في مشروعات النقل الكهربائي والتوجه الرسمي نحو التحول إلى المركبات الكهربائية داخل المؤسسات الحكومية.

 

ويرى مراقبون أن الدولة تعيد حاليًا تشكيل سوق السيارات بالكامل عبر خلق طلب حكومي ضخم على المركبات الكهربائية ومحطات الشحن والبنية الرقمية المرتبطة بها، ما يفتح الباب أمام عقود واستثمارات بمليارات الجنيهات لصالح كيانات اقتصادية قريبة من السلطة.

 

وأكد الباحث الاقتصادي ممدوح الولي أن الحكومة تتحرك بصورة متسارعة لخلق سوق جديدة للسيارات الكهربائية قبل وجود طلب شعبي حقيقي عليها داخل مصر، وهو ما يجعل المؤسسات الحكومية الطرف الأساسي الذي سيحرك هذا القطاع في بدايته.

 

وأضاف الولي أن التحول الكهربائي لا يتعلق فقط بشراء سيارات جديدة بل يتضمن شبكة كاملة من العقود الخاصة بالبنية التحتية والتشغيل والصيانة والتكنولوجيا والشحن، وهي قطاعات ضخمة تفتح مجالات ربح واسعة أمام الشركات المرتبطة بالمشروع.

 

وفي المقابل يواجه المواطن المصري ارتفاعًا حادًا في أسعار السيارات التقليدية وأجور المواصلات والوقود بينما تبدو السيارات الكهربائية بعيدة عن قدرات أغلب الأسر المصرية بسبب ارتفاع أسعارها وتكاليف تشغيلها وعدم انتشار البنية الأساسية اللازمة لاستخدامها بصورة يومية.

 

كذلك يخشى اقتصاديون من أن يؤدي التوسع في هذا الملف إلى احتكار جديد داخل قطاع النقل والطاقة بعد دخول كيانات سيادية ورجال أعمال مقربين من النظام إلى سوق السيارات الكهربائية ومحطات الشحن والخدمات المرتبطة بها بصورة مباشرة.

 

محطات الشحن الجديدة تثير مخاوف من أعباء إضافية على الكهرباء والديون

 

استعرضت الحكومة خلال اجتماع رئيس الوزراء خطة موسعة لإنشاء محطات شحن سريعة وذكية في مختلف المناطق مع ربطها بمنظومة رقمية متطورة لإدارة تشغيل المركبات الكهربائية داخل الجهاز الإداري للدولة خلال السنوات المقبلة.

 

كما تضمنت الخطة الحكومية تصنيف المركبات بحسب طبيعة الاستخدام داخل الوزارات والجهات المختلفة مع إنشاء أنظمة إلكترونية لحماية البيانات وتأمين البنية الرقمية الخاصة بعمليات الشحن والتشغيل وإدارة أسطول السيارات الحكومي الجديد.

 

واعتبر أستاذ هندسة الطاقة جمال القليوبي أن نجاح أي تحول واسع نحو السيارات الكهربائية يحتاج إلى قدرات إنتاج كهربائي مستقرة وشبكات توزيع قوية واستثمارات هائلة في البنية الأساسية حتى لا تتحول المنظومة إلى عبء إضافي على قطاع الطاقة.

 

وأوضح القليوبي أن التوسع في إنشاء محطات الشحن سيزيد الضغط على شبكات الكهرباء خاصة خلال فترات الذروة إذا لم تتوافر خطط متكاملة لتحديث الشبكات ورفع كفاءة البنية الحالية التي واجهت بالفعل أزمات انقطاع وأحمال زائدة خلال السنوات الماضية.

 

ومن جهة أخرى يرى متخصصون أن الحكومة تكرر النمط نفسه الذي اتبعته في مشروعات العاصمة الإدارية والمونوريل والقطار الكهربائي عبر إطلاق مشروعات ضخمة تعتمد على القروض والإنفاق الكثيف دون نقاش مجتمعي حقيقي حول الأولويات الاقتصادية والاجتماعية الأكثر إلحاحًا.

 

كما تتزايد المخاوف من أن يتحول مشروع السيارات الكهربائية إلى باب جديد للاقتراض الخارجي والتعاقدات الكبرى في وقت تواجه فيه مصر واحدة من أعقد أزماتها الاقتصادية مع ارتفاع خدمة الدين وتراجع القدرة الشرائية واتساع معدلات الفقر بصورة غير مسبوقة.

 

وفي الوقت الذي تتحدث فيه الحكومة عن النقل الأخضر وترشيد استهلاك الوقود يواصل ملايين المصريين مواجهة زيادات متلاحقة في أسعار البنزين والكهرباء والمواصلات العامة بينما تتجه مليارات جديدة نحو مشروعات وسيارات مخصصة لكبار المسؤولين وشبكات الأعمال المرتبطة بالسلطة، في مشهد يعكس اتساع الفجوة بين أولويات النظام واحتياجات الشارع المصري.