كشفت بيانات شركة آد مزاد لتحليلات الإعلانات والإعلام أن شوارع ومحاور القاهرة الكبرى تحولت إلى سوق مفتوح للوحات الدعائية بعد ارتفاع عدد الإعلانات الكبيرة من نحو 2500 لوحة في عام 2019 إلى قرابة 6300 لوحة حاليا، بما يعادل أكثر من 30 إعلانا لكل كيلومتر مربع مأهول بالسكان.

 

وتصاعدت الأزمة مع زيادة الإعلانات الرقمية الوامضة إلى أكثر من 300 إعلان بعد نمو تجاوز 10 أمثال خلال 6 سنوات، بينما دفع المواطنون ثمن الفوضى في صورة إرهاق بصري وتشتيت للسائقين وتشويه للمشهد الحضاري، في وقت تتعامل فيه الحكومة مع الطرق كمساحة إيرادات قبل أن تتعامل معها كحق عام آمن.

 

أرقام تكشف تحويل الطريق إلى واجهة تجارية مفتوحة

 

بدأت أزمة إعلانات الشوارع في القاهرة تتجاوز حدود الشكوى الجمالية بعد أن فرضت الأرقام نفسها على المشهد، لأن ارتفاع اللوحات الكبيرة من 2500 إلى 6300 خلال 6 سنوات يعني أن التوسع لم يكن استثناء عابرا، بل سياسة تمددت فوق الطرق والمحاور دون كوابح كافية.

 

وبحسب البيانات المتداولة عن آد مزاد، فإن كثافة الإعلانات وصلت إلى أكثر من 30 إعلانا لكل كيلومتر مربع مأهول، وهذا الرقم لا يشمل الشاشات الرقمية الوامضة التي زادت إلى أكثر من 300 شاشة، بما يجعل عين السائق محاصرة بضوء متغير وصور متلاحقة في مدينة مزدحمة أصلا.

 

كما ربطت وكالة رويترز هذا النمو بطفرة الطرق والكباري التي توسعت فيها الدولة منذ عام 2014، إذ فتحت المحاور الجديدة مساحات أوسع للاستغلال التجاري، بينما بقي سؤال السلامة العامة مؤجلا أمام شهية تحويل كل عمود وكوبري وواجهة إلى مساحة بيع.

 

وفي هذا السياق، يخدم طرح الباحثين محمد أبو تيرة وصفاء عشوب محور المشهد العمراني مباشرة، لأن دراستهما عن مساحات اللوحات الإعلانية في مصر تؤكد أن اللوحات سيطرت على أفق القاهرة وروجت في جانب كبير منها لمشروعات عقارية نخبوية، بما حول المدينة إلى منصة تسويق لا إلى مجال عام متوازن.

 

لذلك لا تبدو فوضى الإعلانات مجرد زحام ألوان، بل تبدو نتيجة مباشرة لغياب ترتيب أولويات المدينة، فالمحاور التي أنفقت عليها الدولة مليارات الجنيهات لا تقدم للمواطن طريقا أهدأ أو أكثر أمانا، لكنها تقدم للشركات واجهات ضخمة وتترك الجمهور تحت ضغط ضوئي ونفسي متواصل.

 

طلب إحاطة يفضح رقابة غائبة وقانونا بلا أثر

 

من جانبه تقدم الدكتور محمد عبد الحميد عضو مجلس النواب بطلب إحاطة إلى رئيس مجلس النواب لتوجيهه إلى رئيس الوزراء ووزراء النقل والتنمية المحلية والبيئة والإسكان، بعدما اتسعت ظاهرة التلوث البصري الناتج عن اللافتات وإعلانات الشوارع العشوائية في الميادين والطرق.

 

وبعد الطلب البرلماني، ظهرت المفارقة الأساسية في الملف، لأن الحكومة تتحدث منذ سنوات عن تنظيم الإعلانات وتطبيق قانون رقم 208 لسنة 2020، بينما تؤكد الشكاوى واتساع الظاهرة أن النص القانوني لم يتحول إلى رقابة يومية ملزمة على الأرض.

 

ثم أوضح النائب أن مدنا وأحياء كثيرة تشهد انتشارا غير منضبط للافتات دون ضوابط فنية واضحة، وأن بعض الإعلانات تثبت على أعمدة الإنارة وكباري المشاة والمباني الحكومية والخاصة، بما يكشف غياب متابعة محلية حقيقية لا مجرد خلل في ذوق بصري.

 

ويخدم رأي يحيى شوكت هذا المحور من زاوية السياسات العمرانية، لأنه يربط أزمات المدينة المصرية بمنظومة تخطيط تسمح بتغليب مصالح السوق والريع على حقوق السكان، وهذا المعنى يجعل فوضى الإعلانات امتدادا لطريقة إدارة المجال العام لا حادثا منفصلا عن بنية القرار.

 

ومن هنا يصبح سؤال النائب عن القواعد الموحدة للمحافظات سؤالا كاشفا لا إجرائيا فقط، لأن استمرار المخالفات رغم وجود قوانين منظمة يعني أن المشكلة لا تقف عند نقص التشريع، بل تمتد إلى تضارب جهات الولاية وتراخي المحليات وانتقاء تطبيق القواعد حسب الموقع والعائد.

 

كذلك تكشف الفواصل الدعائية المتداخلة في المواد المنشورة عن الملف، مثل فواصل تتحدث عن البرلمان ومشروعات القوانين، أن الإعلان لم يعد محصورا في الطريق وحده، بل صار يزاحم المحتوى العام ويغطي المجال البصري والإخباري بمنطق واحد يقوم على التكديس لا التنظيم.

 

تتباطأ رقابة الدولة عندما يتحول الخلل إلى مورد مالي

 

وحذر عبد الحميد من أن إعلانات الشوارع لم تعد مشكلة جمالية فقط، لأنها أصبحت عبئا على البنية التحتية وقد تؤثر على سلامة المواطنين عند تركيب اللوحات بشكل عشوائي وغير آمن، وهذا التحذير يربط الفوضى بحق الناس في طريق لا يهددهم بصريا أو ماديا.

 

وفي المقابل، تظهر بيانات رويترز أن إيرادات الإعلانات الخارجية ارتفعت بأكثر من 50% في عام 2024 لتصل إلى نحو 6.3 مليار جنيه، وأن هذه الأموال تذهب بدرجة كبيرة إلى خزينة الدولة عبر وزارة النقل وهيئاتها، بما يفسر لماذا تتباطأ يد الرقابة عندما يتحول الخلل إلى مورد مالي.

 

أما ديفيد سيمز، المخطط العمراني المعروف بكتاباته عن القاهرة، فيخدم هذا المحور لأنه ينتقد نمط التخطيط الذي ينتج مدنا ومحاور منفصلة عن احتياجات السكان اليومية، وبذلك تكتسب أزمة اللوحات معناها الأوسع كجزء من عمران يراكم الخرسانة والإيرادات ويهمل راحة المستخدمين.

 

وبينما وافق رئيس الوزراء في أبريل 2026 على ضوابط لترشيد إضاءة الإعلانات على الطرق العامة، فإن صدور ضوابط جديدة بعد سنوات من التوسع يؤكد أن الحكومة تحركت بعد تراكم الضرر لا قبله، كما أن ترشيد الإضاءة وحده لا يكفي إذا بقيت الكثافة والمواقع والأحجام خارج مراجعة صارمة.

 

لذلك يحتاج الملف إلى حصر علني لكل اللوحات القائمة، ونشر خريطة واضحة لمواقعها، وإزالة المخالف من أعمدة الإنارة وكباري المشاة والمباني العامة، ووقف الشاشات الوامضة قرب المنحنيات والتقاطعات، لأن أي خطة بلا شفافية ستعيد إنتاج الفوضى تحت اسم التنظيم.

 

وأخيرا تؤكد أزمة إعلانات القاهرة أن الحكومة التي تتحدث عن تطوير المدن تركت العاصمة تحت حصار لوحات مضيئة تسحب انتباه السائقين وتبتلع ملامح الشوارع، بينما يطارد المواطنون حقهم في مدينة مفهومة وآمنة، لا مدينة تتحول طرقها إلى مزاد مفتوح لمن يدفع أكثر.