أعلنت مجموعة البنك الدولي اليوم الجمعة موافقتها على تمويل جديد لمصر بقيمة 1 مليار دولار، يتضمن ضمانًا ائتمانيًا بريطانيًا بقيمة 200 مليون دولار، لدعم القطاع الخاص والمالية العامة والتحول الأخضر، بينما كشفت الخطوة استمرار اعتماد القاهرة على التمويل الخارجي لتثبيت اقتصاد لا ينتج ما يكفي لتمويل احتياجاته.
تضع هذه الموافقة المواطن المصري أمام حلقة جديدة من سياسة تؤجل الأزمة ولا تنهيها، لأن الحكومة تبيع كل قرض بوصفه شهادة ثقة، بينما يدفع الناس كلفة التضخم وخدمة الدين وتراجع الإنفاق الاجتماعي، في وقت تتحول فيه الإصلاحات المعلنة إلى شروط مالية لا تمس جوهر الخلل في الإنتاج والتشغيل.
القرض الجديد يعيد سؤال الاستدانة إلى الواجهة
جاء التمويل ضمن المرحلة الثانية من برنامج تمويل سياسات التنمية، وقال البنك الدولي إن العملية تستهدف خلق وظائف يقودها القطاع الخاص، وتحسين استدامة المالية العامة، ودعم النمو الأخضر، لكن هذه العناوين تكشف فجوة واضحة بين لغة المؤسسات الدولية وواقع اقتصاد يطلب قروضًا جديدة مع كل ضغط خارجي.
كما ربط البنك الدولي التمويل بإصلاحات تشمل حوكمة الشركات المملوكة للدولة وتقليل عوائق الاستثمار الخاص وتطبيق قواعد المنافسة العادلة، وهو ربط يضع الحكومة في موضع الاتهام قبل الدعم، لأن المؤسسات الممولة لا تزال تطالب بما تعلن القاهرة تنفيذه منذ سنوات دون نتيجة ملموسة.
في هذا السياق، يخدم رأي الخبير الاقتصادي محمد فؤاد محور العلاقة المتوترة مع المؤسسات الدولية، إذ وصف علاقة مصر بصندوق النقد بأنها توتر مزمن، لأن الحكومة تنفذ إجراءات نقدية سريعة مثل التعويم والفائض الأولي، لكنها تتباطأ في الإصلاحات الإنتاجية التي تسمح للاقتصاد بتوليد عملة وفرص عمل.
لذلك لا تبدو المشكلة في رقم القرض وحده، بل في تكرار الوظيفة نفسها للقروض، فالدولة تستخدم التمويل الجديد لتثبيت مؤشرات الاقتصاد الكلي، بينما تبقى الفجوة الدولارية وخدمة الدين وضعف التصدير عناصر دائمة تعيدها إلى أبواب البنك الدولي وصندوق النقد كل مرة.
تحسن المؤشرات يخفي فاتورة الدين
تقول الحكومة إن الاقتصاد يتحسن مع ارتفاع الاحتياطي وتراجع التضخم نسبيًا وتحقيق فائض أولي، لكن صندوق النقد ربط هذا التحسن بتدفقات خارجية ومرونة سعر الصرف وتشديد مالي، وهي أدوات تخفف الضغط مؤقتًا ولا تصنع اقتصادًا قادرًا على الاعتماد على الإنتاج المحلي.
ثم كشف تقرير صندوق النقد في فبراير 2026 أن احتياطي النقد الأجنبي ارتفع من 54.9 مليار دولار في ديسمبر 2024 إلى نحو 59.2 مليار دولار في ديسمبر 2025، لكنه أقر في الوقت نفسه بأن الإصلاحات الهيكلية ظلت متفاوتة وأن خفض دور الدولة جاء أبطأ من المتوقع.
بالمقابل، يخدم رأي الباحث الاقتصادي عمرو عادلي محور الدولة والقطاع الخاص، لأن كتاباته عن الاقتصاد المصري تشرح كيف يضغط نموذج النمو الذي تقوده الدولة على المجال المتاح للشركات الخاصة، وهو ما يفسر لماذا لا يتحول خطاب تمكين القطاع الخاص إلى قفزة حقيقية في الاستثمار والتشغيل.
وعلى هذا الأساس، يصبح الحديث الرسمي عن الفائض الأولي ناقصًا إذا تجاهل كلفة الديون، لأن الفائض يتحقق غالبًا عبر ضغط الإنفاق ورفع الإيرادات، بينما تظل فوائد الدين تلتهم مساحة واسعة من الموازنة، وتظل الأسر تواجه أسعارًا أعلى وخدمات أضعف وحماية اجتماعية محدودة.
الإصلاحات البطيئة تحول القروض إلى تأجيل للأزمة
كان صندوق النقد قد شدد في يوليو 2025 على أن تقدم مصر في الإصلاحات الهيكلية كان مختلطًا، وذكر أن استمرار هيمنة القطاع العام والشركات المملوكة للدولة والجيش يعرقل خلق الوظائف ويخنق القطاع الخاص، وهذا التقييم يهدم رواية الحكومة عن سوق مفتوح ومنافسة عادلة.
كما قالت المتحدثة باسم الصندوق جولي كوزاك إن الصندوق قرر دمج المراجعتين الخامسة والسادسة من برنامج مصر البالغ 8 مليارات دولار، لمنح السلطات وقتًا إضافيًا لتحقيق أهداف أساسية، خصوصًا ما يتعلق بدور الدولة في الاقتصاد وتحسين بيئة الأعمال.
هنا يخدم رأي هبة الليثي محور الأثر الاجتماعي، لأن دراساتها عن الفقر والإنفاق الأسري تؤكد أن زيادة الدخل الاسمي لا تحمي الأسر إذا سبقها التضخم، وبذلك يصبح أي قرض جديد بلا توسع إنتاجي عبئًا غير مباشر على المواطنين عبر الأسعار والضرائب وتقليص الدعم.
أخيرًا، لا يغير التمويل الجديد شكل الاقتصاد إذا ظل مخصصًا لسد فجوات قصيرة الأجل، لأن القرض يمكن أن يصبح أداة نمو فقط حين يتحول إلى مصانع وصادرات وفرص عمل، أما استمرار استخدامه كمسكن مالي فيعني أن حكومة السيسي تنقل الأزمة من عام إلى آخر وتترك الفاتورة للمواطن.

