كشفت شعبة الأدوية باتحاد الغرف التجارية على لسان رئيسها علي عوف في القاهرة عن تعثر سداد قيمة مرتجعات نحو 20 مليون عبوة دوائية منتهية الصلاحية بقيمة تقارب 400 مليون جنيه مع اتهام شركات التوزيع بالتأخر في السداد ما أبقى كميات منتهية داخل الصيدليات رغم مبادرة هيئة الدواء لسحبها ومنع تسربها للسوق.
جاءت الأزمة بينما تتعامل الحكومة مع ملف الدواء بمنطق السوق وتهرب من فرض قواعد ملزمة تحمي المرضى لأن تأخر السحب يفتح الباب لتداول غير مشروع ويحوّل الصيدليات إلى مخازن لمخاطر صحية ثم تكتفي هيئة الدواء برسائل طمأنة عن قرب الانتهاء دون آلية دائمة تمنع تكرار التراكم.
قرار فبراير- 2025 على الورق وتعثر السداد على الأرض
بينما أصدرت هيئة الدواء في فبراير- 2025 قرارا يلزم الشركات بقبول مرتجعات الأدوية منتهية الصلاحية التي أنتجتها أو استوردتها وبأصغر وحدات الإنتاج خلال 90 يوما فإن شكاوى الصيادلة تشير إلى أن التنفيذ تعثر عند نقطة التعويض والسداد وأن القرار لم يمنع استمرار وجود تجارة للأدوية المنتهية.
وفيما وصف علي عوف التأخر بأنه مسؤولية شركات التوزيع بسبب بطء سداد قيمة المرتجعات أكد أن النهاية التي تتحدث عنها الهيئة خلال مايو لا توقف ظهور كميات جديدة شهريا داخل الصيدليات إذا لم تتحول المبادرة إلى نظام دائم يجبر المنتج على السحب الدوري دون شروط.
ثم أوضح مصدر مسؤول بهيئة الدواء أن أكثر من 50% من الشركات سددت بالفعل قيمة المرتجعات لشركات التوزيع تمهيدا لخصمها من فواتير طلبيات الصيدليات وهو اعتراف ضمني بأن الدولة تركت آلية التنفيذ رهينة الفواتير والخصم لا رهينة الإلزام الرقابي المباشر.
كذلك يعيد هذا المسار إنتاج المشكلة لأن خصم الفواتير يتأخر وتتحرك الكميات أسرع من الإجراءات فتظل عبوات منتهية داخل المخازن وتظل مخاطر إعادة تدويرها قائمة خاصة مع وجود سوق خلفية سبق التحذير منها مرارا عندما تتراخى الجهات المنظمة في الحسم.
مخازن الصيدليات ليست سلة قمامة للمنتجين
لذلك شدد علي عوف على أن مسؤولية سحب الأدوية المنتهية تقع بالكامل على الشركات المنتجة لأن دور الصيدلي يقتصر على تداول الدواء للمرضى بينما تتولى الشركات التسويق والتوزيع وعندما ترفض السحب أو تؤخر التعويض فهي تدفع العبء نحو الحلقة الأضعف ثم تتحدث عن قواعد سوق تنافسية.
علاوة على ذلك قال عوف إن توقف بعض شركات التوزيع عن تطبيق آلية استرجاع بنسبة 2% من إجمالي الطلبيات الشهرية يزيد احتمالات التراكم مجددا وهو ما يعني أن الدولة سمحت بعودة الثغرة القديمة نفسها التي كانت تنتج تكدسا ثم تتركه يتحول إلى خطر على المرضى.
بالتوازي يظهر في تغطيات صحفية أن نسبة الأدوية منتهية الصلاحية في السوق تدور بين 1 فاصل 5% و2% من إجمالي المبيعات وهي نسبة كافية لصناعة أزمة ممتدة إذا تعطلت منظومة السحب لأن أي تراكم يخلق حافزا للتسريب والتداول غير المشروع بدل الإعدام الآمن.
لاحقا قدم محمود فؤاد المدير التنفيذي للمركز المصري لحماية الحق في الدواء قراءة أكثر صراحة إذ اعتبر قرار السحب خطوة طال انتظارها لحماية المواطن مع التحذير من إدارة بعض الصيدليات بمنطق تجاري وهو ما يرفع احتمالات تسرب الدواء المنتهي عندما تغيب الرقابة الرادعة.
هيئة الدواء تتنصل والدواء يدفع الثمن
في المقابل حاولت هيئة الدواء تبرير التراكم بالقول إن السبب سوء التخطيط والتسويق من المنتج والموزع والصيدلية وإن العلاقة معاملة تجارية لا تتدخل فيها الهيئة بشكل مباشر وهو موقف يساوي بين أطراف غير متكافئة ثم يبرر الانسحاب من مسؤولية تنظيم سوق يمس حياة الناس.
إلى جانب ذلك قال المصدر إن على الأطراف الثلاثة الاتفاق على آلية دورية ثم تتولى الهيئة اعتمادها وهو ما يعني أن الجهة المنظمة تحولت إلى ختم اعتماد لا إلى سلطة إلزام وأن حماية المرضى تُعلق على تفاوض تجاري بين شركات تبحث عن الربح وصيدليات تبحث عن البقاء.
ومن ثم تبرز وظيفة الخبير الثاني داخل هذا المحور عبر محمد عز العرب المستشار الطبي للمركز المصري للحق في الدواء الذي حذر في تناول منشور من أن أخطر مسار للأدوية القريبة من الانتهاء هو وصولها إلى مصانع إعادة تعبئة غير مرخصة بما يضاعف خطر الغش على صحة الناس.
أخيرا يعزز الخبير الثالث محمد سعودي الوكيل السابق لنقابة الصيادلة فكرة أن مواجهة الدواء المنتهي لا تكتمل دون ردع نقابي وتنظيمي لأن الغرامات وحدها لا توقف التداول وأن التأخر في السحب يخلق إغراءات ويقوض الثقة في سلسلة الدواء من المصنع إلى المريض.
ختاما تعكس أزمة 20 مليون عبوة منتهية الصلاحية أن الحكومة تركت ملفا صحيا حساسا يتعفن داخل آليات الخصم والفواتير بدل فرض سحب دوري ملزم وأن تبرير هيئة الدواء بعبارة حرية السوق هو غطاء لتفريغ المسؤولية بينما يدفع المرضى ثمن أي عبوة تتسرب مجددا.

