قدمت النائبة نشوى الشريف، عضو مجلس النواب، طلب إحاطة موجه إلى رئيس الوزراء ووزير التموين والتجارة الداخلية، بسبب تضرر أكثر من 250 موظفا في شركة النيل للمجمعات الاستهلاكية، بعد تحميل عاملين فروقا مالية بين 700 جنيه و6 ملايين جنيه للفرد.

 

جاءت الواقعة وسط ضغط معيشي مباشر على العمال، لأن متوسط رواتب المتضررين لا يتجاوز 5000 جنيه شهريا، بينما تطالبهم إدارة تابعة لمنظومة السلع التموينية بمبالغ تفوق دخولهم السنوية بسنوات طويلة، من غير تحقيق فردي واضح يثبت مسؤولية كل عامل أمام جهة قانونية مستقلة.

 

فروق السلع تتحول إلى اتهام جماعي للعمال

 

في هذا السياق، قالت نشوى الشريف في طلب الإحاطة إن العاملين فوجئوا بتحميلهم فروقا مالية ضخمة عن سلع تموينية خلال الفترة من 1 مايو 2024 حتى 30 يونيو 2025، وذلك استنادا إلى مراجعات داخلية ونظام أفيت، من غير تحقيقات قانونية فردية واضحة.

 

وبناء على ذلك، انتقلت الأزمة من خلاف إداري داخل شركة النيل للمجمعات الاستهلاكية إلى ملف مساءلة سياسية، لأن تحميل أكثر من 250 موظفا مبالغ متفاوتة بهذه الضخامة يعني أن الإدارة عاملت العاملين ككتلة واحدة، بدل تحديد مسؤولية كل شخص عن واقعة ثابتة.

 

كما أشار العاملون، وفق ما عرضته النائبة، إلى أن الجرد الدوري لم يثبت وجود هذه الفروق، وأن منظومة السلع التموينية تعتمد جزئيا على قيود تقديرية، وأن أي عجز فعلي يظهر أثناء العمل يتم التعامل معه فور حدوثه داخل الدورة المعتادة للمخازن والمبيعات.

 

لذلك، تضع الواقعة وزارة التموين أمام سؤال مباشر عن سلامة نظام الرقابة الداخلي، لأن الشركة لا تستطيع مطالبة عامل محدود الدخل بمبالغ تصل إلى 6 ملايين جنيه ثم تكتفي بالإحالة إلى مراجعات ونظام إداري، من غير إثبات فردي مكتوب ومعلن.

 

وفي هذا الإطار، يؤكد المحامي العمالي هيثم محمدين في مداخلاته الحقوقية أن علاقة العمل لا تسمح بتحويل العامل إلى طرف ضعيف أمام قرارات مالية مفاجئة، لأن صاحب العمل يملك الإدارة والمستندات، بينما يحتاج العامل إلى تحقيق عادل ومحضر واضح ودفاع فعلي.

 

قانون العمل في مواجهة الخصم بلا تحقيق

 

بعد ذلك، أكدت نشوى الشريف أن الإجراءات تمثل مخالفة لقانون العمل المصري، لأن القانون يشترط تحقيقا عادلا قبل توقيع أي جزاء، ويمنع تحميل العامل مسؤولية مالية دون إثبات، كما يحظر الجزاءات الجماعية ويلزم صاحب العمل بالتناسب بين الخطأ والجزاء.

 

وعلى هذا الأساس، لا تبدو الأزمة مجرد مطالبة مالية قابلة للمراجعة الحسابية، لأن تحميل العامل فروقا بهذا الحجم يؤدي عمليا إلى عقوبة اقتصادية قاسية، ويضع الأسرة كلها أمام تهديد الديون والحجز والإجراءات القانونية، قبل أن تعرف جهة مستقلة حقيقة المسؤولية.

 

ثم يطرح طلب الإحاطة مسألة غياب التحقيق الفردي بوصفها نقطة جوهرية، لأن كل عامل له موقع عمل مختلف ومسؤوليات مختلفة وحركة عهدة مختلفة، ولا يجوز أن تتعامل الإدارة مع الفروق التموينية باعتبارها ملفا جماعيا يوزع الخسائر على العاملين.

 

ومن الناحية الحقوقية، يرى المحامي خالد علي أن ضمانات التحقيق ليست إجراء شكليا داخل علاقات العمل، بل هي أساس حماية العامل من تعسف الإدارة، لأن أي خصم أو تحميل مالي من غير سماع دفاع العامل يحول القانون إلى أداة ضغط بدل حماية.

 

بالتالي، يصبح تدخل مجلس النواب اختبارا حقيقيا لمدى جدية الرقابة على شركات التموين، لأن الحكومة لا تستطيع الحديث عن حماية محدودي الدخل ثم تترك عمال شركة عامة أمام مطالبات مالية تعجيزية، من غير لجنة مستقلة تفحص النظام والمخازن والحسابات.

 

مطالب الوقف والفحص تكشف أزمة منظومة التموين

 

في المقابل، قدمت النائبة نشوى الشريف 4 مطالب محددة، بدأت بوقف الإجراءات فورا، ثم إعادة فحص الملف من خلال لجنة محايدة، ثم منع اتخاذ أي إجراءات قانونية قبل انتهاء التحقيق، ثم مراجعة منظومة العمل لضمان الشفافية والعدالة داخل الشركة.

 

وبسبب هذه المطالب، لم يعد الملف محصورا في شركة النيل للمجمعات الاستهلاكية وحدها، لأن الشركة تعمل داخل واحدة من أهم حلقات توزيع السلع التموينية، وأي خلل في القيود أو الجرد أو أنظمة المراجعة ينعكس على العامل والمستهلك والدولة في وقت واحد.

 

كذلك، تكشف الأزمة فجوة داخل إدارة منظومة السلع التموينية، لأن الحكومة تطلب من الشركات ضبط حركة السلع المدعمة، لكنها لا تضمن دائما بيئة عمل عادلة للعاملين الذين يتعاملون مع مخزون وسجلات وأسعار وقيود تقديرية داخل منظومة شديدة الحساسية.

 

ومن زاوية اقتصادية، تؤكد الباحثة سلمى حسين في كتاباتها عن العدالة الاجتماعية أن السياسات العامة لا تنفصل عن توزيع الأعباء، لأن تحميل الفئات الأضعف كلفة أخطاء الإدارة أو عجز المنظومات يوسع الظلم، ويجعل العامل يدفع ثمن قرارات لم يصنعها.

 

وعليه، تكشف واقعة النيل للمجمعات الاستهلاكية عن نمط حكومي واضح، لأن الإدارة تتحرك بسرعة عند مطالبة العمال بالمال، بينما تتأخر في ضمان التحقيق المستقل والشفافية، وهو ما يضع وزارة التموين أمام مسؤولية سياسية مباشرة لا يمكن إخفاؤها وراء نظم داخلية.

 

ختاما، يفرض طلب الإحاطة على الحكومة وقف تحميل العمال أي فروق قبل انتهاء فحص محايد وعلني، لأن رواتب 5000 جنيه لا تحتمل مطالبات تصل إلى 6 ملايين جنيه، ولأن العدالة تبدأ من إثبات المسؤولية لا من نقل عجز الإدارة إلى جيوب العاملين.