تتواصل وتيرة التصعيد العسكري في جنوب لبنان، مع توسيع الجيش الإسرائيلي غاراته الجوية والمدفعية على بلدات حدودية وداخلية، بالتزامن مع إعلان حزب الله تنفيذ عمليات بطائرات مسيرة وصواريخ ضد تجمعات إسرائيلية، في مشهد يرفع كلفة الحرب على المدنيين ويزيد خطر اتساع المواجهة.

 

ويأتي هذا التصعيد في لحظة لبنانية شديدة الحساسية، إذ تتحول قرى الجنوب إلى مساحة استنزاف يومي بين القصف والإنذارات والإخلاء، بينما تكشف الحصيلة الصحية المتزايدة أن المدنيين يدفعون الثمن الأكبر وسط اتهامات باستهداف الطواقم الطبية واستمرار الاحتلال الإسرائيلي لمناطق جنوبية.

 

غارات إسرائيلية توسع رقعة الدمار في الجنوب

 

شهد جنوب لبنان خلال الساعات الأخيرة موجة جديدة من الضربات الإسرائيلية، شملت غارة استهدفت دراجة نارية عند مفترق دير قانون رأس العين، ما أدى إلى مقتل شخص وإصابة آخر، بالتزامن مع تنفيذ الجيش الإسرائيلي تفجيرًا في منطقة بنت جبيل، وفق ما أفادت به مصادر ميدانية لبنانية.

 

وفي السياق نفسه، شنت الطائرات الحربية الإسرائيلية غارات على بلدات ميفدون وزوطر الشرقية وصفد البطيخ، بينما طال القصف المدفعي بلدتي قبريخا ومجدل سلم، وهو ما يعكس انتقال التصعيد من استهدافات محدودة إلى نمط ضغط عسكري أوسع على قرى الجنوب.

 

وبالتوازي مع هذه الضربات، جدد الجيش الإسرائيلي إنذاراته لسكان 9 بلدات جنوب لبنان بإخلاء منازلهم، في خطوة سبقت غارات وصفت بأنها عنيفة جدًا شمال نهر الليطاني، وهو ما يوسع نطاق الخطر خارج خطوط المواجهة التقليدية ويدفع مزيدًا من المدنيين إلى النزوح القسري.

 

وأسفرت الغارات على بلدات في قضاء النبطية عن سقوط قتلى وجرحى في اللويزة وعين بعال وشوكين، إلى جانب قتيلين في غارة استهدفت سيارة على طريق كفردجال، و3 قتلى في استهداف منزل باللويزة، وفق المعطيات الميدانية المتداولة.

 

كما طالت الضربات بلدات عدشيت وقعقعية الجسر وبرج قلاويه ومجدلزون، بينما واصلت إسرائيل اتهام حزب الله بخرق وقف إطلاق النار، في حين يرى لبنان أن استمرار الغارات والإنذارات والاحتلال يجعل الحديث الإسرائيلي عن وقف النار غطاءً لاستمرار العمليات العسكرية.

 

حزب الله يرد بمسيرات والجيش الإسرائيلي يقر بالاعتراض

 

في المقابل، أعلن حزب الله تنفيذ عدة عمليات ضد تجمعات للجيش الإسرائيلي في بلدة البياضة، باستخدام مسيرات انقضاضية، مؤكدًا تحقيق إصابات مباشرة في صفوف القوات والآليات الإسرائيلية، وهي عمليات تعكس انتقال الحزب إلى ضرب مواقع ميدانية قريبة من خطوط الاشتباك.

 

ونقلت تقارير إخبارية أن حزب الله أعلن استهداف تجمع لآليات وجنود الجيش الإسرائيلي في بلدة البياضة بسرب من المسيرات الانقضاضية، في وقت صدرت فيه تحذيرات إسرائيلية لسكان قرى جنوب لبنان بالإخلاء تمهيدًا لاستهداف مواقع قال الجيش الإسرائيلي إنها تابعة للحزب.

 

وبحسب البيانات المتداولة، شملت عمليات حزب الله استهداف مربض مضاد للدروع من نوع جيل سبايك، بينما أقر الجيش الإسرائيلي باعتراض قذيفة أطلقت نحو قواته في جنوب لبنان، وهو إقرار يؤكد أن المواجهة لا تسير في اتجاه واحد رغم التفوق الجوي الإسرائيلي.

 

وتظهر طبيعة العمليات أن حزب الله يحاول تثبيت معادلة رد ميداني مقابل الغارات، بينما يحاول الجيش الإسرائيلي فرض ضغط جوي ومدفعي على القرى والطرق والمناطق السكنية، ما يجعل المدنيين عالقين بين ضربات إسرائيلية متكررة وردود عسكرية من الحزب.

 

ومع استمرار تبادل الضربات، ترتفع احتمالات توسيع المواجهة، خصوصًا أن الإنذارات الإسرائيلية بالإخلاء لا تقتصر على نقاط حدودية ضيقة، بل تمتد إلى بلدات أعمق داخل الجنوب، الأمر الذي يهدد بتحويل النزوح المؤقت إلى أزمة إنسانية طويلة.

 

حصيلة الضحايا تضغط على الداخل وموقف عون يربك المسار السياسي

 

على الصعيد الإنساني، أعلنت وزارة الصحة اللبنانية ارتفاع حصيلة الضحايا منذ 2 مارس إلى 2618 قتيلًا و8094 جريحًا، بعد تسجيل عشرات القتلى والجرحى خلال الساعات الأخيرة من الغارات الإسرائيلية على لبنان.

 

وتتزامن هذه الحصيلة مع اتهامات لبنانية باستهداف الطواقم الطبية بشكل ممنهج، ما يضاعف أثر الحرب على منظومة صحية تعاني أصلًا من أزمات تمويل وتشغيل، ويجعل علاج الجرحى ونقل المصابين مهمة أكثر خطورة في المناطق المتعرضة للقصف.

 

سياسيًا، أفادت معلومات لبنانية بأن الرئيس جوزاف عون لن يذهب إلى لقاء رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ما دام جزء من الجنوب محتلًا وما دامت الحرب مستمرة، مع تأكيد أن المحادثات الجارية برعاية أمريكية تستهدف هدنة شاملة في لبنان.

 

كما ذكرت تقارير أن الجانب الأمريكي أبلغ عون بعدم وجود ضمانات لوقف شامل لإطلاق النار قبل أي زيارة محتملة، وأن ملف الانسحاب سيكون بندًا في المفاوضات وليس شرطًا مسبقًا، وهو ما يزيد تحفظ بيروت على أي لقاء لا يسبقُه وقف فعلي للحرب.

 

وفي الداخل اللبناني، تزداد المخاوف من تداعيات سياسية وطائفية مع اتساع رقعة العمليات، لأن استمرار القصف والنزوح يضغط على مؤسسات الدولة والمجتمع، بينما يضع الحكومة أمام معادلة صعبة بين منع الانفجار الداخلي ومواجهة اعتداءات إسرائيلية مستمرة.

 

وتكشف التطورات أن جنوب لبنان دخل مرحلة تصعيد مفتوحة لا تتحكم فيها البيانات السياسية وحدها، فالغارات الإسرائيلية والردود الميدانية لحزب الله وحصيلة الضحايا المتزايدة تجعل أي حديث عن تهدئة مرهونًا بوقف القصف والانسحاب وحماية المدنيين قبل أي ترتيبات تفاوضية.