حذرت البروفيسورة ديفي سريدهار، رئيسة قسم الصحة العامة العالمية في جامعة إدنبرة، من التأثير الضار لاستخدام الهواتف على صحتنا العقلية حتى بدون وسائل التواصل الاجتماعي. 

 

وكتبت مؤلفة كتاب "كيف لا تموت (مبكرًا جدًا)" في صحيفة "الجارديان"، قائلة: "عندما بدأتُ التدريس في جامعة أكسفورد عام 2005، كنتُ أُخصّص "ساعات مكتبية" مرتين أسبوعيًا. كانت هذه الساعات تُتيح للطلاب فرصة زيارة مكتبي والتحدث معي حول أي موضوع يُشغل بالهم. أما الرسائل الإلكترونية فكانت رسمية وتُستخدم في مناسبات نادرة، مع توقع مناقشة معظم المسائل وجهًا لوجه". 

 

وأضافت: "واليوم، في عام 2026، استُبدلت الساعات المكتبية في العديد من الجامعات بالتواصل المستمر عبر البريد الإلكتروني وبرنامج تيمز. هذا التواصل مُتواصل بلا انقطاع، وغالبًا ما يُتوقع الرد في غضون ساعات، إن لم يكن دقائق، مما يُطمس الحدود بين المساء وعطلات نهاية الأسبوع وساعات العمل الرسمية".

 

ارتفاع مستوى التوتر

 

وتابعت البروفيسورة سريدهار: "عليّ أن أعترف بأنه في كل مرة يظهر فيها إشعار على هاتفي أو حاسوبي، حتى قبل قراءته، أشعر بارتفاع مستوى التوتر لديّ. هذا الأمر جعلني أتأمل في كيفية دفع وسائل التواصل الحديثة عقولنا إلى أقصى حدودها. فبينما تركز معظم النقاشات الأخيرة حول الصحة النفسية والتكنولوجيا على وسائل التواصل الاجتماعي، ننسى كيف يمكن حتى لأشكال التواصل الرقمي القديمة أن تدفعنا إلى نمط حياة مرهق، حيث نكون "متصلين باستمرار".

 

وأردفت: "إذا عدنا إلى تركيبتنا الأساسية، نجد أن الدماغ البشري والمجتمع لم يتطورا في عالمٍ من التواصل الفوري والافتراضي. فعلى مدار معظم تاريخنا، كان التواصل يتم وجهًا لوجه ضمن مجموعات صغيرة ومستقرة، لا يتجاوز عدد أفرادها عادةً 150 فردًا. ويقول علماء الأنثروبولوجيا البارزون إن هذا هو عدد العلاقات الاجتماعية الهادفة التي يمكننا الحفاظ عليها. وحتى وقت قريب، كان التفاعل الاجتماعي يتم وجهًا لوجه، مع مراعاة السياق - أي تعابير الوجه، ونبرة الصوت، والتواصل البصري، ولغة الجسد. فنحن نتعلم الكثير ليس فقط من كلمات الآخرين، بل أيضًا من إشاراتهم غير اللفظية".

 

غير أن الأمر تغير في هذا العصر الرقمي كما تشير: "لقد أزالت الرسائل الرقمية الحديثة هذا البُعد الإضافي. وبدلاً من ذلك، نعتمد على تفاعلات نصية قصيرة تفتقر إلى الدقة والتفاصيل الدقيقة، وهي عرضة لسوء الفهم. وتشير الدراسات إلى أنها عمومًا أكثر إرهاقًا من التفاعل المباشر. فعلى سبيل المثال، تناولت دراسة أجريت عام 2022 في بوسطن تأثير أشكال التواصل المختلفة على مستويات التوتر لدى المشاركين. ووجد الباحثون أن الأيام التي تكثر فيها الرسائل النصية ترتبط بمستويات أعلى من التوتر والمشاعر السلبية، بينما ترتبط الأيام التي تكثر فيها اللقاءات المباشرة بمشاعر أكثر إيجابية. وخلصت مراجعة أجريت عام 2026 للعديد من الدراسات حول الرسائل النصية مقابل التفاعل المباشر إلى النتيجة نفسها: ببساطة، يكون مستوى رفاهيتنا أعلى مع التفاعل المباشر مقارنةً بالتواصل عبر الشاشة".

 

واستطردت: "وهذا يقودني إلى علامتي القراءة الزرقاوين، اللتين تشيران إلى قراءة الرسالة، وهي خطوة تتجاوز مجرد الرسائل النصية. وقد أضافت هذه العلامة مصدرًا جديدًا للتوتر والعبء النفسي لكثير من الناس. من منظور علم الأعصاب، يمكن للرسائل المتأخرة أو المتجاهلة أن تُنشّط نفس مناطق الدماغ المرتبطة بالألم الجسدي، وخاصة القشرة الحزامية الأمامية والفص الجزيري الأمامي. يُعرف هذا بالألم الاجتماعي، وهو يعكس طريقة استجابة أدمغتنا للإقصاء أو الرفض".

 

وأوضحت البروفيسورة سريدهار: "عندما ينهي أحدهم التواصل فجأةً دون تفسير، وهو ما يُعرف غالبًا بـ"التجاهل" أو "محاولة إصلاح العلاقة"، قد يكون الأمر مؤلمًا للغاية. على مرّ التاريخ، عاش البشر في جماعات صغيرة مترابطة، حيث لم يكن الاختفاء من حياة الآخرين خيارًا متاحًا. لم يكن من الممكن ببساطة الاختفاء". 

 

أنظمة الإنذار البيولوجية

 

وأكملت: "تُظهر الدراسات الحديثة أن الانقطاع غير المبرر في العلاقات العاطفية يُفعّل أنظمة الإنذار البيولوجية لدينا ، بما في ذلك ارتفاع مستويات التوتر، ومعدل ضربات القلب، وضغط الدم، مما يدفعنا إلى القيام بشيء ما لاستعادة العلاقة أو البحث عن تفسير: "لكن لماذا تجاهلني؟ ماذا فعلت؟" بدون سردٍ لما حدث، لا يملك دماغنا أي وسيلة لفهم ما جرى".

 

وأشارت إلى أنه "حتى فترات قصيرة من عدم قراءة الرسائل، أو ما يُعرف بـ"الرسائل المقروءة" دون تلقي أي رد، قد تُؤدي إلى شعور بالرفض الخفي، لأن الدماغ مُهيأ لاكتشاف أي تغييرات طفيفة في التفاعل الاجتماعي، وقد يكون الأمر صعبًا بشكل خاص على من يُعانون أصلًا من تدني تقدير الذات. نحن مُهيأون للتواصل وجهًا لوجه: لا ننتظر ردًا قد يأتي فورًا لو اختار الطرف الآخر التفاعل... ولكنه لم يفعل".

 

التفاعل الاضطراري 

 

واوضحت أن "هناك فئة موازية: أولئك الذين يشعرون بضغط للرد بسرعة، خاصةً عندما يُشاهدون متصلين بالإنترنت أو تُعلّم رسائلهم كمقروءة. وقد زاد إدخال خاصية إشعارات القراءة وإمكانية معرفة وقت كتابة الشخص أو آخر ظهور له على الإنترنت من الضغط للتواجد المستمر. تخلق هذه الميزات بيئة قد تشعر فيها وكأنك مُجبر على التفاعل، حتى لو لم ترغب بذلك، لتجنب الظهور بمظهر غير لائق أو بارد عاطفيًا".

 

لكنها حذرت من أن "هذا التواجد الدائم للآخرين له عواقب. فنظام الوظائف الإدراكية في الدماغ، المسؤول عن اتخاذ القرارات، قد يُرهق بسهولة بمتطلبات التفاعل الرقمي. كل إشعار يُمثّل قرارًا صغيرًا: هل أردّ الآن، أم لاحقًا، أم أتجاهله؟ تخيّل تكرار هذا عشرات المرات يوميًا، وستجد أن هذا التعدد المستمر للمهام يؤدي إلى الإرهاق الذهني والإنهاك العاطفي".

 

وبينت أن هناك "دراسات عديدة تُشير إلى ارتفاع معدلات الإرهاق والإنهاك والشعور بالوحدة، ليس فقط في المملكة المتحدة بل على مستوى العالم. نحن أكثر تواصلاً من أي وقت مضى، ومع ذلك نشعر بالوحدة والتوتر أكثر من أي وقت مضى. ربما يعود ذلك إلى أن أجهزتنا العصبية مُصممة للتعامل مع التهديدات المباشرة والملموسة، لا مع التنبيهات المستمرة في هواتفنا، ومع ضغط عدم الرد على رسائلنا".