تتصدر قضية الأسيرات الفلسطينيات المشهد الحقوقي ، فأرقام الاعتقال لم تعد مجرد مؤشرات على حملة أمنية موسعة، بل أصبحت دليلا مباشرا على سياسة منظمة تستهدف النساء كجزء من العقاب الجماعي المفروض على المجتمع الفلسطيني كله.
فقد أكدت مؤسسات الأسرى أن عدد الأسيرات ارتفع إلى 90 أسيرة خلال الشهر الجاري، وهو المستوى نفسه الذي سُجل فقط في ذروة حملات الاعتقال الواسعة مع بدايات الحرب، بينما يتركز احتجاز معظمهن في سجن الدامون، وبينهن طفلتان وسيدة حامل في شهرها الثالث و25 معتقلة إداريا و3 صحفيات وأسيرتان مريضتان بالسرطان.
هذا التصاعد لا يمكن فصله عن نمط أوسع من القمع الإسرائيلي الذي وسع الاعتقال ليشمل النساء والرجال والأطفال والصحفيين وأقارب الشهداء والأسرى، في مسار واضح يجعل السجن امتدادا مباشرا للعدوان العسكري وليس إجراء قضائيا مستقلا.
في الوقت نفسه، لا تقف القضية عند حدود الأرقام داخل الزنازين، لأن سياقها الفعلي يتشكل داخل حرب مستمرة على غزة رفعت حصيلة الشهداء حتى 23 أبريل 2026 إلى 72,568 شهيدا و172,338 مصابا، مع بقاء ضحايا تحت الأنقاض وفي الطرقات بسبب عجز طواقم الإنقاذ عن الوصول إليهم. هذا الربط الزمني والميداني مهم لأن مؤسسات الأسرى الفلسطينية تؤكد أن ما يجري داخل السجون يسير بالمعدل نفسه الذي يجري به القصف خارجها، من حيث التجويع والإهمال الطبي والتعذيب والعزل والحرمان من الضمانات القانونية الأساسية. لذلك يبدو ملف الأسيرات اليوم جزءا من سياسة إسرائيلية واحدة تستخدم القوة العسكرية في غزة، وتستخدم السجن في الضفة والقدس والداخل المحتل، حتى يصبح استهداف النساء وجها مكملا للعدوان وليس ملفا منفصلا عنه.
الدامون مركز استهداف النساء
وفي هذا السياق، تكشف معطيات مؤسسات الأسرى أن سجن الدامون تحول إلى المركز الرئيسي لاحتجاز غالبية الأسيرات الفلسطينيات في ظروف تفتقر إلى الحد الأدنى من المقومات الإنسانية، مع توثيق سياسات تجويع وإهمال طبي وعزل واعتداءات وتفتيش عار. كما تؤكد البيانات نفسها أن عدد المعتقلات منذ بدء الحرب تجاوز 700 حالة، وهو رقم يوضح أن الاحتلال انتقل من الاعتقال الانتقائي إلى الاستهداف المنهجي للنساء الفلسطينيات.
كما أن رئيس نادي الأسير الفلسطيني عبد الله الزغاري وصف ما يجري داخل السجون بأنه مرحلة هي الأخطر منذ عقود، وربط بين الانتهاكات الجارية وبين سياسة انتقامية تستخدم الصعق والتعرية والحرمان من النوم والعلاج والاعتداءات الجسدية بوصفها أدوات ثابتة وليست تجاوزات فردية. وتكتسب هذه الشهادة أهمية خاصة لأنها صادرة عن جهة فلسطينية تتابع أوضاع الأسرى ميدانيا وتربط الوقائع اليومية ببنية القرار السياسي الإسرائيلي.
ثم إن وجود طفلتين وسيدة حامل في شهرها الثالث وأسيرتين مريضتين بالسرطان داخل هذه المنظومة ينسف أي ادعاء إسرائيلي يتعلق بالمعايير القانونية أو الإنسانية، لأن طبيعة الفئات المحتجزة نفسها تكشف أن الاستهداف لا يراعي السن ولا الوضع الصحي ولا طبيعة العمل المهني. كما أن استمرار احتجاز 3 صحفيات يؤكد أن السجن يستخدم أيضا لمعاقبة العمل الإعلامي والتعبير العام، وليس فقط لملاحقة اتهامات جنائية مثبتة.
الاعتقال الإداري يوسع القمع ويستهدف الصحفيات
وفي امتداد مباشر لهذا المسار، تظهر الأرقام الأحدث أن عدد المعتقلين الفلسطينيين داخل سجون الاحتلال تجاوز 9,600 مع بداية أبريل 2026، بينهم نحو 350 طفلا و86 أسيرة في ذلك التوقيت، قبل أن يرتفع عدد الأسيرات لاحقا إلى 90 خلال الشهر نفسه. كما ارتفع عدد المعتقلين الإداريين إلى أكثر من 3,532، إلى جانب 1,251 معتقلا تصنفهم إسرائيل تحت مسمى المقاتل غير الشرعي، وهو تصنيف لا يشمل جميع معتقلي غزة الموجودين في المعسكرات العسكرية.
وبسبب هذا التوسع، باتت النساء يواجهن الاعتقال داخل منظومة قانونية صممت أصلا لتجريد الفلسطيني من الحق في الاتهام الواضح والمحاكمة العادلة وحق الدفاع. وقد قال أستاذ القانون الدولي مايكل لينك إن إسرائيل تتحدى القانون الدولي الإنساني عندما تنقل الأسرى من الأرض المحتلة إلى داخل إسرائيل وتوسع المعاملة الوحشية داخل السجون، وهو توصيف يربط بين الجغرافيا القانونية للاحتجاز وبين بنية الانتهاك نفسه.
كما أن استهداف 3 صحفيات ضمن الأسيرات الحاليّات لا يبدو تفصيلا جانبيا، لأن مؤسسات الأسرى وثقت أيضا اعتقال أكثر من 240 صحفيا منذ بدء الحرب مع بقاء 43 منهم رهن الاحتجاز، بينهم 3 صحفيات. ويعني ذلك أن الاحتلال لا يستخدم السجن فقط لإسكات المحتجين، بل يستخدمه أيضا لتجفيف الشهادة الصحفية ومنع توثيق الجرائم في وقت يتزايد فيه الاعتماد على الرواية الفلسطينية لكشف ما يجري.
من السجن إلى الحرب مسار واحد للقتل البطيء
وفي هذه المرحلة، لم يعد من الممكن قراءة أوضاع الأسيرات بمعزل عن التوصيف الحقوقي الدولي لما يجري داخل السجون. فقد قالت المقررة الخاصة للأمم المتحدة فرانشيسكا ألبانيزي في مارس 2026 إن منظومة السجون الإسرائيلية تحولت منذ بدء الإبادة إلى مختبر للوحشية المحسوبة، وإن التعذيب بات جزءا من عقيدة دولة تمارس الإذلال والألم والتجريد بصورة منظمة وعلى مستويات سياسية عليا. هذا التوصيف لا يأتي من خطاب تضامني عام، بل من تقرير أممي مخصص لبنية الانتهاك نفسها.
ولذلك تتضح الصورة أكثر حين تقارن الزيادة الحادة في أعداد المعتقلين بعد أكتوبر 2023 مع الزيادة المتزامنة في الشهداء والجرحى داخل غزة، لأن السياسة الإسرائيلية نفسها تستخدم الاحتجاز بلا تهمة في الضفة، والتعذيب والإهمال داخل السجون، والقصف والحصار في القطاع. وقد أشارت مؤسسات الأسرى إلى أن نحو 50% من المعتقلين الفلسطينيين محتجزون من دون محاكمة أو من خلال أوامر إدارية أو تصنيفات استثنائية، وهو ما يحول الاعتقال إلى أداة قمع مفتوحة زمنيا وقانونيا.
وأخيرا، فإن قضية الأسيرات الفلسطينيات لم تعد ملفا حقوقيا فرعيا يمكن تأجيله أو تخفيف حدته بخطابات دبلوماسية باردة، لأن كل رقم موثق في أبريل 2026 يدل على مسار واحد واضح يبدأ بالاعتقال التعسفي ويمر بالتجويع والإهمال الطبي والعزل والاعتداء، ثم ينتهي بتطبيع الجريمة داخل مؤسسات الاحتلال. لهذا فإن توثيق ما يجري في الدامون وفي بقية السجون لا يخص النساء وحدهن، بل يكشف بنية سلطة قررت أن تجعل جسد الفلسطينية وسيلتها المباشرة للردع والإخضاع وكسر المجتمع تحت غطاء قانوني فاقد لأي شرعية.

