يتواصل إضراب عمال شركة مصر العامرية للغزل والنسيج في الإسكندرية بعد أيام من بدايته، بينما تحاول الإدارة تمرير الأزمة بمنح محدودة ووعود مؤجلة، رغم أن أصل النزاع يتعلق بحقوق مالية وقانونية تراكمت منذ شهور. العمال لم يطرحوا مطالب جديدة أو استثنائية، بل أعادوا طرح ملف بدل المخاطر، وتصحيح تطبيق الحد الأدنى للأجور، ووقف التمييز في الزيادات، وصرف المستحقات على أسس قانونية واضحة.

 

هذا المسار يضع الحكومة مرة أخرى أمام واقعة موثقة تكشف أن أجهزة العمل تعرف المخالفات منذ وقت سابق، لكنها لم تفرض تصحيحًا كاملًا ولا ألزمَت الشركة برد الحقوق المتأخرة، رغم صدور مخاطبات رسمية وتقديم شكاوى وإحالة بعضها إلى المحكمة. لذلك لم يعد الإضراب مجرد خلاف داخلي بين إدارة وعمال، بل صار شهادة جديدة على أن السلطة تترك أصحاب القرار داخل الشركات يعبثون بالأجور ثم تتدخل متأخرة عندما يتوقف الإنتاج وتتصاعد الكلفة السياسية والاجتماعية.

 

بدأ التحرك من داخل قسم التجهيز، ثم اتسع إلى قطاعات الملابس والمفروشات، بعد أن انفجر غضب العمال بسبب استمرار التفاوت في المعاملة بين الفئات الوظيفية والمؤهلات المختلفة. وحتى في ذروة الإضراب، قرر عمال قسم التجهيز تشغيل ماكينات التبييض فقط لإنهاء الخام المبلول ومنع تلف الأقمشة، وهو تصرف يكشف أن العمال حافظوا على مصلحة الشركة أكثر مما فعلت الإدارة نفسها عندما تجاهلت جذور الأزمة. هذه الواقعة تفضح الرواية المعتادة التي تستخدمها السلطة لتشويه الاحتجاجات العمالية، لأن الوقائع هنا تقول إن العمال لم يذهبوا إلى التخريب أو العبث، بل تحركوا بعد سلسلة طويلة من الوعود المؤجلة والتطبيق الانتقائي للقانون. ومع استمرار التوقف، يعود السؤال المباشر إلى وزارة العمل التي تعرف الملف منذ العام الماضي، لكنها تركت الأزمة تتدحرج من مخالفة قانونية إلى نزاع مفتوح داخل مصنع من مصانع الغزل والنسيج.

 

الإضراب لم يبدأ من فراغ بل من سجل ممتد من التمييز والتسويف

 

بدأ الإضراب الخميس الماضي للمطالبة بزيادة بدل المخاطر ورفع الرواتب بنسبة 25% من الأجر الأساسي أسوة بالمهندسين، إلى جانب معالجة مخالفات تطبيق الحد الأدنى للأجور. هذا الترتيب في المطالب يكشف أن الأزمة لم تنشأ من مطلب واحد، بل من تراكم تمييز مالي وإداري جعل العمال يعتبرون الزيادات الأخيرة استمرارًا للسياسة نفسها لا حلًا لها.

 

ثم اتسعت دائرة الغضب بعدما أقر القائم بأعمال الرئيس التنفيذي محمد سيد عبد السلام زيادة قدرها 250 جنيهًا للمؤهلات المتوسطة وفوق المتوسطة في كل الأقسام والإدارات، بينما حُرم منها العمال الذين لا يحملون مؤهلات. هذه الخطوة لم تهدئ الأجواء، لأن العمال الذين شملتهم الزيادة رفضوا التفرقة، واعتبروها إعادة إنتاج للانقسام داخل المصنع بدل معالجة أصل المشكلة.

 

كذلك قال العمال إن هذه ليست المرة الأولى التي تُفرض فيها زيادة على أساس يميز بين الفئات، إذ سبق لرئيس الشركة أن أقر زيادة شهرية بنسبة 30% للمهندسين وحملة المؤهلات العليا في الأقسام الإدارية، مع حرمان العمال بلا مؤهلات وحملة المؤهلات المتوسطة وفوق المتوسطة منها. هذا السجل يجعل الإضراب الحالي نتيجة مباشرة لقرارات متكررة لا لحادث منفصل.

 

وفي هذا السياق، يرى كمال عباس رئيس دار الخدمات النقابية والعمالية أن استمرار الاحتجاجات العمالية في 2026 يرتبط بفجوة الأجور والأسعار وبغياب الأمان الوظيفي، وهو توصيف ينطبق بوضوح على حالة مصر العامرية، حيث تتجاور الرواتب المتدنية مع تهديدات الفصل ومع إدارة تؤجل الحلول حتى لحظة الانفجار.

 

الحد الأدنى للأجور في الشركة تحول إلى باب واسع للمخالفة لا إلى ضمانة للعمال

 

قال العمال إن الإدارة تخالف قانون العمل عند احتساب المنح والأعياد ضمن الحد الأدنى للأجور، رغم أن هذا الملف كان محل اعتراض وشكاوى سابقة. كما قالوا إن رئيس الشركة وعد منذ فترة طويلة بتسوية هذه النقطة، لكن الوعد بقي معلقًا، وهو ما حوّل النص القانوني من حق واجب النفاذ إلى مادة تفاوض مفتوحة تفرضها الإدارة بالطريقة التي تناسبها.

 

ويزداد ثقل هذا الاتهام لأن مديرية العمل في الإسكندرية كانت قد وجهت العام الماضي خطابًا إلى إدارة الشركة يدعوها إلى تصحيح مخالفات تتعلق بتطبيق الحد الأدنى للأجور وآلية احتساب الأجر الإضافي. المديرية أكدت بوضوح أن مقابل التشغيل الإضافي يُحتسب على الأجر الشامل ولا يدخل ضمن الحد الأدنى، بينما تبقى العلاوات والبدلات والمنح التي تأتي بعد تطبيق الحد الأدنى خارجه.

 

وبعد ذلك عالجت الشركة جزءًا من المخالفة، إذ صرفت الأجر الإضافي على الأجر الشامل وأخرجته من الحد الأدنى للأجور، لكنها رفضت صرف هذا الأجر بأثر رجعي عن العامين الماضيين. لذلك تقدم عمال بالشركة في أكتوبر الماضي بشكاوى إلى مديرية العمل في الإسكندرية، قبل أن تُحال هذه الشكاوى لاحقًا إلى المحكمة، بما يعني أن النزاع صار موثقًا إداريًا وقضائيًا.

 

ومن ناحية أوسع، قرر المجلس القومي للأجور رفع الحد الأدنى لأجور العاملين بالقطاع الخاص إلى 7000 جنيه اعتبارًا من 1 مارس 2025، مع علاوة دورية لا تقل عن 250 جنيهًا شهريًا. لكن المشكلة في مصر العامرية لم تكن في غياب القرار فقط، بل في طريقة تطبيقه داخل الشركة وفي خلطه بمكونات أجر لا يجوز استخدامها لتفريغه من مضمونه.

 

وفي هذا الإطار، قال الباحث الاقتصادي إلهامي الميرغني إن الحد الأدنى المعلن نفسه لم يعد ملائمًا لمستويات الأسعار الحالية، لأن التضخم التهم قيمته الفعلية. وعندما يصبح الحد الأدنى أقل من كلفة المعيشة ثم يُطبق داخل المصانع بصورة مشوهة، فإن العامل يواجه مستويين من الظلم في وقت واحد، الأول من السوق والثاني من جهة العمل.

 

مطالب العمال توسعت لأن الإدارة راكمت الاستقطاعات والعقود المكلفة والتهديدات

 

بعد ذلك لم تتوقف مطالب العمال عند ملف الحد الأدنى، بل شملت زيادة حافز التجهيز إلى 700 جنيه ورفع بدل المخاطر من 375 إلى 500 جنيه، إلى جانب زيادة رواتب العمال بقيمة 100 جنيه عن كل سنة عمل. هذه المطالب جاءت بصيغة محددة ومباشرة، ما يؤكد أن النزاع يدور حول بنود قابلة للقياس والتنفيذ وليس حول شعارات عامة.

 

كما جدد العمال مطالبتهم بإنهاء عقود المستشارين ومديري الإدارات والموظفين الذين تتعاقد معهم الشركة بمئات الآلاف شهريًا من دون حاجة حقيقية إليهم، مع إسناد هذه المهام إلى موظفي الشركة. هذا المطلب يضع الإدارة في قلب الاتهام، لأن العمال يرون أن أموال الشركة تُنفق على دوائر إدارية مرتفعة الكلفة بينما يُطلب من خطوط الإنتاج تحمل التقشف.

 

وقبل هذا الإضراب بأسابيع، دخل عمال قطاعي الملابس والتجهيز في نهاية فبراير الماضي في إضراب آخر احتجاجًا على زيادة مفاجئة في الاستقطاعات من رواتبهم. العمال قالوا آنذاك إن الضرائب ارتفعت بما بين 100 و200 جنيه، وإن استقطاعات التأمينات زادت أيضًا، قبل أن يعلقوا الإضراب في 3 مارس بعد اجتماع مع القائم بأعمال الرئيس التنفيذي الذي وعد بدراسة المطالب.

 

ورغم ذلك، عادت الأزمة سريعًا لأن الوعود لم تتحول إلى تنفيذ. هذا التسلسل الزمني يوضح أن الإدارة لم تُنه أسباب الاحتجاج السابق، بل رحّلتها إلى موجة أشد. ولذلك يبدو الإضراب الحالي نتيجة مباشرة لفشل اتفاق مارس، لا حدثًا جديدًا منفصلًا عنه، خصوصًا مع بقاء ملف الأجور والبدلات والاستقطاعات من دون حسم حقيقي.

 

ويكتسب هذا المسار دلالة أكبر لأن عمال مصر العامرية خاضوا العام الماضي إضرابًا استمر 16 يومًا احتجاجًا على التلاعب في تطبيق الحد الأدنى للأجور، وانتهى تحت ضغوط وتهديدات بالفصل وإبلاغ الأمن الوطني، رغم أنه أسفر عن استقالة الرئيس التنفيذي السابق وعن صدور خطاب رسمي يطالب الشركة بتصحيح المخالفات. تكرار المشهد بعد أقل من عام يكشف أن الحكومة لم تعالج أصل الأزمة بل اكتفت بإطفاء الحريق مؤقتًا.

 

وفي هذا الموضع، يقول القيادي العمالي صلاح الأنصاري إن التفرقة الواضحة بين الحد الأدنى للأجر والأجر الأساسي ضرورية لمنع الالتباس، كما يؤكد أن العقود المؤقتة والضغوط المرتبطة بها تضع العمال في موقع أضعف أمام أصحاب العمل. هذه الملاحظة تفسر كيف تستخدم الإدارات ثغرات الأجر والبنية التعاقدية للضغط على العمال بدل الاستجابة لحقوقهم.

 

وينتهي هذا الملف إلى حقيقة واحدة واضحة، وهي أن عمال مصر العامرية لا يخوضون معركة معزولة داخل مصنع واحد، بل يواجهون نموذجًا كاملاً من الإدارة الحكومية المنحازة إلى التسويف والتفرقة والتأجيل. الدولة تعرف المخالفات، ومديرية العمل رصدتها، والمحكمة تنظر بعض الشكاوى، ومع ذلك ما زال العمال مضطرين إلى الإضراب مرة بعد مرة لتحصيل حقوق سبق توثيقها. لذلك فإن المسؤولية لا تقع على إدارة الشركة وحدها، بل على حكومة تراقب الظلم في مواقع العمل ثم تتحرك فقط عندما يتوقف الإنتاج وتصبح الفضيحة علنية.