فجّرت وفاة الدكتور ضياء العوضي، بعد أيام من اختفائه داخل الإمارات، موجة غضب وتساؤلات لم تهدأ، لأن الوقائع المعلنة حتى الآن لا تقدم رواية مكتملة، بل تترك فراغًا واسعًا بين تاريخ انقطاع الاتصال وتأكيد الوفاة. وبين نفي مقربين للخبر في البداية ثم ثبوت صحته لاحقًا، بدا المشهد كأنه ملف أُدير بالارتباك نفسه الذي يصنع الشك، لا اليقين.

 

من الاختفاء إلى إعلان الوفاة

 

أوضح مسار الأحداث أن الأزمة بدأت يوم 12 أبريل، حين انقطع الاتصال بضياء العوضي أثناء وجوده في الإمارات، لتتحرك الأسرة ومحاميه في اتجاه القنوات الرسمية بحثًا عن معلومة موثقة. لكن هذا التحرك، بحسب التصريحات المتداولة، لم يقابل بإجابات حاسمة في الساعات الأولى، وهو ما فتح الباب أمام شائعات متضاربة كان يمكن تفاديها لو وُجدت شفافية مبكرة من الجهات المعنية.

 

ولفت تضارب الروايات الانتباه أكثر عندما نُفيت أخبار الوفاة في البداية عبر محيطه الإعلامي، بينما جرى لاحقًا الحديث عن تأكيد رسمي من السفارة المصرية في أبوظبي. هذا الانتقال المفاجئ من النفي إلى الإقرار لم يطفئ الجدل، بل وسّعه، لأن المشكلة لم تكن في تأكيد الوفاة فقط، وإنما في غياب تفاصيل دقيقة عن زمنها ومكانها والظروف التي أحاطت بها منذ لحظة الاختفاء وحتى لحظة الإعلان. ويبين رأي الدكتورة دينا شكري، أستاذ الطب الشرعي والسموم بكلية الطب جامعة القاهرة، أن الكشف بعد الوفاة قادر على إظهار آثار مقاومة أو اعتداء في كثير من الحالات، كما أن الطب الشرعي يستطيع، وفق نوع الإصابات والسموم والقرائن، الاقتراب من تحديد سبب الوفاة حتى بعد مرور وقت. لذلك فإن أي قفز إلى رواية جاهزة قبل صدور التقرير النهائي يظل كلامًا سياسيًا أو عاطفيًا، لا دليلًا قضائيًا ملزمًا.

 

خلفية الرجل الذي سبقته الأزمات

 

وأشار المسار المهني للعوضي إلى أنه لم يكن اسمًا عابرًا قبل وفاته، بل شخصية مثيرة للجدل منذ شهور، بعدما انتقل من التخدير والرعاية المركزة إلى الظهور الواسع في مجال التغذية العلاجية. وقد اقترن اسمه بما سُمي “نظام الطيبات”، وهو طرح غذائي جذب جمهورًا كبيرًا على المنصات، لكنه في الوقت نفسه أثار صدامًا مباشرًا مع مؤسسات طبية اعتبرت ما يطرحه خروجًا صريحًا على أسس العلاج المعتمدة.

 

وأكد الدكتور أسامة عبد الحي، نقيب الأطباء، في تصريحات منشورة خلال فبراير، أن ما صدر عن العوضي لم يكن مجرد رأي قابل للنقاش، بل معلومات طبية مضرة تهدد حياة المرضى وتتعارض مع الحقائق العلمية الثابتة. وهذه الشهادة المهنية تضع خلفية مهمة للقضية، لأنها تكشف أن الرجل كان بالفعل في قلب عاصفة مهنية وقانونية قبل اختفائه، بما يجعل أي تحقيق في وفاته محتاجًا إلى دقة مضاعفة لا إلى صمت مرتبك. وفي موازاة ذلك، أعلن الدكتور حسام عبدالغفار، المتحدث باسم وزارة الصحة، أن قرار غلق منشأة العوضي وإلغاء ترخيص مزاولة المهنة جاء تنفيذًا لحكم تأديبي صدر في 17 فبراير، بعد اتهامات بنشر معلومات علاجية مضللة، من بينها دعوة مرضى السكري إلى ترك الأنسولين. كما أُشير إلى تنفيذ الغلق الإداري في 10 مارس، وهو ما يعني أن الرجل دخل الإمارات لاحقًا وهو محمّل أصلًا بملف مهني مشتعل وصدامات علنية واسعة.

 

أسئلة لا يبددها الصمت الرسمي

 

ويرى كثيرون أن أخطر ما في القضية ليس الجدل الإلكتروني، بل الفراغ الرسمي الذي سمح بتحول الوفاة إلى ساحة اتهامات مفتوحة. وحتى الآن لا يوجد، وفق ما ظهر علنًا، تقرير نهائي منشور يثبت قتلًا أو ينفيه، ولا توجد معلومات موثقة تتيح الجزم بصحة الاتهام المتداول بشأن تورط جهة بعينها. لكن هذا لا يبرئ أداء السلطات من المسؤولية السياسية، لأن حجب المعلومة في قضايا الوفاة الغامضة يصنع التهمة ولو من دون نص قضائي.

 

وفي ظل هذا الالتباس، تكتسب ملاحظات الدكتورة سمر عبدالعظيم، أستاذ الطب الشرعي بجامعة عين شمس، أهمية خاصة، إذ تؤكد أن التقارير الطبية هي الفيصل بين الإدانة والبراءة، وأن المظهر الخارجي للجثمان لا يكفي وحده لبناء حكم نهائي. هذا المعنى ينسف من جهة الاستسهال في إطلاق الأحكام، لكنه من جهة أخرى يحمّل الجهات التي تملك التقرير عبئًا أكبر، لأن تأخير الحقيقة يفتح المجال لنسخ متعددة من الرواية الواحدة. وأشار تسلسل الوقائع أيضًا إلى أن اسم العوضي كان حاضرًا في نزاعات واتهامات سابقة، من بينها بلاغات مرتبطة ببرنامجه الغذائي، وهو ما يزيد من حساسية الملف. غير أن حساسية الرجل لا تعني جواز دفن الأسئلة معه، بل تعني العكس تمامًا. فكلما كانت شخصية المتوفى موضع خلاف، صار واجب الدولة المضيفة والسفارة المصرية أن تقدما رواية موثقة ومحددة بالتواريخ والنتائج، لا أن تتركا الرأي العام نهبًا للتسريب والهمس والتخمين.

 

وأخيرا أكدت القضية في محصلتها النهائية أن المسألة لم تعد تخص ضياء العوضي وحده، بل تخص حق أي مصري يعمل خارج بلده في أن يعرف ذووه أين اختفى وكيف مات ومن المسؤول عن التأخير في كشف الحقيقة. وإذا كانت السلطات الإماراتية ودوائر التمثيل الدبلوماسي تملكان الرواية الكاملة، فإن استمرار حبسها لا يطفئ الغضب، بل يضاعفه، لأن العدالة تبدأ من معلومة واضحة، لا من بيانات ناقصة تتأخر حتى يفقد الناس ثقتهم في كل شيء.