ارتفعت حصيلة المعتقلين الفلسطينيين في سجون الاحتلال الإسرائيلي إلى أكثر من 9600 معتقل مع بداية أبريل 2026 بينهم 84 امرأة ونحو 350 طفلًا إضافة إلى 3532 معتقلًا إداريًا و1251 محتجزًا من غزة تحت ما يسمى قانون المقاتل غير الشرعي وفق بيانات مؤسسات الأسرى الفلسطينية.

 

هذه الأرقام لا تكشف مجرد اتساع حملة الاعتقالات بل تكشف انتقال السجن إلى أداة مركزية في إدارة القمع الجماعي بحق الفلسطينيين بعد 7 أكتوبر 2023 عبر التوسع في الاحتجاز دون تهمة وحرمان الأسر من المعرفة والزيارة وتقييد الوصول إلى المحامين والرعاية الطبية.

 

وبينما يحيي الفلسطينيون يوم الأسير في 17 أبريل من كل عام تبدو الصورة الحالية أكثر قسوة من أي وقت سابق لأن الاعتقال لم يعد إجراءً أمنيًا محدودًا كما تدعي سلطات الاحتلال بل صار بنية يومية لإخضاع المجتمع الفلسطيني وكسر قدرته على الصمود داخل الزنازين وخارجها معًا.

 

تكشف الشهادات الحقوقية المتراكمة أن الأزمة لا تقف عند حدود الأرقام بل تمتد إلى ظروف احتجاز وصفتها جهات أممية وحقوقية بأنها تقوم على التعذيب المنهجي والتجويع والإذلال والعزل والحرمان من الرعاية. فقد قالت المقررة الأممية فرانشيسكا ألبانيزي في مارس 2026 إن التعذيب الإسرائيلي للفلسطينيين أصبح أداة بنيوية في الإبادة الجارية وإن السجون تحولت إلى أدوات للتعذيب والإخضاع.

 

كما وثقت منظمة بتسيلم الإسرائيلية في تقريرها الأخير نمطًا مؤسسيًا من العنف المنظم والاعتداءات الجنسية والإهمال الطبي والاكتظاظ الشديد. وفي هذا السياق لم يعد الحديث عن مخالفات فردية أو تجاوزات معزولة مقنعًا أمام هذا الحجم من الوقائع المتطابقة التي تجمع بين التعذيب الجسدي والعقاب النفسي والاحتجاز المفتوح بلا مساءلة فعلية.

 

الاعتقال الجماعي يتوسع والتعذيب يتحول إلى سياسة معلنة

 

وفي هذا السياق تؤكد بيانات مؤسسة الضمير أن عدد الأسرى تجاوز 9600 مع بداية أبريل 2026 وأن الأطفال والنساء والمعتقلين الإداريين يشكلون جزءًا ثابتًا من هذه الحصيلة لا استثناءً عارضًا. كما تكشف البيانات نفسها أن الاعتقال الإداري بلغ أعلى مستوياته مقارنة بفئات أخرى داخل السجون ما يوضح أن الاحتلال يوسع الاحتجاز بلا تهمة كسياسة مستقرة لا كإجراء مؤقت.

 

ثم إن ظروف الاحتجاز نفسها تقدم الدليل الأوضح على طبيعة هذه السياسة لأن وكالة أسوشيتد برس نقلت عن تقرير بتسيلم أن المعتقلين الفلسطينيين يواجهون اكتظاظًا شديدًا وتقييدًا مستمرًا ونقصًا في الغذاء والنظافة وإهمالًا طبيًا أفضى إلى بتر أطراف وفقدان البصر أو السمع عند بعضهم. كما وثق التقرير اعتداءات جسدية وصعقات كهربائية وعنفًا جنسيًا داخل أماكن الاحتجاز.

 

كما أن فرانشيسكا ألبانيزي لم تتعامل مع هذه الوقائع باعتبارها شكاوى منفصلة بل وصفتها بأنها جزء من نمط واسع ومتعمد يستهدف الفلسطينيين كجماعة. هذا التوصيف الأممي يكتسب وزنًا خاصًا لأنه يربط بين ما يجري داخل السجون وبين البنية الأوسع للسيطرة على الفلسطينيين عبر التعذيب والإخفاء والإذلال المستمر.

 

وبعد ذلك تظهر قصة المصور والصحفي عيسى القرناوي بوصفها مثالًا مباشرًا على هذا المسار إذ وثقت شهادة منشورة أنه اعتقل خلال عمله في مستشفى الشفاء يوم 28 مايو 2024 وتعرض للضرب والتقييد والحرمان من الغذاء والنوم ما تسبب في فقدانه عشرات الكيلوغرامات من وزنه قبل الإفراج عنه خلال إحدى فترات الهدنة. هذه الشهادة تكشف أن الاستهداف طال أيضًا الكوادر المهنية والمدنيين أثناء أداء عملهم.

 

التغييب القسري يوسع العذاب خارج الزنازين ويترك العائلات في فراغ قاتل

 

وفي امتداد مباشر لذلك لا يتوقف أثر الاعتقال عند من داخل الزنازين بل يضرب العائلات التي تعيش على الغياب المفتوح والبحث المستحيل. فقد وثقت أسوشيتد برس حالات عديدة لفلسطينيين اختفوا بعد مواجهات مباشرة مع القوات الإسرائيلية في غزة بينما بقيت عائلاتهم من دون معلومات مؤكدة. وقالت جيسيكا مونتيل مديرة هموكيد إن غزة تشهد حالة غير مسبوقة من الاختفاء القسري الجماعي بلا معلومات تصل إلى الأسر لأسابيع طويلة.

 

وبسبب هذا التعتيم تتحول رحلة البحث عن المفقود إلى شكل آخر من العقاب النفسي الجماعي لأن الاحتلال لا يقدم سجلًا واضحًا لمن اعتقلهم ولا يكشف على نحو شفاف عن أماكن وجودهم أو أوضاعهم الصحية. كما أوضحت أسوشيتد برس أن القانون الإسرائيلي المعدل زمن الحرب يسمح باحتجاز فلسطينيين من غزة لأكثر من شهرين بمعزل عن العالم الخارجي وهو ما يغذي الغموض والخوف.

 

وفي هذا الإطار تبرز معاناة عائلة حسن بديع البالغ 19 عامًا كما وثقتها شهادة صحفية ميدانية إذ اعتقل الشاب قرب الحدود في 7 أكتوبر 2023 وبقيت أسرته في دوامة بحث بين المستشفيات والمشارح من دون معلومة حاسمة عن مصيره. وتكشف هذه الحالة كيف يوظف الاحتلال حجب المعلومات نفسه كسلاح لإبقاء العائلة تحت ضغط يومي لا ينتهي.

 

كذلك تكتسب هذه الصورة خطورة إضافية لأن الوقائع الموثقة تظهر أن بعض الأسر تلقت في البداية نفيًا رسميًا لوجود أقاربها في الاحتجاز ثم ظهرت لاحقًا سجلات تثبت احتجازهم أو حتى وفاتهم داخل الحجز. هذا التضارب الذي وثقته أسوشيتد برس ينسف أي ادعاء بوجود آلية قانونية واضحة ويؤكد أن الإخفاء ليس خللًا إداريًا بل جزءًا من الممارسة نفسها.

 

الأطفال الفلسطينيون هدف مباشر والاحتلال يهدم ما تبقى من طفولتهم

 

وفي نتيجة طبيعية لهذا المسار تؤكد التقارير الحديثة أن الأطفال لم يعودوا على هامش سياسة الاعتقال بل باتوا في قلبها. فقد نقلت وكالة الأناضول عن تقرير حقوقي أن نحو 350 طفلًا فلسطينيًا يوجدون حاليًا في الاحتجاز الإسرائيلي وأنهم يواجهون عنفًا جسديًا واستجوابات مطولة واكتظاظًا وقيودًا على التواصل العائلي. كما أكدت مؤسسة الضمير الرقم نفسه في تحديث أبريل 2026.

 

ثم إن منظمة أنقذوا الأطفال ذهبت أبعد من ذلك عندما قالت في موجزها الحقوقي إن الأطفال الفلسطينيين الذين خضعوا للاحتجاز تحدثوا عن إساءات جسدية ونفسية وجنسية وتجويع وإهانات وإن كل المؤشرات المتاحة تدل على أن التعذيب وغيره من المعاملة القاسية داخل نظام الاعتقال العسكري الإسرائيلي ازداد سوءًا منذ أكتوبر 2023. هذا التوصيف يثبت أن الانتهاك هنا منظم لا عرضي.

 

كما كتب بيل فان إسفيلد من هيومن رايتس ووتش في أبريل 2026 أن إغلاق منظمة الدفاع عن الأطفال الدولية في فلسطين بعد سنوات من الاستهداف الإسرائيلي أسكت أحد أهم الأصوات التي كانت توثق الاعتقال التعسفي والتعذيب والاعترافات القسرية والمحاكمات غير العادلة بحق الأطفال الفلسطينيين. ويعني ذلك أن الاحتلال لا يكتفي باستهداف الأطفال بل يستهدف كذلك من يوثق الانتهاكات الواقعة عليهم.

 

وبحسب شهادة ميدانية منشورة تبرز حالة الطفل محمود الحلبي الذي اعتقل وهو في 16 من عمره بعدما توجه إلى منطقة نتساريم بحثًا عن مساعدات غذائية لأسرته عقب استشهاد والده. وتوضح الشهادة أنه احتجز مع بالغين وكبار سن وتعرض للعنف والحرمان من النوم والطعام. هذه الواقعة تقدم صورة مباشرة عن الطريقة التي يجري بها انتزاع الطفولة من داخل الجوع والحرب ثم الزنزانة.

 

وأخيرًا لا تترك هذه الوقائع مجالًا للحديث عن منظومة احتجاز عادية أو عن قضاء يعمل وفق حد أدنى من الضمانات لأن الأرقام المعلنة والشهادات الموثقة والتقارير الأممية والحقوقية تتجمع كلها في اتجاه واحد. الاحتلال يدير سياسة اعتقال جماعي وتعذيب منظم وتغييب متعمد بحق الفلسطينيين وبينهم أطفال ونساء وصحفيون ومدنيون. ومع حلول 17 أبريل يعود يوم الأسير الفلسطيني هذا العام بصفته سجل اتهام مفتوحًا لا مناسبة رمزية فقط لأن السجون لم تعد مكان احتجاز فحسب بل صارت جبهة قائمة بذاتها في الحرب على المجتمع الفلسطيني كله.