تتجه حكومة السيسي إلى إنهاء دعم المواد البترولية فعليًا في موازنة العام المالي 2026-2027، مع الإبقاء على 16 مليار جنيه فقط بعد أن بلغ الدعم المخصص في العام الجاري نحو 75 مليار جنيه، وفق ما أعلنه وزير المالية أحمد كجوك عند عرض ملامح الموازنة الجديدة.

 

هذا التحول لا يبدو مجرد بند محاسبي داخل الجداول، بل يمثل خطوة مباشرة في مسار تحميل المواطنين كلفة أزمة الطاقة والتمويل والعجز، بعدما تحولت سياسة الدعم خلال السنوات الأخيرة من آلية لتخفيف أثر الأسعار إلى ملف دائم لإعادة الجباية.

 

وتكشف الأرقام الرسمية أن الحكومة لا تخفض بندًا هامشيًا، بل تقطع الجزء الأكبر من دعم الوقود دفعة واحدة تقريبًا، بينما تواصل تقديم ذلك باعتباره إصلاحًا ماليًا ضروريًا. غير أن ما تسميه الحكومة إعادة هيكلة، يقرأه الشارع باعتباره انسحابًا جديدًا للدولة من مسؤوليتها الاجتماعية في لحظة تتصاعد فيها أسعار النقل والكهرباء والسلع الأساسية معًا.

 

تزداد خطورة هذا المسار لأن قرار تقليص دعم الوقود يأتي بعد زيادة أسعار المحروقات في مارس 2026 بنسبة تراوحت بين 14 و17 بالمئة، شملت السولار والبنزين والغاز المستخدم للسيارات، رغم تعهد سابق بتجميد الأسعار لعام كامل بعد زيادات أكتوبر 2025.

 

وبذلك لم تعد المسألة مرتبطة فقط بضبط عجز الموازنة، بل بسلسلة متصلة من القرارات التي تضغط مباشرة على تكلفة المعيشة وتفتح الباب أمام موجات تضخم متلاحقة. كما أن الحكومة تربط الموازنة الجديدة بمتوسط سعر 75 دولارًا لبرميل النفط، رغم أن الأسواق شهدت قفزات أعلى بفعل التوترات الإقليمية، ما يعني أن أي صدمة جديدة ستدفع السلطة سريعًا إلى المواطن مرة أخرى بدل مراجعة أولويات الإنفاق والاقتراض.

 

موازنة جديدة تخفض الدعم وتثبت اتجاه الانسحاب من حماية المستهلك

 

وفي هذا الإطار، تؤكد أرقام وزارة المالية أن دعم المواد البترولية في العام المالي الجاري استقر عند 75.033 مليار جنيه، بينما خفضت الحكومة مخصصات العام المالي المقبل إلى 16 مليار جنيه فقط، في الوقت الذي تحدثت فيه أيضًا عن فاتورة دعم طاقة إجمالية تبلغ 120 مليار جنيه تشمل الكهرباء والبترول. هذا الفارق الكبير يكشف أن الاتجاه لم يعد تخفيضًا تدريجيًا محدودًا، بل اقترابًا واضحًا من إنهاء دعم الوقود نفسه مع إبقاء هامش ضيق يتركز غالبًا في أسطوانة البوتاجاز.

 

ثم إن هذا الخفض لا يمكن فصله عن المسار الذي تبنته الحكومة منذ سنوات تحت عنوان استرداد التكلفة، لأن القرارات المتتابعة في أسعار البنزين والسولار والكهرباء تؤكد أن الدولة تتعامل مع الطاقة باعتبارها بابًا جاهزًا لتحصيل الوفر المالي السريع. وحتى التقارير الداعمة لسياسات الحكومة أقرت بأن الموازنة الجديدة تستهدف تقليص دعم الطاقة بنحو 20 بالمئة إجمالًا، بما يعكس استمرار أولوية الضبط المالي على حساب أثر القرارات على الأسر وسوق الأسعار.

 

كما أن الخبير الاقتصادي مصطفى بدرة، في قراءته لمستهدفات الموازنة، ركز على أرقام النمو والفائض الأولي اللذين تسعى الحكومة إلى تحقيقهما في 2026، وهو ما يوضح المنطق الرسمي الحاكم للموازنة الجديدة. غير أن هذا المنطق نفسه يكشف المشكلة، لأن الحكومة تضع تحسين المؤشرات الكلية في المقدمة، بينما تترك أثر رفع أسعار الطاقة ينتقل إلى النقل والغذاء والخدمات من دون حماية فعلية تكافئ حجم الصدمة.

 

صندوق النقد والحرب الإقليمية يسرعان مسار رفع الأسعار

 

وفي الوقت نفسه، يرتبط هذا التوجه مباشرة بالتزامات مصر مع صندوق النقد الدولي الذي كرر في أبريل 2026 دعوته إلى تجنب الدعم الواسع للوقود، وطالب الحكومات باللجوء إلى تحويلات نقدية موجهة بدلًا من كبح الأسعار. كما أشار الصندوق في وثائقه الخاصة بمصر إلى تقدم الحكومة في إصلاح دعم الوقود، وهو التعبير الذي تستخدمه المؤسسات الدولية عادة لوصف تقليص الدعم ورفع الأسعار تدريجيًا حتى بلوغ مستويات السوق.

 

وبسبب هذا الارتباط، لم يعد ملف الوقود في مصر قرارًا محليًا معزولًا، بل صار جزءًا من برنامج اقتصادي أوسع تتحرك فيه الحكومة تحت ضغط التمويل الخارجي وشروط المراجعات الدورية. وقد سبق أن ربطت تقارير دولية بين موافقة الصندوق على صرف شرائح تمويل لمصر وبين استمرار الحكومة في خفض الدعم وتعزيز شبكات الحماية الاجتماعية، لكن التطبيق العملي كشف أن الزيادة في الأسعار أسرع بكثير من أي توسع حقيقي في الحماية.

 

ومع تصاعد الحرب في المنطقة وارتفاع تكاليف الاستيراد، استندت الحكومة إلى الصدمة النفطية لتبرير زيادات جديدة في الوقود والكهرباء وترشيد الإنفاق العام وتأجيل بعض المشروعات كثيفة استهلاك الطاقة. لكن هذا التبرير لا يلغي أن السلطة اختارت المسار الأسهل سياسيًا وماليًا، وهو تمرير الكلفة إلى المستهلك النهائي. وفي هذا السياق قال مدحت يوسف نائب رئيس هيئة البترول الأسبق إن تسعير الوقود في مصر لا يعتمد فقط على سعر الاستيراد، بل على خليط من عناصر عدة، ما يعني أن القرار سياسي بقدر ما هو فني.

 

الغلاء يسبق الحماية الاجتماعية ويضع الحكومة في مواجهة الشارع

 

ولذلك يحذر اقتصاديون من أن أثر خفض دعم الوقود لن يتوقف عند محطات البنزين أو مستودعات البوتاجاز، لأن السولار يدخل مباشرة في نقل السلع وتشغيل قطاعات إنتاجية واسعة. وقد قفز التضخم السنوي لمدن مصر إلى 15.2 بالمئة في مارس 2026، وسط ربط واضح بين الضغوط السعرية وارتفاع الوقود وتراجع قيمة الجنيه، وهو ما يعني أن أي خفض إضافي للدعم سيدفع موجة جديدة من الزيادات إلى السوق.

 

ومن هنا، قال الخبير الاقتصادي وائل النحاس إن مصر مقبلة على موجتين تضخميتين، إحداهما بسبب سعر الصرف والأخرى بسبب أسعار الطاقة، محذرًا من أن الغلاء سيلتهم أي زيادات في الأجور. هذه القراءة تضع جوهر الأزمة في مكانه الصحيح، لأن الحكومة لا تتحرك داخل فراغ مالي، بل داخل سوق مأزوم يعرف سلفًا أن كل زيادة في الوقود ستتحول سريعًا إلى زيادة أوسع في أسعار السلع والخدمات.

 

كما أن الدكتور مدحت نافع حذر في مارس 2026 من أن الصدمة البترولية الحالية ستؤثر على مختلف الخدمات لأن الطاقة تدخل في جميع القطاعات، وهو توصيف مباشر لحجم الأثر الاجتماعي المنتظر. وعندما تتجاهل الحكومة هذا الامتداد الواسع وتواصل عرض خفض الدعم كأنه نجاح محاسبي مستقل، فإنها تعيد إنتاج الأزمة نفسها بنطاق أكبر وتدفع المجتمع إلى تحمل كلفة لا يملك أدوات امتصاصها.

 

وفي المحصلة، لا تعكس موازنة 2026-2027 إصلاحًا متوازنًا بقدر ما تكشف انحيازًا واضحًا إلى حسابات الخزانة على حساب معيشة الناس، لأن الحكومة تمضي في رفع الدعم بعد زيادات فعلية في الوقود والكهرباء وفي ظل تضخم مرتفع وتآكل في القوة الشرائية. وما تسميه السلطة إعادة توجيه للموارد، يراه المواطن انسحابًا جديدًا للدولة من واجبها الأساسي، بينما تتسع الفجوة بين الخطاب الرسمي عن الحماية الاجتماعية والواقع اليومي الذي يدفع فيه المصريون ثمن الوقود مرتين، مرة في المحطة ومرة في كل سلعة تصل إلى بيوتهم.