تصاعدت خلال الأيام الأخيرة شكاوى مواطنين في مناطق متفرقة من مصر بسبب ارتفاع مفاجئ في فواتير الكهرباء، خصوصًا لدى مستخدمي العداد الكودي، بعد أن تضاعفت مبالغ السداد عند كثيرين من دون إعلان حكومي واسع ومباشر يشرح ما جرى بدقة.

 

هذا التطور وضع وزارة الكهرباء أمام أزمة ثقة جديدة، لأن الخطاب الرسمي الذي سبق تداوله ركز على أن أي زيادات في أسعار الكهرباء خلال 2026 ستطال الشرائح الأعلى استهلاكًا والقطاع التجاري، بينما فوجئ مواطنون محدودو ومتوسطو الاستهلاك بقفزات في الفاتورة أو في تكلفة الشحن داخل نظام مختلف أصلًا عن العدادات التقليدية.

 

وتكشف المتابعة أن جوهر الغضب لا يتعلق فقط بالأرقام، بل أيضًا بطريقة تمرير التغيير، وحدود الشفافية في شرح آليات المحاسبة، وما إذا كانت الحكومة قد نقلت عبئًا ماليًا جديدًا إلى فئة لم تكن حاضرة بوضوح في الرواية الرسمية المعلنة عن أسعار الكهرباء في مصر.

 

الوقائع المتاحة حتى الآن تشير إلى أن الزيادة لم تأت من فراغ، لأن وزارة الكهرباء طبقت اعتبارًا من أوائل إبريل 2026 سعرًا موحدًا على الكيلووات في العدادات الكودية بلغ 2.74 جنيه بدلًا من 2.14 جنيه، مع إلغاء نظام الشرائح داخل هذه المنظومة، بينما أبقت أسعار الشرائح المنزلية العادية حتى استهلاك 2000 كيلووات من دون تغيير، بحسب ما نُشر عن القرار وما أُعلن عن الزيادة الجزئية للشرائح الأعلى فقط.

 

هذا الفارق بين ما دفعه أصحاب العدادات الكودية فعليًا وما سمعه المواطنون في التصريحات العامة أنتج تناقضًا سياسيًا واضحًا، لأن الحكومة تحدثت عن حماية الفئات الأقل استهلاكًا، لكنها سمحت عمليًا بتحميل مستخدمي هذا النظام تكلفة أعلى على كامل الاستهلاك، لا على شريحة بعينها فقط.

 

العداد الكودي من أداة للتقنين إلى بوابة زيادة أوسع

 

وفي هذا السياق، يفسر تعريف العداد الكودي جانبًا مهمًا من الأزمة، لأن هذا النظام أُقر أساسًا لتقنين أوضاع الوحدات المخالفة أو غير المرخصة وتمكينها من الحصول على الكهرباء بصورة قانونية من خلال عداد مسبق الدفع لا يثبت الملكية القانونية للوحدة. وقد أكد المتحدث السابق باسم وزارة الكهرباء أيمن حمزة في تصريحات سابقة أن العدادات الكودية خُصصت لتسوية أوضاع المخالفين الذين كانوا يُحاسبون بنظام الممارسة، ما يعني أن هذا النوع لم يُعامل منذ البداية كامتداد طبيعي للعداد المنزلي المعتاد، بل كمسار استثنائي داخل المنظومة.

 

ومن هنا، انفجرت الشكاوى عندما انتقل هذا المسار الاستثنائي إلى تسعير استثنائي أيضًا، لأن السعر الموحد الجديد ألغى الشرائح تمامًا داخل العداد الكودي وجعل كل كيلووات يُحاسب بالقيمة نفسها، بصرف النظر عن حجم الاستهلاك. وهذا التحول ضرب الفكرة التي روجت لها الحكومة عن العدالة في التسعير، لأن المشترك الذي يستهلك كميات محدودة داخل عداد كودي لم يعد يستفيد من الشرائح الأقل سعرًا التي يستفيد منها المشترك المنزلي العادي، رغم أن دخله الفعلي قد لا يكون أعلى منه.

 

وبالتزامن مع ذلك، قال الدكتور حافظ سلماوي رئيس جهاز تنظيم مرفق الكهرباء الأسبق إن العدادات الكودية ترتبط بالعقارات المخالفة، كما أوضح أن دخول الصيف واستخدام أجهزة التكييف يدفعان مستهلكين كثيرين إلى الانتقال لشرائح أعلى. غير أن هذه الملاحظة الفنية لا تنفي أصل المشكلة، لأن الشكوى الحالية تتعلق كذلك بإلغاء الشرائح أصلًا عن فئة كاملة، وليس فقط بزيادة الاستهلاك الموسمية داخل النظام التقليدي.

 

رواية حكومية متماسكة في التصريحات ومهتزة في الفواتير

 

وفي المقابل، أصرت الرواية الرسمية التي رافقت تعديل أسعار الكهرباء في 4 إبريل 2026 على أن الزيادة تستهدف الشريحة المنزلية الأعلى استهلاكًا وما فوق 2000 كيلووات إضافة إلى القطاع التجاري، مع تأكيد أن أغلب المشتركين لن تمسهم الزيادة. لكن هذا الخطاب لم يشرح بوضوح مصير العدادات الكودية في اللحظة نفسها، ولم يقدّم للناس بيانًا مباشرًا يربط بين تعديل هذا النظام وبين الفواتير أو تكلفة الشحن الجديدة، وهو ما وسّع مساحة الالتباس بدل تقليصها.

 

ولذلك، لم يعد الغضب مرتبطًا فقط بقيمة الفاتورة، بل بغياب الإفصاح الكافي عن آلية الاحتساب نفسها. فجهاز تنظيم مرفق الكهرباء ينشر على موقعه الرسمي حاسبة للفواتير وتعريفة الشرائح المنزلية وآلية تقديم الشكاوى، لكن هذه الأدوات الرسمية لا تعالج وحدها مشكلة القرار حين يُطبَّق على فئة كاملة من المشتركين من دون شرح سياسي وإعلامي كافٍ يسبق التطبيق أو يصاحبه، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بمواطنين أُلزموا أصلًا بهذا النظام في إطار تقنين الأوضاع.

 

كما أن الفجوة بين التصريحات والواقع دفعت منتقدين إلى اعتبار ما جرى نموذجًا جديدًا لنقل الكلفة إلى المواطن عبر تفاصيل فنية معقدة بدل إعلان سياسي مباشر. وتظهر هذه القراءة أكثر حدة لأن الحكومة قدمت الزيادات الأخيرة باعتبارها محدودة ومحسوبة، بينما جاءت شكاوى العداد الكودي لتقول إن التحميل الفعلي للعبء المالي قد توسع على الأرض بطريقة لم تُشرح للناس إلا بعد ظهور آثارها في الفاتورة.

 

أسباب فنية معلنة وضغط معيشي يجعل الشرح واجبًا لا ترفًا

 

ثم إن المختصين لا يستبعدون وجود عوامل فنية ساهمت في تضخيم الأزمة، لأن ارتفاع درجات الحرارة مع بداية الموسم الحار يرفع الاستهلاك، كما أن أخطاء القراءة أو سوء التقدير أو تراكم الاستهلاك قد يدفع المشترك إلى قفزة مفاجئة في قيمة المطلوب سداده. غير أن هذه التفسيرات تصبح ناقصة عندما تتزامن مع قرار تسعيري جديد داخل العداد الكودي، لأن المواطن لن يميز وحده بين أثر الاستهلاك وأثر تغيير آلية الحساب.

 

كذلك، يوضح الدكتور محمد البهواشي في أحاديثه عن ملف الطاقة أن الدولة تتجه إلى إجراءات ترشيد بسبب ضغوط الوقود وكلفة الإمدادات، بينما يؤكد المهندس مدحت يوسف نائب رئيس هيئة البترول الأسبق أن ارتفاع تكلفة الاستيراد والاعتماد على الأسواق الخارجية يزيد الضغط على الموازنة العامة. وهذا السياق المالي يفسر إصرار الحكومة على تخفيض الدعم، لكنه لا يمنحها حق تمرير الأعباء على المواطنين بصيغة مبهمة أو بقرار غير مشروح بما يكفي.

 

وبعد ذلك، يصبح مطلب الشفافية أكثر إلحاحًا من أي وقت سابق، لأن المواطن الذي يواجه زيادات متتالية في أسعار السلع والخدمات لا يستطيع استيعاب فاتورة كهرباء مرتفعة من دون بيان تفصيلي يوضح سعر الكيلووات ونظام الشرائح وسبب اختلاف العداد الكودي عن العداد التقليدي. كما أن وجود نموذج رسمي لتقديم الشكاوى لا يكفي وحده، ما دامت الجهة المنفذة لم تقدم تفسيرًا عامًا ومباشرًا يسبق انفجار السخط الشعبي.

 

وأمام ذلك، تبدو الأزمة الحالية أكثر من مجرد خلاف على حسابات الاستهلاك، لأنها تكشف طريقة إدارة حكومية تفضّل الإعلان المريح على الإفصاح الكامل، وتترك المواطن يكتشف الزيادة من شاشة الشحن أو من فاتورة نهاية الشهر. هذه الممارسة تضعف الثقة في سياسة أسعار الكهرباء في مصر، وتؤكد أن العداد الكودي تحول من أداة تقنين إلى أداة جباية أشد كلفة على فئة أصلًا تعيش تحت ضغط اقتصادي متصاعد، بينما تواصل الحكومة الحديث عن الحماية الاجتماعية بلغة لا تجد ترجمتها في الفاتورة.