تفتح تصريحات الرئيس السوري أحمد الشرع بشأن بطلان الاعتراف الأمريكي بسيادة إسرائيل على هضبة الجولان بابًا واسعًا لفهم طبيعة المرحلة السياسية التي تمر بها سوريا، ليس فقط على مستوى علاقتها بإسرائيل، ولكن أيضًا في ما يتعلق بعلاقتها بالقوى الدولية والإقليمية التي تعيد ترتيب أولوياتها في المنطقة.

فالموقف الذي أعلنه الشرع خلال مشاركته في منتدى أنطاليا الدبلوماسي لم يكن مجرد إعادة تذكير بموقف سوري تقليدي من أرض محتلة، بل جاء في لحظة إقليمية بالغة الحساسية، تتداخل فيها حسابات الحرب والتهدئة، والتطبيع وإعادة التموضع، والانفتاح الأمريكي المشروط على دمشق.

لذلك بدت الرسالة السورية مزدوجة؛ فمن جهة أكدت دمشق أنها لا تقبل المساس بالسيادة الوطنية أو شرعنة الاحتلال بقرار أحادي من دولة أجنبية، ومن جهة أخرى حرصت على إبقاء خطابها ضمن حدود سياسية محسوبة، تتجنب فتح جبهة تصعيد جديدة في توقيت يبدو فيه النظام الإقليمي كله في حالة إعادة تشكيل.

 

وتزداد أهمية هذه التصريحات لأن ملف الجولان لا يتحرك في فراغ قانوني أو سياسي، بل يرتبط مباشرة بمسار طويل من النزاع العربي الإسرائيلي، وبمرجعيات دولية تعتبر الهضبة أرضًا سورية محتلة، رغم القرار الأمريكي الذي اتخذه دونالد ترامب خلال ولايته بالاعتراف بسيادة إسرائيل عليها.

وفي هذا السياق، فإن إعادة طرح الملف بهذه الصيغة من جانب الشرع لا تعني فقط رفضًا سياسيًا للقرار الأمريكي، بل تشير أيضًا إلى رغبة سورية في تثبيت خطوط تفاوضية مسبقة أمام أي محاولات لإدماج دمشق في ترتيبات إقليمية جديدة عنوانها التهدئة والانفتاح وربما التطبيع غير المباشر.

وهنا لا تبدو تصريحات الشرع مجرد رد فعل على موقف أمريكي سابق، بل جزءًا من محاولة أوسع لتعريف حدود الحركة السورية في لحظة معقدة، حيث تريد دمشق كسر العزلة واستعادة موقعها الإقليمي، لكنها في الوقت نفسه لا تريد أن تدفع ثمن ذلك بتقديم تنازلات تمس ملفًا سياديًا بالغ الحساسية مثل الجولان.

 

الجولان كورقة سيادية لا تقبل المقايضة

 

يحمل تأكيد أحمد الشرع أن الاعتراف الأمريكي بسيادة إسرائيل على الجولان “باطل” دلالة سياسية وقانونية تتجاوز الخطاب الرمزي، لأنه يعيد تثبيت الموقف السوري الرسمي من قضية تعد في صميم مفهوم السيادة الوطنية.

فدمشق أرادت أن تقول بوضوح إن أي قرار يصدر عن واشنطن أو غيرها لا يغيّر من حقيقة أن الجولان أرض محتلة وفق المرجعيات الدولية، وأن شرعية الأرض لا تُعاد صياغتها بقرارات أحادية مهما كان وزن الدولة التي تصدرها.

ومن هنا فإن هذه التصريحات بدت بمثابة إعلان تمسك بالمبدأ قبل أي نقاش في الترتيبات السياسية المقبلة.

 

ويكتسب هذا الموقف أهمية إضافية لأن الجولان ليس ملفًا حدوديًا عابرًا يمكن إدراجه ضمن مساومات تكتيكية، بل يمثل عقدة مركزية في أي تصور للعلاقة المستقبلية بين سوريا وإسرائيل.

ولذلك فإن ربط الشرع بين الأرض وموافقة الشعب يعكس محاولة لإضفاء شرعية داخلية على هذا الموقف، في وقت تتزايد فيه التكهنات حول إمكان دفع دمشق نحو مسارات انفتاح إقليمي قد تتضمن تفاهمات أمنية أو سياسية غير معلنة.

بهذا المعنى، فإن الحديث عن بطلان الاعتراف الأمريكي ليس مجرد رفض لقرار ترامب، بل رسم مبكر لحدود أي تفاوض محتمل.

 

كما أن الإشارة السورية إلى اتفاق فض الاشتباك لعام 1974 تكشف أن دمشق لا تغلق الباب أمام مقاربات أمنية عملية، لكنها تريد أن تنطلق من مرجعيات معترف بها لا من وقائع فرضها الاحتلال أو كرستها قرارات أمريكية منحازة.

فاستدعاء اتفاق 1974 لا يعني قبولًا بالأمر الواقع، بل يعبر عن رغبة في العودة إلى صيغة تضبط التوتر وتحفظ الحد الأدنى من التوازن، من دون الانزلاق إلى اعتراف سياسي أو قانوني بالمكاسب الإسرائيلية في الجولان.

 

تهدئة محسوبة لتجنب الانخراط في صراعات جديدة

 

في مقابل الحزم الواضح في ملف الجولان، حملت تصريحات الشرع نبرة تهدئة ملحوظة في ما يتعلق بالتصعيد الإقليمي الأوسع، خاصة عبر تأكيده أن سوريا لم تكن طرفًا في المواجهات الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران أو بين إسرائيل وإيران.

وهذه الرسالة ليست تفصيلًا في الخطاب، بل تعكس أولويات سورية جديدة تحاول تجنب دفع كلفة الانخراط في صراعات مفتوحة تتجاوز قدرات الدولة المنهكة بعد سنوات طويلة من الحرب والعزلة والضغوط الاقتصادية.

 

ويعني ذلك أن دمشق تحاول تقديم نفسها بوصفها طرفًا يبحث عن الاستقرار لا عن توسيع ساحات الاشتباك، وهي رسالة موجهة إلى أكثر من جهة في الوقت نفسه.

فهي تطمئن القوى الإقليمية بأن سوريا لا ترغب في التحول إلى منصة تصعيد إضافية، وتبعث بإشارة إلى واشنطن بأن خطابها السيادي بشأن الجولان لا يجب أن يُفسر باعتباره دعوة إلى المواجهة.

لذلك فإن الجمع بين رفض الاعتراف الأمريكي والحرص على عدم الانخراط في النزاعات يعكس محاولة دقيقة للفصل بين الثوابت الوطنية والحسابات الاستراتيجية اليومية.

 

وتكشف هذه المقاربة أن القيادة السورية تدرك أن أي اندفاع غير محسوب في هذه المرحلة قد يعرقل فرص الانفتاح الدبلوماسي أو يضعها مجددًا في قلب صراعات إقليمية لا تملك أدوات التحكم في مساراتها.

ولهذا يبدو أن الشرع اختار لغة سياسية تجمع بين تثبيت الحق السوري في الجولان، وبين التأكيد أن بلاده تفضل الحلول الدبلوماسية وتقديم أولوية الاستقرار الداخلي على أي مغامرة خارجية.

وهذا التوازن قد يكون أحد أهم ملامح إعادة التموضع السوري في المرحلة الحالية.

 

حدود التطبيع وفرص إعادة التموضع الدبلوماسي

 

تأتي أهمية تصريحات الشرع أيضًا من توقيتها، إذ تتزامن مع تصاعد تحليلات تتحدث عن إمكان دخول سوريا في مرحلة إعادة تموضع دبلوماسي تدريجي، قد تشمل فتح قنوات غير مباشرة مع إسرائيل ضمن ترتيبات إقليمية أوسع.

وفي هذا السياق، يصبح ملف الجولان اختبارًا حقيقيًا لحدود أي انفتاح محتمل، لأنه يمثل النقطة التي يصعب على دمشق تجاوزها دون أن تخسر شرعيتها السياسية داخليًا وإقليميًا.

لذلك فإن التشدد في هذا الملف لا ينفي وجود حراك دبلوماسي، بل يحدد سقفه وحدوده.

 

ومن هنا يمكن فهم التصريحات السورية باعتبارها محاولة استباقية لوضع “خطوط حمراء” قبل أي ضغوط خارجية محتملة.

فدمشق تريد أن تقول إنها قد تنخرط في مقاربات جديدة تخص الاستقرار الإقليمي أو التفاهمات الأمنية، لكنها لن تدخل هذه المسارات من بوابة التسليم بالقرارات الأمريكية السابقة أو القبول بشرعنة الاحتلال.

وهذا يفسر لماذا رأى بعض المراقبين أن التصريحات لا تستهدف استفزاز واشنطن بقدر ما تستهدف تثبيت موقف تفاوضي يمنع تفسير الانفتاح السوري على أنه استعداد لتقديم تنازلات مجانية.

 

في الوقت نفسه، تبدو واشنطن أمام معادلة معقدة إذا قررت الاستمرار في مقاربة أكثر مرونة تجاه دمشق.

فهي تدرك أن الضغط لفرض وقائع سياسية نهائية في ملف الجولان قد ينسف أي فرص لاستيعاب سوريا ضمن ترتيبات إقليمية جديدة، لكنها من ناحية أخرى لا تبدو مستعدة بسهولة للتراجع عن إرث قرار ترامب أو تحدي المقاربة الإسرائيلية.

لذلك قد تتعامل الإدارة الأمريكية مع تصريحات الشرع بوصفها جزءًا من تثبيت المواقف لا إعلانًا عن صدام وشيك، وهو ما يفتح المجال أمام استمرار الاتصالات غير المباشرة من دون حسم القضايا الكبرى.

 

في المحصلة، تعكس تصريحات أحمد الشرع معادلة سورية دقيقة تحاول الجمع بين التمسك بالسيادة على الجولان، وتجنب التورط في صراعات إقليمية جديدة، وترك الباب مواربًا أمام إعادة التموضع الدبلوماسي.

وهذا يعني أن دمشق لا تتحرك اليوم بمنطق الرفض المطلق ولا بمنطق الانفتاح غير المشروط، بل بمنطق إدارة التوازنات في لحظة إقليمية شديدة التعقيد.

ومن ثم فإن الجولان سيبقى، على الأرجح، العنوان الأوضح الذي يكشف حدود ما يمكن أن تقبله سوريا وما ترفضه في أي ترتيب سياسي مقبل.