حذّر صندوق النقد الدولي في تقريره الأخير عن المالية العامة من أن الحرب الدائرة في الشرق الأوسط أضافت ضغطًا جديدًا على موازنات الدول في وقت تعاني فيه المالية العامة أصلًا من ارتفاع الدين وكلفة الاقتراض واتساع الاحتياجات الاجتماعية، بينما جاءت الرسالة الأوضح من واشنطن ضد سياسات دعم الوقود الواسع، مع دعوة صريحة إلى ترك الأسعار تتحرك والانتقال إلى تحويلات نقدية موجهة للفئات الأكثر احتياجًا. هذا التوجه لا يبدو نظريًا في الحالة المصرية، لأن القاهرة دخلت أصلًا في مسار متسارع لخفض دعم الطاقة وربط الأسعار بالكلفة الفعلية، ثم جاء ارتفاع أسعار النفط والغاز إقليميًا ليمنح الحكومة مبررًا جديدًا لتحميل السوق والمستهلك الكلفة المباشرة. وفي هذا السياق لم يعد الجدل متعلقًا فقط بما يريده الصندوق، بل بما إذا كانت الدولة ستواصل تنفيذ الوصفة نفسها رغم ما تركته موجات الرفع السابقة من أثر واضح على التضخم ومعيشة الأسر.
تأتي هذه التطورات بينما تظهر المؤشرات المصرية الأخيرة أن الضغط انتقل فعلًا من غرف التفاوض إلى الأسواق وفواتير الخدمات، بعد رفع أسعار الوقود في مارس بنسب تراوحت بين 14% و17%، ثم رفع أسعار الكهرباء على الشرائح الأعلى استهلاكًا والأنشطة التجارية في أبريل، بالتوازي مع تباطؤ بعض المشروعات الحكومية وتقليص الاستهلاك الرسمي للطاقة بسبب تضاعف فاتورة الواردات. وفي الوقت نفسه خفّضت الحكومة مخصصات دعم الطاقة في مشروع موازنة 2026 و2027 بنحو 20% إلى 120 مليار جنيه بدلًا من نحو 150 مليارًا في السنة الجارية، رغم أن الحرب رفعت المخاطر ولم تخفضها. هذا التزام سياسي ومالي واضح بأن عبء الصدمة لن تتحمله الخزانة بالقدر نفسه، بل سيُنقل تدريجيًا إلى المستهلك والسوق، وهي معادلة تفتح الباب أمام دورة تضخمية جديدة تمس النقل والكهرباء والغذاء معًا.
تحذير صندوق النقد يربط الحرب بديون أعلى وموازنات أضعف
ويأتي تحذير صندوق النقد في لحظة مالية مضغوطة عالميًا، إذ قال رودريجو فالديز مدير إدارة شؤون المالية العامة إن الاقتصاد العالمي يتعرض لاختبار جديد بسبب الحرب في الشرق الأوسط، بينما تعاني المالية العامة في دول كثيرة من مساحة حركة أقل بسبب تراكم الأعباء السابقة. كما شدد على أن ارتفاع أسعار الوقود والغذاء يخلق طلبًا واسعًا على الدعم، لكن هذا الدعم يجب ألا يهدد الاستدامة المالية.
ثم أوضح فالديز أن الصندوق يرفض الدعم الواسع للطاقة أو خفض الضرائب عليها باعتباره أداة مكلفة وتشوه الأسعار وتفيد شرائح أوسع من المستحقين وتصعب إزالتها لاحقًا. ولذلك دعا إلى تدخل مؤقت وموجه للفئات الأكثر هشاشة، مع الحفاظ على إشارات الأسعار حتى يتكيف الطلب مع المعروض ولا تتفاقم الأزمة على المستوى الدولي.
وفي السياق نفسه أظهرت تقديرات الصندوق أن الدين العالمي بلغ 93.9% من الناتج في 2025، مع توقع صعوده إلى نحو 100% خلال السنوات القليلة المقبلة، وقد يصل إلى 121% في سيناريو شديد السوء. هذه الأرقام تعني أن المؤسسة الدولية تنظر إلى صدمة الطاقة الحالية باعتبارها عبئًا إضافيًا على أوضاع مالية متدهورة أصلًا، لا حادثًا عابرًا يمكن امتصاصه بسهولة.
كما ربطت بيتيا كويفا بروكس نائبة مدير إدارة البحوث في الصندوق بين ارتفاع أسعار الطاقة والتوترات الإقليمية وبين خفض توقعات نمو الاقتصاد المصري في 2026 إلى 4.2%، بتراجع قدره 0.5 نقطة مئوية. هذا التخفيض لا يخص معدل النمو فقط، بل يعكس تقييمًا بأن كلفة الحرب تنتقل مباشرة إلى الاستثمار والطلب والأسعار في دولة تستورد قدرًا مهمًا من احتياجاتها الطاقية.
إنهاء دعم الوقود لم يعد احتمالًا بل مسارًا حكوميًا قائمًا
ثم تكشف وثائق برنامج مصر مع صندوق النقد أن الحكومة لم تعد تتعامل مع خفض دعم الوقود بوصفه خيارًا مؤجلًا، بل بوصفه التزامًا محدد الجدول. فقد ذكر تقرير الصندوق عن مصر أن الحكومة أزالت الدعم عن منتجات وقود رئيسية، وأنها ستعود بحلول نهاية يونيو 2026 إلى آلية التسعير التلقائي بما يضمن انعكاس كلفة الاستيراد والاسترداد الكامل في الأسعار المحلية.
كما أوضح التقرير نفسه أن القاهرة رفعت بالفعل أسعار البنزين والسولار بمقدار 2 جنيه في 11 أبريل ثم رفعتها مرة أخرى في 17 أكتوبر، وأنها حققت مستوى استرداد الكلفة في المنتجات الخاضعة لآلية التسعير ومنها البنزين بأنواعه والسولار والمازوت. هذه الصياغة لا تترك مساحة كبيرة للالتباس، لأن الهدف المعلن لم يعد تخفيف العبء عن المستهلك بل تثبيت التسعير الكامل.
وبعد ذلك جاء القرار الحكومي في 10 مارس 2026 ليرفع أسعار الوقود مرة أخرى بنسب وصلت إلى 17%، حيث صعد سعر السولار إلى 20.50 جنيه للتر، وارتفع بنزين 80 إلى 20.75 جنيه، وبنزين 92 إلى 22.25 جنيه، وبنزين 95 إلى 24 جنيهًا. وربطت وزارة البترول القرار مباشرة بالتطورات الجيوسياسية وتأثيرها على أسواق الطاقة العالمية.
وفي موازاة ذلك خفّضت الحكومة مخصصات دعم الطاقة في مشروع موازنة 2026 و2027 إلى 120 مليار جنيه بدلًا من نحو 150 مليارًا في السنة الحالية، بينما قال وزير المالية أحمد كجوك إن الهدف هو ترشيد الإنفاق وتحسين الكفاءة وإعادة توجيه الموارد. هذا الخفض المالي يأتي بينما ترتفع المخاطر الخارجية، ما يعني أن أولوية الخزانة أصبحت ضبط الأرقام لا تخفيف أثر الصدمة على المستهلكين.
المحصلة في مصر تضخم أعلى وكلفة معيشة أشد على الأسر|
ثم ظهرت النتيجة سريعًا في البيانات المحلية، إذ تسارع التضخم الحضري في مارس 2026 إلى 15.2% بعد أن كان 13.4% في فبراير، مع زيادة شهرية بلغت 3.2%، وهي قراءة ربطتها التغطيات الاقتصادية بارتفاع كلفة الطاقة والوقود. هذه القفزة تؤكد أن نقل كلفة الوقود إلى السوق لم يتوقف عند محطات البنزين، بل امتد إلى السلع والخدمات ووسائل النقل.
كما رصدت تغطيات ميدانية في السوق المصري ارتفاعات في بعض السلع الغذائية خلال الأسابيع الأخيرة، من بينها زيادة أسعار زيوت الطهي بنحو 5 إلى 7 جنيهات للتر وارتفاع الأرز بنحو 3 جنيهات للكيلوغرام. وفي هذا الإطار قال فخري الفقي الرئيس السابق للجنة الخطة والموازنة بمجلس النواب إن موجة جديدة من ارتفاع الأسعار مرجحة إذا استمرت التوترات الإقليمية.
وبعد رفع الوقود اتجهت الحكومة كذلك إلى رفع أسعار الكهرباء على الشرائح الأعلى استهلاكًا والمستخدمين التجاريين اعتبارًا من أبريل، مع إبقاء الشرائح الأقل استهلاكًا دون تغيير. وقد قالت وزارة الكهرباء إن الزيادة على الشرائح السكنية الأعلى بلغت في المتوسط 16%، بينما وصلت الزيادة على الأنشطة التجارية إلى نحو 20%، وهو ما يضيف طبقة جديدة من الضغوط على الأسعار.
وفي الخلفية نفسها قال رئيس الوزراء مصطفى مدبولي إن فاتورة واردات الطاقة المصرية تضاعفت أكثر من مرة منذ اندلاع الحرب، وهو ما دفع الحكومة إلى رفع أسعار الوقود وزيادة أجرة النقل العام وإبطاء بعض المشروعات الحكومية. هذا الاعتراف الرسمي يوضح أن السلطة اختارت مواجهة الصدمة عبر تمرير جزء معتبر من تكلفتها إلى الداخل بدلًا من امتصاصها ماليًا.
كما أن المسار لا يبدو مؤقتًا، لأن الصندوق يوصي صراحة بالابتعاد عن الدعم الواسع، والحكومة المصرية تنفذ فعليًا خفضًا في المخصصات وتوسعًا في التسعير الكامل، بينما تبقى التحويلات النقدية المحدودة عاجزة عن احتواء أثر الزيادات المتتالية على النقل والإنتاج والغذاء. ولذلك فإن النتيجة الأقرب ليست إصلاحًا محايدًا، بل إعادة توزيع قاسية للأعباء تنقل الصدمة من دفاتر الموازنة إلى موائد الناس.
وأخيرًا لا تبدو المشكلة في مصر مرتبطة فقط بتوصية خارجية أو حرب إقليمية، بل بخيار حكومي مستمر يضع الانضباط المالي فوق كلفة المعيشة، ثم يطلب من الأسر أن تتكيف وحدها مع أسعار وقود وكهرباء وغذاء أعلى. وبينما يطالب الصندوق بالحفاظ على إشارات السوق، يدفع المصريون عمليًا ثمن هذه الإشارات في كل رحلة نقل وكل فاتورة وكل سلعة أساسية، من دون أي مؤشر جدي على أن موجة الغلاء الحالية ستكون الأخيرة.

