خفض صندوق النقد الدولي توقعاته لمعدل نمو الاقتصاد المصري خلال العام المالي 2025/2026 إلى 4.2%، بعد عام مالي سابق سجل فيه الاقتصاد نموًا عند 4.4%، في تطور يعيد ملف الأداء الاقتصادي إلى الواجهة من باب الضغوط لا من باب الدعاية الرسمية. هذا الخفض لا يفتح نقاشًا تقنيًا محدودًا حول نسب النمو فقط، بل يضع الحكومة أمام سؤال مباشر يتعلق بقدرتها على حماية الموارد الدولارية الأساسية، وفي مقدمتها إيرادات قناة السويس، في وقت لا تزال فيه آثار الاضطراب الإقليمي تضغط على التجارة والسياحة وتكلفة التمويل.
ورجح الصندوق، في التقدير ذاته، أن يسجل الاقتصاد المصري نموًا عند 4.8% خلال العام المالي 2026/2027، لكنه خفض هذه الرؤية قياسًا بتوقعاته السابقة في يناير 2025 التي وضعت النمو عند 4.7% للعام الجاري و5.4% للعام التالي، بحسب الأرقام الواردة في الخبر محل المتابعة. وجاء هذا التحول في سياق تقرير “آفاق الاقتصاد العالمي” الصادر في أبريل 2025، وهو التقرير الذي أقر أصلًا بتصاعد عدم اليقين العالمي وتزايد المخاطر الهابطة على النمو.
الخفض الجديد يعيد تقييم خطاب التعافي الرسمي
وبهذا المعنى، فإن خفض التوقعات إلى 4.2% لا يبدو تعديلًا عابرًا في جدول الصندوق، بل يبدو تصحيحًا لخطاب رسمي بالغ في عرض مسار التعافي باعتباره مستقرًا ومحصنًا ضد الصدمات. فالصندوق نفسه أوضح، في صفحة مصر الرسمية، أن مجلسه التنفيذي أنهى في 10 مارس 2025 المراجعة الرابعة لبرنامج التمويل، ما يعني أن التقديرات الجديدة جاءت بعد فحص مباشر لأداء الاقتصاد والسياسات المرتبطة به.
ثم إن تقرير “آفاق الاقتصاد العالمي” الصادر في 22 أبريل 2025 أكد أن الاقتصاد العالمي دخل مرحلة تتراجع فيها توقعات النمو وتتصاعد فيها المخاطر المرتبطة بتحولات السياسات وعدم اليقين. وهذا الإطار الدولي يفسر لماذا تعامل الصندوق بحذر مع الاقتصادات المعرضة لصدمات التجارة والتمويل، ومنها مصر التي تعتمد على موارد خارجية شديدة الحساسية لأي اضطراب إقليمي أو مالي.
وفي هذا السياق، قال بيير أوليفييه جورينشاس، كبير الاقتصاديين في صندوق النقد الدولي، إن الاقتصاد العالمي يحتاج إلى “بيئة تجارية واضحة ومستقرة ويمكن التنبؤ بها”، محذرًا من أن تصاعد التوترات التجارية والضبابية السياسية يبطئ النمو بشكل ملموس. وتكتسب هذه الملاحظة وزنًا مباشرًا في الحالة المصرية، لأن أي اضطراب إضافي في التجارة والتمويل ينعكس سريعًا على بلد يعاني أصلًا من ضغط الواردات والدين وكلفة العملة.
التوترات الإقليمية تضرب الموارد الدولارية قبل أن تضرب نسب النمو
لكن جوهر المسألة لا يقف عند رقم النمو نفسه، لأن التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط أصابت بالفعل بعض أهم مصادر النقد الأجنبي لمصر. فقد أشار استطلاع لرويترز إلى أن أزمة غزة ألحقت ضررًا بالاقتصاد المصري عبر هبوط إيرادات قناة السويس بأكثر من النصف وتباطؤ نمو السياحة، وهما مصدران رئيسيان للعملة الصعبة. وعندما يضعف هذان المصدران، يصبح خفض التوقعات نتيجة متوقعة لا استثناء مفاجئًا.
لذلك، فإن قراءة الصندوق للعام المالي الجاري تنسجم مع أثر ممتد لا مع حادث مؤقت. فالموقع الرسمي للصندوق أشار لاحقًا، في وثائق مصر، إلى أن اضطرابات البحر الأحمر خفضت تدفقات النقد الأجنبي من قناة السويس بنحو 6 مليارات دولار في 2024، وأن حركة العبور ظلت عند نحو ثلث مستويات ما قبل الأزمة. وهذه الأرقام تشرح لماذا بقيت نظرة المؤسسات الدولية حذرة رغم كل حديث رسمي عن التعافي.
وهنا برز رأي الخبير الاقتصادي هاني جنينة، الذي قال في أغسطس 2025 إن خفض توقعات الصندوق للنمو كان “مفاجئًا وغير متسق” مع أداء قطاعات شهدت تحسنًا، لكنه ربط هذا الحذر باستمرار أزمة الممرات الملاحية وتأخر تعافي قناة السويس. وأوضح أن تباطؤ استعادة هذا المورد الحيوي يبرر تشدد الصندوق، حتى مع تحسن السياحة وبعض الأنشطة الأخرى.
التعافي المتوقع يبقى مشروطًا بإصلاحات لم تستكمل بعد
غير أن توقع نمو 4.8% في العام المالي 2026/2027 لا يعني أن الأزمة انحسرت، بل يعني فقط أن الصندوق يتوقع تحسنًا مشروطًا إذا تراجعت الضغوط الخارجية واستمرت الإجراءات المتفق عليها مع الحكومة. فالمجلس التنفيذي للصندوق ربط استكمال المراجعة الرابعة في مارس 2025 ببرنامج التسهيل الممدد وبحزمة أوسع من التزامات الإصلاح، ما يؤكد أن أي تحسن لاحق يظل مرتبطًا بتنفيذ لا يزال محل اختبار.
كما أن تقديرات رويترز في 2025 أظهرت أن متوسط توقعات الاقتصاديين لنمو مصر في 2025/2026 بلغ 4.6%، مع تسارع لاحق إلى 4.9% في 2026/2027، وهو مسار قريب من فكرة التعافي التدريجي لكنه يظل أقل من الوعود الحكومية الواسعة. وهذا الفارق بين التقديرات الدولية والخطاب المحلي يكشف أن السوق والمؤسسات لا تمنحان الحكومة شيكًا مفتوحًا، بل تنتظران نتائج قابلة للقياس.
ومن هذه الزاوية، قال جيمس سوانستون، الخبير في “كابيتال إيكونوميكس”، إن التشديد المالي والنقدي مع ضعف الجنيه بعد اتفاق الصندوق سيضغطان على النمو في الأجل القريب، لكنه أبدى تفاؤلًا أكبر ابتداء من العام المالي 2025/2026. وتوضح هذه القراءة أن التعافي المتوقع لا يقوم على توسع مريح، بل على عبور مكلف عبر أسعار فائدة مرتفعة وسياسة انكماشية نسبيًا.
كذلك، أشار محمد أبو باشا، رئيس التحليل الكلي في “إي إف جي هيرميس”، في أحاديث منشورة خلال 2025، إلى أن المنطقة تواجه تباطؤًا عالميًا وضغوطًا ناتجة عن التوترات التجارية وتغير تدفقات رأس المال، وهي عوامل لا تسمح بالتعامل مع أرقام النمو المصرية باعتبارها منفصلة عن محيطها. وتدعم هذه الرؤية ما أورده الصندوق نفسه عن ارتفاع عدم اليقين العالمي وتراجع البيئة الداعمة للنمو.
وبناء على ذلك، فإن الخلاصة التي يفرضها خفض التوقعات ليست أن الاقتصاد المصري انهار، لكنها أيضًا ليست الرواية الرسمية التي تقدم كل ارتفاع طفيف باعتباره نجاحًا محسومًا. فالصندوق خفض التوقعات في تقرير دولي رئيسي، وربط المشهد العالمي بتصاعد المخاطر، بينما بقيت مصر معرضة لضربات مباشرة في قناة السويس والسياحة والتمويل. ولهذا تبدو نسبة 4.2% رقمًا سياسيًا بقدر ما هي رقم اقتصادي.

