فتحت تصريحات رئيس حركة ميدان رضا فهمي في حوار خاص مع شبكة رصد بابًا واسعًا للنقاش حول طريقة قائد الانقلاب العسكري عبد الفتاح السيسي في إدارة السلطة، بعدما قال إن السيسي لا يحب وجود شخصيات قوية بجواره، وإنه يحمل هاجسًا دائمًا من المصير الذي أنزله بمحمد مرسي، ولذلك يواصل تغيير القيادات، خصوصًا داخل المؤسسة العسكرية.

 

هذا الطرح لم يمر بوصفه تعليقًا سياسيًا عابرًا، بل تحول سريعًا إلى مادة كثيفة للتفاعل على منصات التواصل، حيث التقطه معارضون باعتباره تفسيرًا مباشرًا لحالة التدوير المستمر داخل دوائر الحكم، ولطريقة اختيار مسؤولين لا يملكون هامشًا حقيقيًا للاعتراض أو المبادرة. وقد بدا واضحًا أن التفاعل لم يقف عند حدود إعادة نشر التصريح، بل تجاوزه إلى محاولة تفكيك ما يراه معارضون بنية حكم قائمة على الخوف من الشريك، والارتياب من صاحب الخبرة، وتفضيل من ينفذ على من يناقش.

 

وفي هذا السياق، جاءت التعليقات المتداولة على منصة إكس لتقدم صورة أكثر حدة عن المزاج المعارض، إذ ربط بعضها بين تبديل القيادات وبين بحث السلطة عن شخصيات مطواعة لا تنازع مركز القرار، فيما ذهب بعضها الآخر إلى اتهام الدائرة المحيطة بالسيسي بالعجز والتبعية وغياب الكفاءة السياسية والمهنية. كما توسعت تعليقات إضافية في إطلاق اتهامات جسيمة وغير موثقة بشأن طبيعة التحالفات التي تحمي النظام داخليًا وخارجيًا، وهو ما يكشف مستوى الغضب الذي يحكم الخطاب المتداول أكثر مما يقدم وقائع قابلة للإثبات. وبين هذا وذاك، بدا أن النقاش لم يعد متعلقًا فقط بتصريح رضا فهمي، بل بطبيعة النظام نفسه كما يراه خصومه، وبالسؤال الذي يتكرر كلما تبدلت الوجوه وبقيت السياسات على حالها، من يحكم فعليًا، ولماذا يضيق المجال كل مرة بمن يملك رأيًا أو خبرة أو شخصية مستقلة.

 

قيادة تخشى الند

 

ثم جاء تصريح رضا فهمي ليضع المسألة في إطار سياسي مباشر، إذ قال إن السيسي لا يحب وجود شخصيات قوية بجواره، وإن هاجسه الدائم من المصير الذي ألحقه بمرسي يدفعه إلى تغيير القيادات باستمرار، وخاصة في المؤسسة العسكرية. هذا الطرح قدم تفسيرًا واضحًا لطريقة إدارة الدائرة الحاكمة، حيث تتحول الشكوك السياسية إلى معيار دائم في الاختيار والاستبعاد.

 

وبعد ذلك، التقطت تعليقات متداولة هذا المعنى بصياغة أكثر خشونة، إذ كتب أحد المعلقين أن الحاكم محدود الذكاء لا يستقدم من هو أذكى منه، بل يبحث عمن يقوده بلا اعتراض، وقدم مصطفى مدبولي مثالًا على ذلك من وجهة نظره. هذه الصياغة عكست اتجاهًا واسعًا داخل الخطاب المعارض يرى أن معيار الولاء يتقدم على معيار الكفاءة.

 

 

 

وفي قراءة أوسع لهذا النمط، يرى الباحث السياسي عمار علي حسن أن الأنظمة المغلقة تميل إلى تضييق المجال أمام الشخصيات المستقلة، لأنها تعتبر النفوذ الشخصي داخل مؤسسات الدولة مصدر قلق لا مصدر توازن. وبذلك يكتسب حديث رضا فهمي وزنًا إضافيًا، لأنه يربط بين تبديل القيادات وبين منطق حكم يخشى الشراكة ويعيد إنتاج الطاعة.

 

وعلى هذا الأساس، لم تعد مسألة تغيير القيادات تبدو إجراءً إداريًا عاديًا في نظر المعارضين، بل صارت جزءًا من هندسة سياسية تبقي مركز القرار معزولًا عن أي شريك قوي. ومن هنا اكتسبت تصريحات رضا فهمي هذا الحضور، لأنها لامست تفسيرًا متداولًا منذ سنوات داخل المجال العام، يربط استقرار الحاكم بضعف من حوله.

 

حين تصير الكفاءة عبئًا

 

ثم اتجهت تعليقات أخرى إلى الدائرة التنفيذية المحيطة بالسيسي، حيث كتب أحد المعلقين أن المشكلة لا تقف عند شخص الحاكم، بل تمتد إلى مسؤولين يفتقدون الرؤية والشخصية، ويتنازلون عن علمهم الأكاديمي أمام أوامره واقتراحاته. هذا الاتهام نقل النقاش من رأس السلطة إلى بنية الطاعة التي تسمح بتمرير القرار حتى عندما تكون كلفته مرتفعة.

 

 

وبعدها، توسع صاحب التعليق نفسه في الربط بين هذا النمط وبين ملف حقل ظهر، قائلًا إن المهندسين وافقوا على قرارات تخصيف كثافة الإنتاج رغم معرفتهم بنتائجها، بما أدى إلى خروج الحقل عن الخدمة وخدمة مصالح إسرائيل على حد تعبيره. وهذا اتهام سياسي حاد يعكس مستوى انعدام الثقة، لكنه يظل في نطاق الرأي المتداول لا في نطاق الوقائع المثبتة.

 

وفي هذا الإطار، تشير الدكتورة عالية المهدي في مداخلات عديدة حول الإدارة العامة والاقتصاد إلى أن غياب المؤسسات الفاعلة يرفع كلفة القرار الخاطئ، لأن السلطة حين تحتكر التوجيه وتضعف آليات المراجعة، فإن الأجهزة التنفيذية تتحول إلى أدوات تصديق لا أدوات تصحيح. ومن هنا تبدو أزمة الكفاءة مرتبطة مباشرة بشكل الحكم لا بالأفراد وحدهم.

 

ولذلك اكتسب الهجوم على المحيطين بالسيسي هذا الزخم، لأن كثيرين لم يعودوا يقرأون الإخفاقات الاقتصادية والمشروعات المتعثرة باعتبارها أخطاء منفصلة، بل باعتبارها نتيجة مباشرة لبنية تفضل المطيع على الخبير. وعندما يترسخ هذا الانطباع، يصبح كل فشل جديد دليلًا إضافيًا عند المعارضين على أن الدولة تدار بلا مراجعة حقيقية.

 

من نقد السلطة إلى الانفجار الاتهامي على السوشيال

 

ثم ذهبت تعليقات أخرى إلى مستوى أكثر تطرفًا، حيث ربط أحد المعلقين بقاء السيسي في الحكم بحماية خارجية وداخلية، وأطلق اتهامات غير موثقة تتعلق بشبكات نفوذ وأجهزة عسكرية وعلاقات دولية. هذه اللغة لا تقدم مادة خبرية قابلة للتثبيت، لكنها تكشف كيف يدفع انسداد المجال العام بعض الخطابات المعارضة إلى القفز من النقد السياسي إلى الاتهام المطلق.

 

 

وبعد ذلك، يصبح مهمًا التمييز بين ما هو قابل للتوثيق وما هو تعبير عن غضب سياسي منفلت. فالثابت في هذا الملف أن تصريح رضا فهمي تناول خوف السيسي من الشخصيات القوية ومن تكرار مصير مرسي، أما ما أضيف إليه في بعض التعليقات فدخل منطقة الاتهامات الجسيمة غير المسندة. وهذا الفارق ضروري حتى في الكتابة المعارضة الجادة.

 

وفي قراءة مرتبطة بطبيعة المجال السياسي، يرى الدكتور سيف الدين عبدالفتاح أن النظم التي تُغلق أبواب السياسة وتضيّق المجال العام تدفع المجتمعات إلى إنتاج خطاب مشحون يفقد تدريجيًا أدوات التدقيق والتمييز. ومن هنا يمكن فهم تصاعد اللغة الانفعالية على المنصات بوصفه أثرًا من آثار القمع السياسي، لا دليلًا قائمًا بذاته على صحة كل ما يقال.

 

ولذلك فإن الحصيلة الأوضح لهذا الجدل لا تكمن في أكثر التعليقات تطرفًا، بل في القاسم المشترك الذي جمعها جميعًا، وهو أن صورة السيسي لدى قطاع واسع من المعارضين باتت مرتبطة بحاكم يغيّر الوجوه لكي يضمن ضعفها، ويُبقي المؤسسات في حالة تبعية، ويحوّل المجال العام إلى ساحة غضب لا ساحة مساءلة. وهذه خلاصة سياسية ثقيلة لا تبددها كثرة التبديل ولا ضجيج الدعاية.

 

وهكذا يكشف الجدل الذي فجّرته تصريحات رضا فهمي أن المسألة لم تعد مجرد خلاف على تقييم رئيس أو حكومة، بل صارت نزاعًا على معنى الحكم نفسه في مصر. فحين يُنظر إلى تغيير القيادات باعتباره وسيلة لتأمين الحاكم لا لتقوية الدولة، وحين تُقرأ إخفاقات الإدارة باعتبارها نتيجة مباشرة لإقصاء أصحاب الخبرة، يصبح السؤال عن المستقبل أكثر إلحاحًا من السؤال عن الأشخاص. وفي هذه النقطة تحديدًا تبدو السخرية التي ملأت السوشيال أقل حدة من الواقع الذي تشير إليه، لأن دولة تُدار بالخوف من الأقوى لا تبني مؤسسات، بل تكرر الأزمة كلما بدلت الوجوه وأبقت القاعدة نفسها.