لم يعد الحديث عن تمويل جديد من صندوق النقد الدولي مجرد تسريب اقتصادي عابر، بل صار مؤشرًا سياسيًا على أن الحكومة عادت إلى الأداة نفسها التي قالت مرارًا إنها ستقلل الاعتماد عليها.

فبحسب تقرير نشرته المنصة نقلًا عن مسؤولين في مجلس الوزراء ووزارة المالية، تدرس مصر طلب تمويل طارئ جديد من الصندوق يتراوح بين 1.5 و3 مليارات دولار بسبب الضغوط التي ولّدتها الحرب على إيران على موارد النقد الأجنبي.

وفي الوقت نفسه، لم يصدر حتى الآن إعلان رسمي من الحكومة أو الصندوق يؤكد الاتفاق على هذا التمويل، بينما قال الصندوق لـ"الشرق" إنه يبحث مع القاهرة تداعيات الحرب على الاقتصاد المصري ويسعى لإنهاء المراجعة السابعة بحلول الصيف.

هذا الفارق بين "الدراسة" و"الإعلان" لا يغيّر جوهر المسألة، لأن مجرد عودة الحديث عن قرض جديد يعني أن البرنامج القائم لم ينجح في إخراج الاقتصاد من دائرة الاستدانة.

 

يزداد هذا المعنى وضوحًا حين تُقرأ التطورات الجديدة بجوار ما حصلت عليه مصر بالفعل من الصندوق. ففي 25 فبراير 2026 أكمل الصندوق المراجعتين الخامسة والسادسة، ما أتاح لمصر سحب نحو 2.3 مليار دولار، ليرتفع إجمالي المدفوعات في إطار البرنامجين القائمين إلى نحو 5.2 مليار دولار. كما مُدِّد اتفاق التسهيل الممدد حتى 15 ديسمبر 2026، وحدد الصندوق موعد المراجعة السابعة في 15 يونيو والمراجعة الثامنة الأخيرة في 15 نوفمبر، مع ربط صرف الشريحتين التاليتين بسرعة تنفيذ الإصلاحات. لذلك فإن أي طلب تمويل جديد الآن لا يبدو حلًا طارئًا بقدر ما يبدو اعترافًا بأن الحكومة، رغم كل ما قبضته من تمويل وما قدمته من وعود، ما زالت تدور داخل الحلقة نفسها.

 

برنامج لم ينتهِ واحتياج لا يتوقف

 

تضع الدكتورة عالية المهدي هذا المأزق في صياغة مباشرة حين تقول إن أقساط وفوائد الديون تمثل نحو 65% من إجمالي الإنفاق العام في موازنة 2024/2025، وتمثل 142% من الإيرادات العامة، بما يعني أن الدولة تُضطر إلى الاستدانة لسد الفجوة. ثم مضت أبعد من ذلك في يناير 2026 حين قالت إن تحمّل ديون الحكومة ليس من مهام البنك المركزي، وإن الحكومة مطالبة بخفض الاقتراض أو التوقف عنه، والعمل بجدية أكبر على تشجيع الاستثمار والإنتاج. هذا الكلام لا يهاجم القرض بوصفه رقمًا فقط، بل يضرب أصل الرواية الحكومية التي تكرر أن الاقتراض يجري تحت السيطرة، بينما الأرقام نفسها تقول إن الدين صار أداة لسد العجز لا لبناء قدرة إنتاجية جديدة.

 

ويقترب الدكتور محمد فؤاد من النقطة نفسها لكن من زاوية البرنامج القائم نفسه. ففي سبتمبر 2025 قال إن مصر "جاهزة شكليًا" لإتمام مراجعات برنامج الإصلاح مع الصندوق، لكن الأمر "موضوعيًا" يتطلب معالجة حقيقية لملفات عالقة، مضيفًا أن الأفضل لمصر وللصندوق الاكتفاء بهذا البرنامج وعدم تحويل العلاقة إلى اعتماد دائم. أهمية هذا الرأي أنه يصدر عن خبير شارك في النقاش الاقتصادي العام من داخل دوائر أقرب إلى صناعة القرار من معارضين سياسيين تقليديين، ما يجعل النقد هنا موجّهًا إلى أداء الحكومة التنفيذي لا إلى الصندوق وحده. وعندما يعود الحديث في أبريل 2026 عن قرض جديد قبل انتهاء البرنامج الجاري أصلًا، فإن هذا يقدّم دليلًا جديدًا على أن "الجاهزية الشكلية" لم تتحول إلى إصلاح فعلي يحمي البلد من العودة السريعة إلى باب الصندوق.

 

ومن هذا الباب أيضًا، لا تبدو الحكومة أمام أزمة سيولة ظرفية فقط، بل أمام أزمة ثقة في النموذج كله. فالصندوق نفسه ربط الشريحتين المقبلتين بسرعة تنفيذ الإصلاحات، لا بمجرد استمرار الاقتراض. ومعنى ذلك أن المؤسسة المقرضة لا تنظر إلى المسألة باعتبارها نقصًا عابرًا في العملة الصعبة، بل باعتبارها خللًا في التنفيذ وتباطؤًا في تغيير بنية الاقتصاد. ولهذا يصبح طلب تمويل إضافي، إن تأكد، أقرب إلى محاولة شراء وقت جديد، لا إلى إعلان نجاح جديد.

 

كلفة الروشتة يدفعها الناس لا الحكومة

 

يذهب الكاتب والباحث عمار علي حسن إلى قلب المشكلة حين كتب في نوفمبر 2024 عن "ريبة المصريين المزمنة في صندوق النقد الدولي"، مذكّرًا بأنه حذّر منذ أول اتجاه للاقتراض من الصندوق من المشكلات التي ستنتج عن وصفاته وشروطه. وقال بوضوح إن الحكومة تتحدث دائمًا عن تسديد الديون وتعويم العملة وفق تعليمات الصندوق، وإن هذه السياسات "لا تؤدي إلا إلى مزيد من إفقار الشعب"، كما أشار إلى أن جزءًا من مخاوف الناس يرتبط ببيع الأصول في غموض وبسرعة. هذا ليس كلامًا إنشائيًا، بل تلخيص سياسي لنتيجة يراها المواطن يوميًا في الأسعار والدخل والخدمات، ولهذا يبقى الغضب من أي قرض جديد مفهومًا قبل أن يكون مؤدلجًا.

 

وتدعم الدكتورة سالي صلاح هذا الاعتراض من جهة الأرقام، إذ نُقل عنها في يناير 2026 أن الدين العام المصري قفز بنحو 356% بين 2014 و2025 من حوالي 4.3 تريليون جنيه إلى ما يقارب 19.6 تريليون جنيه، بينما وصلت خدمة الدين العام إلى نحو 9.6 تريليون جنيه، في ظل اعتماد الحكومة على الاقتراض الداخلي والخارجي وبيع الأصول لسداد الفوائد والأقساط لا لتمويل استثمارات إنتاجية جديدة. كما نقلت نافذة مصر عن خبراء، من بينهم سالي صلاح، أن المشكلة لم تعد في "تدبير دفعة أو اثنتين"، بل في نموذج اقتصادي يقوم على الاستدانة وبيع الأصول وتأجيل الانفجار لا منعه. وإذا كان هذا هو التوصيف، فإن القرض الجديد لن يظهر كحل، بل كدليل إضافي على أن الحكومة تؤجل الاستحقاق مرة أخرى.

 

أما الدكتور سيف الدين عبدالفتاح، فيضع المسألة داخل سياق سياسي أوسع يتعلق بمن يدفع ثمن هذا المسار. فقد كتب سابقًا أن ما يجري هو "فيلم مشترك هابط ما بين شبه الدولة وما بين صندوق النقد الدولي"، منتقدًا السياسات التي أطلقت "غول الأسعار" على الناس، كما علّق في مناسبة أخرى على خطاب التقشف الرسمي بقوله إن الشعب هو من "هيستحمل". ورغم أن العبارتين جاءتا في سياقين مختلفين، فإنهما تلتقيان عند نقطة واحدة، وهي أن السلطة تستدعي لغة الانضباط المالي والتقشف كلما تعلق الأمر بالمواطن، لكنها لا تقدم المساءلة نفسها حين يتعلق الأمر بسلسلة القروض والالتزامات التي راكمتها. وبذلك فإن أي اقتراض جديد يضيف عبئًا سياسيًا على الحكومة، لا عبئًا ماليًا فقط.

 

قرض جديد يكشف أزمة حكم لا أزمة تمويل فقط

 

يربط الدكتور ثروت نافع بين الاقتراض وبيع الأصول بطريقة مباشرة. ففي تعليقه على طرح شركات تابعة للجيش عام 2023 قال إن السؤال الأساسي ليس فقط حجم التمويل الذي تحتاجه مصر، بل أين تذهب عوائد البيع وما الفائدة التي تعود على الحكومة إذا ذهبت الحصيلة إلى جهات أخرى. هذا السؤال لم يفقد أهميته اليوم، بل صار أكثر إلحاحًا، لأن الحكومة كلما واجهت فجوة تمويلية لجأت إلى الوصفة نفسها، إما بيع أصل، أو طلب دعم خارجي، أو السعي إلى قرض جديد. وبذلك تتسع الفجوة بين خطاب "الإصلاح" وبين ممارسة فعلية تستهلك الأصول العامة من دون أن تقدم تصورًا مقنعًا لكيف سيخرج الاقتصاد من اعتماده المزمن على التمويل الخارجي.

 

ويأتي الكاتب الصحفي عبدالناصر محمد ليصوغ هذا المعنى بلغة أكثر صدامًا مع الحكومة. ففي مارس 2026 كتب أن الغلاء الأخير التهم القوة الشرائية للمواطنين، واعتبر أن ما يجري يمثل "إذعانًا وخضوعًا فاضحًا" لأوامر صندوق النقد، وأن المواطن صار "كبش الفداء" لفشل الحكومة في إدارة الأزمة. كما كتب قبل ذلك أن التوسع في الاقتراض الخارجي من صندوق النقد والبنك الدوليين وغيرهما أدى إلى أعباء خدمة دين تستنزف الموازنة وتضاعف الضغوط المعيشية. هذا الخطاب قد يكون سياسيًا حادًا، لكنه يعبّر عن جوهر الإشكال القائم الآن: الحكومة تعرض القروض باعتبارها أدوات إنقاذ، بينما أثرها المباشر على الناس يظهر في الأسعار والرسوم وتآكل القدرة الشرائية.

 

لهذا كله، لا يُقرأ الجدل حول القرض الجديد بوصفه خلافًا حول رقم إضافي من الصندوق، بل بوصفه لحظة تكشف حصيلة سنوات كاملة من الإدارة الاقتصادية. فالحكومة حصلت على مليارات، ومددت البرنامج، وما زالت تنتظر شريحتين جديدتين في يونيو ونوفمبر، ثم يعود البلد إلى مناقشة تمويل إضافي قبل أن ينتهي البرنامج الجاري. وعندما يجتمع في نقد هذا المسار اقتصاديون مثل عالية المهدي ومحمد فؤاد وسالي صلاح، مع كتاب وباحثين مثل عمار علي حسن وعبدالناصر محمد وسيف الدين عبدالفتاح، ومع سياسيين مثل ثروت نافع، فإن الرسالة تصبح أوضح من أن تُوارى خلف بيانات مطمئنة: المشكلة لم تعد في الصندوق وحده، بل في حكومة جعلت القرض سياسة، وجعلت "الإصلاح" اسمًا رسميًا لأزمة لا تنتهي.