عاد التضخم في المدن المصرية إلى الارتفاع في مارس بعد شهر واحد فقط من تسارع سابق، في تطور ينسف الخطاب الرسمي الذي روّج خلال الشهور الماضية لفكرة أن موجة الأسعار الأسوأ أصبحت خلف البلاد.

الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء أعلن ارتفاع معدل التضخم السنوي في المدن إلى 15.2% في مارس مقابل 13.4% في فبراير، بينما قفزت الأسعار على أساس شهري بنسبة 3.2%، وهو ما وضع الأسر مجددًا أمام موجة غلاء جديدة قبل أن تلتقط أنفاسها أصلًا.

 

هذا الصعود لا يظهر كرقم معزول، لأن بيانات الجهاز نفسه أظهرت أيضًا أن التضخم على مستوى الجمهورية ارتفع إلى 13.5% في مارس من 11.5% في فبراير، مدفوعًا بزيادات في الغذاء والنقل، بينما كان البنك المركزي قبل أيام فقط يحذر من أن مسار التضخم بات معرضًا لمخاطر صعودية متزايدة بسبب التوترات الإقليمية وارتفاع أسعار الطاقة واضطراب سلاسل الإمداد.

هذه الصورة تكشف أن أزمة الأسعار لم تهدأ، بل غيرت سرعتها فقط ثم عادت للارتفاع.

 

الأغذية والنقل يدفعان الصعود من جديد

 

جاء الارتفاع الجديد من داخل سلة الإنفاق اليومية لا من بنود هامشية، لأن أسعار الطعام والمشروبات صعدت في مارس بنسبة 4.8% على أساس شهري و5.8% على أساس سنوي في المدن، بينما تحدثت تقارير محلية عن قفزة موازية في تكاليف النقل ضمن الحركة العامة للأسعار.

لذلك لم يكن رقم 15.2% مجرد تصحيح إحصائي، بل انعكاسًا مباشرًا على احتياجات الأسر الأساسية.

 

ثم بدا واضحًا أن أثر الحرب الإقليمية وصل سريعًا إلى السوق المصرية عبر الطاقة وسعر الصرف معًا.

تقارير رويترز وبلومبرج ربطت ارتفاع التضخم في مارس بزيادة أسعار الوقود عالميًا وبضعف الجنيه بعد الحرب على إيران، وهو ما جعل السوق المحلية تدفع تكلفة أزمة لم تصنعها، بينما بقيت الحكومة تكرر خطاب الصمود من دون أن تقدم حماية فعلية تكفي لامتصاص موجة الغلاء الجديدة.

 

وفي هذا السياق، كان رئيس البحوث الكلية في المجموعة المالية هيرمس محمد أبو باشا قد حذر في مارس من أن ارتفاع أسعار الوقود عالميًا إلى جانب ضعف الجنيه سيغيران بوضوح مسار التضخم في مصر. هذا التحذير سبق قراءة مارس الفعلية، ثم جاءت البيانات الرسمية لتؤكد أن الصدمة انتقلت بالفعل من سوق الطاقة والعملات إلى جيوب المستهلكين في المدن.

 

البنك المركزي يوقف الخفض والأسعار تسبق المعالجة

 

جاءت قفزة مارس بعد أن أبقى البنك المركزي أسعار الفائدة الأساسية دون تغيير في اجتماعه الأخير عند 19% للإيداع و20% للإقراض و19.5% للعملية الرئيسية، بعد خفضين متتاليين في ديسمبر 2025 وفبراير 2026.

قرار التثبيت لم يكن تعبيرًا عن ارتياح، بل اعترافًا بأن بيئة الأسعار أصبحت أكثر اضطرابًا من أن تحتمل مواصلة التيسير النقدي بالوتيرة السابقة.

 

كما أن البنك المركزي قال بوضوح إن هدفه للتضخم عند 7% زائد أو ناقص 2% في الربع الرابع من 2026 بات معرضًا لمخاطر صعودية متزايدة.

وربط البنك هذا الخطر بإمكان استمرار الصراع الإقليمي وبآثار أقوى من المتوقع لإجراءات الضبط المالي.

بذلك انتقلت المؤسسة النقدية نفسها من خطاب الثقة في الانخفاض المتدرج إلى خطاب دفاعي يعترف بأن الطريق إلى التهدئة بات أكثر تعقيدًا.

 

وفي هذا الإطار، توقع رئيس البحوث في بلتون أحمد حافظ قبل صدور البيانات أن يصل الزخم الشهري في مارس إلى 3% وأن يدفع التضخم السنوي إلى نحو 15%. هذا التقدير اقترب بشدة من الرقم الذي أعلنه الجهاز المركزي لاحقًا.

ولذلك فإن السوق ومحلليها قرأوا مبكرًا ما لم تعترف به السلطة إلا بعد صدور الأرقام الرسمية.

 

توقعات 2026 تتراجع والرواتب لا تلحق الأسعار

 

كانت مؤسسات مالية عدة قد بنت في فبراير توقعات أكثر هدوءًا لمسار الأسعار خلال 2026، بينما توقع البنك المركزي نفسه متوسط تضخم يبلغ 12.5% في السنة المالية 2025/2026 و9% في 2026/2027.

لكن قراءة مارس قلبت المشهد بسرعة، لأن التضخم الفعلي تجاوز متوسطات مريحة كانت تُستخدم لتبرير خفض الفائدة واستعادة الثقة في المسار الاقتصادي.

ومع كل قراءة أعلى، تصبح هذه التوقعات أقل إقناعًا للمواطن وأكثر نفعًا للخطاب الرسمي فقط.

 

ثم زادت الصورة قتامة لأن تقارير حديثة أشارت إلى أن أبريل قد يشهد دفعة إضافية للتضخم بعد زيادة أسعار الكهرباء اعتبارًا من 1 أبريل.

ومعنى ذلك أن موجة مارس قد لا تكون ذروة قصيرة، بل بداية حلقة جديدة من الضغوط السعرية، خصوصًا إذا استمرت آثار الطاقة والنقل وسعر الصرف في الضغط على الأسواق خلال الربع الثاني من العام.

 

وفي هذا السياق، عدلت رئيسة البحوث في إتش سي هبة منير متوسط توقعها للتضخم في 2026 إلى نطاق 13% إلى 14% بدلًا من 10% إلى 11%، وأرجعت ذلك إلى خروج مليارات الدولارات من سوق أدوات الدين المحلية منذ 1 مارس والحاجة إلى موقف نقدي أكثر حذرًا.

هذه المراجعة تكشف أن الأزمة لم تعد في الأسعار فقط، بل في هشاشة التمويل والاستقرار الخارجي معًا.

 

كما يوضح هذا التحول حجم الفجوة بين قراءة السوق ووعود الاستقرار الرسمية.

ففي يونيو 2025 كان كبير اقتصاديي إتش إس بي سي سايمون ويليامز يقول إن التضخم يستقر، وإن العملة متماسكة، وإن أسعار الفائدة بدأت في التراجع.

لكن قراءة مارس 2026 جاءت لتثبت أن هذا الاستقرار كان هشًا، وأن المخاطر الجيوسياسية والطاقة والإمداد قادرة على دفع المسار كله إلى الخلف خلال أسابيع قليلة.

 

وفي المحصلة، يكشف ارتفاع التضخم في المدن إلى 15.2% في مارس أن الأزمة المعيشية في مصر لم تدخل مرحلة الانفراج التي بشرت بها السلطة، بل دخلت مرحلة جديدة يعاد فيها تحميل الأسر تكلفة الحرب الخارجية والوقود المرتفع والجنيه الضعيف معًا.

وعندما ترتفع أسعار الغذاء والنقل، ويتوقف خفض الفائدة، وتتراجع التوقعات، فإن المشكلة لا تكون في رقم الإحصاء وحده، بل في نموذج اقتصادي لم يحم الناس من الصدمة الأولى ولا من عودتها الأسرع.