فتح مقترح النائب محمد سمير بلتاجي واحد من أكثر الملفات حساسية في مصر، بعدما طرح مبادرة مجتمعية تستهدف سداد الديون الخارجية خلال شهر واحد عبر تبرعات من شريحة محددة من المواطنين. المقترح لم يأت من خارج السلطة، بل صدر عن عضو في لجنة الشئون الاقتصادية بمجلس النواب، في وقت تشير فيه بيانات البنك المركزي إلى أن الدين الخارجي بلغ 161.23 مليار دولار بنهاية يونيو 2025.

 

جاء المقترح في لحظة تتزايد فيها مدفوعات الدين وتضيق فيها مساحة المناورة الاقتصادية، بينما تواصل الحكومة الدفاع عن الاقتراض باعتباره جزءًا من برنامج إصلاح ومشروعات بنية تحتية. غير أن الفكرة نفسها بدت كاشفة لحجم المأزق، لأنها تنقل عبء السداد من الدولة إلى المجتمع، وتطلب من المواطنين تمويل فاتورة تراكمت خلال سنوات من التوسع في الاستدانة والإنفاق العام.

 

مليون جنيه من كل مقتدر بدلًا من مساءلة السلطة

 

قال محمد سمير بلتاجي، عضو لجنة الشئون الاقتصادية بمجلس النواب، إنه يعد مقترحًا يتضمن مبادرة مجتمعية موسعة تستهدف تسديد ديون مصر الخارجية خلال شهر واحد. وذكر أن المبادرة تقوم على مساهمة نحو 5% من الشعب المصري، عبر تبرع كل فرد منهم بمليون جنيه، وأضاف أنه سيكون أول المتبرعين، على أن يطرح المقترح رسميًا بعد استكمال دراسته.

 

وبذلك نقل النائب النقاش من سؤال كيف وصلت الديون إلى هذا الحجم إلى سؤال كيف يمكن جمع الأموال سريعًا من القادرين. كما حرص على القول إن المواطن البسيط لن يتحمل أعباء إضافية، وإن المبادرة تستهدف الفئات المقتدرة فقط، مع دعوة رجال الأعمال وأصحاب الدخول المرتفعة إلى التعامل معها باعتبارها واجبًا وطنيًا في هذه المرحلة الدقيقة.

 

ثم وسع بلتاجي المقترح ليشمل الديون الداخلية أيضًا، عبر مساهمة 10% من المواطنين، إلى جانب تصور آخر يلزم أصحاب الدخول المرتفعة ممن تتجاوز رواتبهم 75 ألف جنيه بالتبرع بنسبة تتراوح بين 5% و25% من دخولهم لمدة عام. كما أشار إلى أصحاب الإقرارات الضريبية التي تتجاوز 50 مليون جنيه سنويًا باعتبارهم ضمن الفئات المستهدفة الأساسية.

 

وفي هذا السياق، قال الخبير الاقتصادي محمد فؤاد إن إجمالي الدين الداخلي والخارجي لمصر يتراوح بين 360 و380 مليار دولار، وإن الدين الخارجي وحده يقترب من 161 مليار دولار، بينما تكمن المشكلة الأساسية في انخفاض نسبة الإيرادات إلى الناتج المحلي إلى أدنى مستوى منذ 50 عامًا. لذلك يكشف المقترح، قبل أي شيء، اتساع الفجوة بين التزامات الدولة ومواردها الفعلية.

 

تبرعات إجبارية باسم المسؤولية الوطنية

 

برر النائب المقترح بالقول إن القروض التي حصلت عليها الدولة جاءت في سياق استكمال برنامج الإصلاح الاقتصادي وتنفيذ مشروعات البنية التحتية، في ظل ضغوط إقليمية ودولية كبيرة. كما شدد على أن مطالبة الحكومة وحدها بالتصدي للديون لم تعد كافية، واعتبر أن مصر تمر بمرحلة اقتصاد حرب تستوجب تضافر جهود الجميع، خاصة القادرين، لتخفيف الأعباء المالية.

 

لكن هذا التبرير نفسه يكشف جوهر الأزمة، لأن الدولة التي اقترضت باسم الإصلاح والمشروعات تعود الآن لتطلب من المجتمع تمويل نتائج هذا المسار. كما أن وصف اللحظة باقتصاد حرب يمنح المقترح غطاءً سياسيًا واسعًا، يسمح بتمرير مساهمات استثنائية تحت عنوان الضرورة الوطنية، من دون فتح نقاش جاد حول مسؤولية السلطة التنفيذية عن تضخم أصل المشكلة.

 

وفي هذا الإطار، قال الخبير الاقتصادي هاني توفيق إن زيادة الدين العام بنحو 800 مليار جنيه خلال 3 أشهر تعكس حلقة مفرغة، لأن الدولة تسدد ديونًا مستحقة عبر إصدار ديون جديدة بديلة. وأضاف أن كسر هذه الحلقة يحتاج إلى إصلاحات اقتصادية هيكلية، لا إلى قرارات ترقيعية تتعامل مع النتيجة ولا تقترب من السبب الحقيقي للأزمة.

 

ثم جاء رأي توفيق الآخر ليضاعف الإحراج الذي يسببه المقترح الرسمي غير المعلن كاملًا، إذ كتب في يناير 2026 أن نقل أصول ضخمة إلى البنك المركزي مقابل تحمل مسؤولية سداد الديون المحلية اقتراح مرفوض شكلًا وموضوعًا. وأكد أن الحل لا يكون بنقل المديونية من جيب إلى جيب، بل بإزالة معوقات الاستثمار وزيادة الإنتاج والتشغيل والتصدير والحصيلة الضريبية.

 

من لجنة الاقتصاد إلى اعتراف ضمني بفشل الإدارة

 

تكشف الصياغة التي قدمها بلتاجي أن المؤسسة الرسمية نفسها باتت تتعامل مع الدين بوصفه عبئًا يحتاج إلى تعبئة اجتماعية، لا مجرد ملف تديره الحكومة بأدواتها المعتادة. كما أن صدور الفكرة عن نائب في لجنة الشئون الاقتصادية يمنحها وزنًا سياسيًا يتجاوز حدود اجتهاد فردي، لأنها تعكس من داخل البرلمان مستوى القلق من استمرار الضغوط التمويلية واتساع احتياجات السداد.

 

ويكتسب هذا المعنى وزنًا إضافيًا لأن البنك المركزي رفع تقديرات مدفوعات الدين الخارجي المستحقة خلال 2026 إلى 32.34 مليار دولار، بينما أكد رئيس الوزراء أن مصر سددت 38.7 مليار دولار خلال 2024. هذه الأرقام تفسر لماذا يتحول الحديث الرسمي من إدارة الدين إلى البحث عن مصادر استثنائية للسداد، لكنها لا تبرر تحويل المجتمع نفسه إلى خزينة طوارئ مفتوحة.

 

وفي هذا السياق، قال فخري الفقي، رئيس لجنة الخطة والموازنة بمجلس النواب، إن مصر سددت حتى أبريل 2025 نحو 12 مليار دولار من إجمالي التزاماتها البالغة 20 مليار دولار لصندوق النقد الدولي، وإن جزءًا من السداد يمتد حتى 2027 وما بعدها. هذا الكلام يؤكد استمرار عبء الاستحقاقات، لكنه يوضح أيضًا أن الدين ملف طويل الأجل لا تحله مبادرة شهر واحد مهما بلغ حجم التبرعات.

 

ثم يزداد التناقض وضوحًا عندما يطلب نائب من المواطنين القادرين سداد الديون خلال شهر واحد، بينما تتحدث الدولة نفسها عن برامج سداد تمتد إلى سنوات طويلة وعن مستهدفات لخفض الدين إلى الناتج المحلي بحلول يونيو 2027. هذا التعارض لا يكشف فقط الارتباك في الخطاب، بل يكشف أيضًا غياب تصور متماسك يشرح للمصريين لماذا يدفع المجتمع ثمن سياسات لم يشارك في صنعها.

 

وفي المحصلة، لا يبدو المقترح مجرد مبادرة وطنية كما يحاول أصحابه تقديمه، بل يبدو اعترافًا سياسيًا صريحًا بأن الدولة التي وسعت الاقتراض وعجزت عن بناء موارد كافية للسداد بدأت تفتش في جيوب المصريين عن مخرج سريع. وعندما يصل الأمر إلى مطالبة 5% من الشعب بمليون جنيه للفرد، ثم مطالبة آخرين باقتطاعات من دخولهم لعام كامل، فإن الأزمة لا تكون في الديون وحدها، بل في طريقة الحكم التي صنعتها ثم طلبت من المجتمع أن يسدد الفاتورة.