جاء خطاب دونالد ترمب بعد شهر من اندلاع الحرب على إيران ليؤكد ما كشفته الوقائع منذ يومها الأول، وهو أن واشنطن وتل أبيب بدأتا مواجهة واسعة من دون مسار سياسي معلن ومن دون خطة إنهاء محددة. هذا الفراغ لم يبق داخل غرف القرار، بل انتقل سريعًا إلى الميدان، ثم إلى أسواق الطاقة، ثم إلى حسابات الحلفاء الذين وجدوا أنفسهم أمام حرب تتسع من دون ضمانات أمريكية واضحة.
بدأت الحرب في 28 فبراير، ثم تتابعت الضربات والردود، وسقط آلاف القتلى والجرحى، بينما توسعت دائرة الاستهداف إلى ما قالت طهران إنها قواعد ومصالح أمريكية في المنطقة. ومع مرور شهر كامل، لم يقدم الرئيس الأمريكي في خطابه تفسيرًا عمليًا لكيفية إنهاء الصراع، كما لم يحدد معالجة واضحة لأزمة مضيق هرمز، وهي القضية التي دفعت كلفة الحرب من الإطار العسكري إلى الإطار الاقتصادي العالمي.
انسحاب يترك المنطقة أمام انتقام مفتوح
في هذا السياق، تصاعدت داخل الولايات المتحدة تحذيرات من أن إدارة ترمب قد تكرر نمطًا معروفًا في قرارات الانسحاب المفاجئ. هذا الاحتمال لم يعد مجرد تخمين سياسي، لأن الدبلوماسي الأمريكي السابق هنري إنشر قال إن الانسحاب الأمريكي خلال الأسبوعين المقبلين تقريبًا هو النتيجة الأكثر احتمالًا، مستندًا إلى سوابق ترمب في اتخاذ قرارات حاسمة وسريعة عندما يقتنع بأن ما تحقق يكفي.
ثم ربط إنشر هذا السيناريو بتجربة أفغانستان، إذ قال إن ترمب عندما قرر المغادرة في تعامله مع طالبان حسم المسألة وجعل الانسحاب أمرًا واقعًا. هذا الربط أعطى التحذير بعدًا عمليًا، لأن الرجل يرى أن الرئيس الأمريكي قد يقتنع الآن بأن استمرار الحرب لم يعد يحقق عائدًا سياسيًا أو عسكريًا يبرر كلفتها، خاصة مع استمرار الضغط الاقتصادي داخل الولايات المتحدة.
بعد ذلك، أضاف إنشر أن ارتفاع أسعار النفط يضعف موقع ترمب سياسيًا في الداخل الأمريكي، وهو ما قد يدفعه إلى وقف الانخراط العسكري لا إلى توسيعه. هذا التقدير يعني أن قرار الانسحاب، إذا اتخذ، لن يكون نتيجة تسوية شاملة أو تفاهم إقليمي، بل نتيجة حسابات كلفة داخلية أمريكية، وهو ما يترك آثار الحرب مفتوحة على الإقليم كله.
وفي الاتجاه نفسه، قدم المسؤول السابق في وزارة الدفاع الأمريكية ديفيد دي روش وصفًا أكثر حدة لهذا الاحتمال، عندما اعتبر أن الانسحاب الأمريكي المحتمل يشبه أسوأ سيناريو ممكن. دي روش قال إن واشنطن ستكون كمن يوقظ دبًا نائمًا ثم يتركه غاضبًا ويغادر، وبذلك تتحول الحرب من عملية ضغط عسكري إلى مصدر مباشر لتآكل الهيبة الأمريكية في المنطقة.
ومن ثم، وسع دي روش دائرة الخطر إلى ما بعد صورة الولايات المتحدة، إذ حذر من أن دول الخليج ستجد نفسها وجهًا لوجه مع إيران غاضبة وقريبة جغرافيًا وقادرة على الرد. هذا التحذير يوضح أن الانسحاب الأمريكي، إذا وقع بعد إشعال الحرب، لن يعيد الوضع إلى ما كان عليه قبل 28 فبراير، بل سينقل العبء الأمني إلى حلفاء واشنطن في الخليج من دون غطاء ردع أمريكي فعال.
خطاب شهر الحرب كشف غياب الخطة
في المقابل، لم ينجح خطاب ترمب الأخير في تبديد هذا القلق، بل عمقه بصورة أوسع. السفير الأمريكي السابق لدى عُمان ونائب مساعد وزير الخارجية لشؤون الشرق الأدنى ريتشارد شميرر قال إن الخطاب كان مخيبًا للآمال للغاية، لأنه لم يتضمن أي معلومات جديدة فعلية، كما لم يوضح ما الذي سيحدث لاحقًا في الحرب أو ما هو المسار الذي ستتبعه الإدارة الأمريكية.
ثم أوضح شميرر أن الخطاب لم يطمئن الحلفاء ولا الرأي العام الأمريكي إلى أن لدى ترمب طريقًا واضحًا للمضي قدمًا أو آلية محددة لإنهاء الحرب. هذا التوصيف يكتسب وزنه من موقع الرجل الدبلوماسي السابق، لأن حديثه لا يركز على الانطباع السياسي العام فقط، بل على غياب الرسائل الأساسية التي تنتظرها الدول المتحالفة مع واشنطن في أوقات الأزمات العسكرية.
بعد ذلك، انتقل شميرر إلى نقطة أكثر تحديدًا عندما قال إن ترمب تجاوز عمليًا مسألة مضيق هرمز، رغم أن هذه القضية تقف في مركز الأزمة. شميرر اعتبر أن القضايا الرئيسية ما زالت بلا حل، وفي مقدمتها فتح المضيق، وتأمين المواد النووية الإيرانية، ومنع إيران من إعادة بناء صواريخها الباليستية، وهي ملفات لم يقدم الخطاب أي تصور عملي للتعامل معها.
وفي السياق ذاته، وجه الضابط السابق في البحرية الأمريكية هارلان أولمان انتقادًا مباشرًا إلى بنية القرار داخل البيت الأبيض. أولمان قال إن الخطاب أصابه بالحزن والاكتئاب العميق، لأنه افتقر إلى المضمون الواقعي وبدا متناقضًا، وأضاف أن معظم الأمريكيين الذين شاهدوه سيخرجون منه بحالة ارتباك، لا بفهم أوضح لأهداف الحرب أو خطوط نهايتها.
ولذلك، تجاوز أولمان نقد الخطاب نفسه إلى نقد عملية الأمن القومي داخل الإدارة الأمريكية، متسائلًا عمن يقدم المشورة لترمب في القضايا الإستراتيجية الأوسع. هذا السؤال لم يأت في صيغة إنشائية، بل جاء نتيجة مباشرة لواقع معلن، وهو أن الإدارة لم تعرض حتى الآن خطوط نهاية واضحة، كما لم تعلن أهدافًا نهائية قابلة للقياس منذ بدء الحرب في 28 فبراير.
هرمز والحلفاء: كلفة الحرب انتقلت إلى العالم
بسبب هذا الغياب في الرؤية، تحولت أزمة مضيق هرمز إلى العنوان الأكثر إلحاحًا في الحرب. إغلاق المضيق أصاب الاقتصاد العالمي مباشرة، لأن نحو 20 مليون برميل نفط يمر عبره يوميًا. ومع تعطل هذا الممر، ارتفعت أسعار الطاقة بشكل حاد، وبدأت المخاوف تتصاعد من دخول الاقتصاد العالمي في ركود ينعكس على معيشة مئات الملايين في دول متعددة.
وفي هذا الإطار، قال ديفيد دي روش إن شركاء الولايات المتحدة قد يضطرون إلى دفع إتاوة لإيران حتى يتمكنوا من التصدير. دي روش أضاف أن إيران باتت تتقاضى 2 مليون دولار عن كل سفينة لعبور مضيق هرمز رغم أنه ممر مائي دولي، ورأى أن غياب العقاب الأمريكي سيترك دول الخليج أمام خيار عملي وحيد هو الدفع تحت الضغط.
ثم قدم شميرر تصورًا مختلفًا من زاوية التسوية المطلوبة، إذ قال إن أي اتفاق يجب أن يبدأ أولًا بإنهاء الحرب، ثم العودة إلى الوضع الذي سبقها، ثم التوصل إلى آلية تفتح مضيق هرمز مجددًا. أهمية هذا الطرح أنه يعكس ترتيبًا واضحًا للأولويات، ويربط بين وقف العمليات العسكرية وبين معالجة الاختناق الاقتصادي الذي سببه استمرار الإغلاق.
بعد ذلك، لفت شميرر إلى أن آثار الأزمة ظهرت سريعًا بعد خطاب ترمب، إذ بدأت أسعار النفط ترتفع بالفعل، كما بدأت عقود مؤشرات الأسهم الآجلة تتراجع بوضوح. هذا التتابع الزمني يكشف أن الأسواق لم تتعامل مع الخطاب بوصفه إشارة تهدئة، بل بوصفه دليلًا إضافيًا على استمرار الغموض، وهو ما وسع دائرة القلق من حرب بدأت من دون نهاية معلنة.
وفي موازاة ذلك، قال هارلان أولمان إن مضيق هرمز قد يفتح في النهاية بدولارات أمريكية، محذرًا من أن سعر البنزين قد يصل إلى 5 أو 6 دولارات للغالون، وأن الولايات المتحدة نفسها ستدخل في فوضى بسبب هذه الأزمة. أولمان أضاف أن 75% من سكان العالم خارج الغرب والولايات المتحدة يعانون الآن من حرب لم يكن ينبغي لواشنطن أن تخوضها أصلًا.
ومن هنا، امتدت كلفة الحرب إلى علاقات واشنطن بحلفائها التقليديين. هنري إنشر توقع أن الأوروبيين سيضطرون في مرحلة ما إلى إعادة ترتيب تعاملهم مع روسيا، رغم ضعفها، كما قال إن بعضهم قد ينظر إلى الصين بوصفها أكثر موثوقية من الولايات المتحدة. هذا التحول المحتمل لم يعد منفصلًا عن الحرب، لأن الحلفاء يراقبون كيف تبدأ واشنطن الصراعات وكيف تنسحب منها.
كذلك، حذر دي روش من أن قادة الخليج يتوقعون الآن من الولايات المتحدة وإسرائيل إزالة إيران بوصفها تهديدًا فعليًا، وبما أن الطرفين أعلنا هذا الهدف، فإن عدم تحقيقه سيخلق مشكلة حقيقية في العلاقات الخليجية الأمريكية. وبذلك لم تعد الأزمة مقتصرة على خسائر الميدان والطاقة، بل وصلت إلى مستوى الثقة السياسية بين واشنطن وشركائها المباشرين.
وأخيرًا، طرح أولمان السؤال الأكثر إحراجًا للإدارة الأمريكية عندما تساءل كيف سيصلح ترمب الضرر الذي ألحقه بتحالفات الولايات المتحدة، بينما يضغط على الحلفاء للمشاركة في الحرب ويهدد في الوقت نفسه بالانسحاب من حلف شمال الأطلسي. هذا التناقض يعكس أن الحرب لم تكشف فقط عجزًا في إدارة المعركة، بل كشفت أيضًا عجزًا في إدارة شبكة التحالفات التي بنتها واشنطن لعقود.
لهذا كله، تبدو الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، بعد شهر واحد فقط من بدايتها في فبراير، مواجهة أطلقتها واشنطن وتل أبيب من دون خطة خروج، ثم تركت العالم يدفع ثمنها سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا. وإذا مضت الإدارة الأمريكية نحو انسحاب سريع، فإنها لن تنهي الفوضى، بل ستنقلها إلى مرحلة أكثر خطورة، حيث تبقى إيران غاضبة، ويبقى الخليج مكشوفًا، وتبقى الثقة بالحليف الأمريكي في حالة تآكل مفتوح.

