بدأت موجة جديدة من الضغوط المعيشية تضرب الأسواق المصرية بعدما تحركت الحكومة في مارس برفع أسعار الوقود، ثم أتبعته في إبريل بزيادة سعر الغاز المورد لمصانع الأسمدة، بينما بقي أثر زيادات الكهرباء السابقة حاضرًا على النشاط التجاري والإنتاجي. هذا التتابع لم يأت في اقتصاد متماسك، بل في لحظة يعاني فيها المواطن أصلًا من تآكل الدخل واتساع كلفة المعيشة وتراجع القدرة على الاحتمال.
وأوضح تطور الأسعار خلال الأسابيع الأخيرة أن المشكلة لم تعد مرتبطة بقرار منفصل يمكن استيعابه، بل بسلسلة مترابطة تبدأ من الطاقة وتمر بالنقل والإنتاج وتنتهي على رفوف السلع. فالحكومة رفعت أسعار البنزين والسولار في 10 مارس 2026 للمرة الثانية خلال أقل من نصف عام، في وقت دفعت فيه الحرب بالمنطقة الجنيه إلى مستويات أضعف ورفعت كلفة الاستيراد والتشغيل معًا.
ويبين هذا التوقيت أن السلطة اختارت مرة أخرى تحميل السوق والمستهلك فاتورة الاضطراب الخارجي بدلًا من امتصاص الصدمة عبر سياسات حماية أوسع. فبحسب تقديرات منشورة في مارس، يمكن أن تضيف الزيادة الأخيرة في الوقود ما بين نقطتين وثلاث نقاط مئوية إلى التضخم، بما يعني أن كل حديث رسمي عن التهدئة يصطدم سريعًا بحقيقة الأسعار التي ترتفع أسرع من دخول الأسر.
الوقود أولًا.. والغلاء يتوسع من محطات البنزين إلى كل سلعة
وأكد الخبير المصرفي محمد عبد العال أن قراءة التضخم مرشحة للارتفاع بفعل تداخل زيادة أسعار الوقود مع تحركات سعر الصرف، متوقعًا أن تضيف هذه الضغوط بين 2 و3 بالمئة إلى قراءة مارس. هذا التقدير لا يخص الأرقام المجردة فقط، بل يفسر كيف تتحول زيادة النقل والطاقة إلى زيادات فورية في أسعار الغذاء والخدمات والمنتجات اليومية.
وفي موازاة ذلك، أشار تقرير لرويترز في 10 مارس إلى أن الحرب رفعت كلفة الطاقة على مصر، ودَفعت الجنيه إلى ما فوق 52 مقابل الدولار بعد أن كان يدور قرب 47 قبل الأزمة، كما قدّرت بحوث مالية أن استمرار المواجهة قد يرفع فاتورة الاستيراد النفطي بما يصل إلى 2.4 مليار دولار خلال ما تبقى من العام المالي. هذه الخلفية تشرح لماذا تتسرب الصدمة بسرعة إلى الداخل.
ويرى المتابعون أن أخطر ما في هذا المسار ليس الزيادة نفسها، بل اعتياد الحكومة استخدامها كحل مالي سريع كلما اتسعت الفجوة. فحين ترتفع كلفة الوقود، لا تبقى الزيادة في محطة الخدمة، بل تنتقل إلى الأجرة والشحن وتكاليف التشغيل، ثم تظهر في أسعار الخبز والخضروات والدواجن والأجهزة، بينما يبقى دخل المواطن ثابتًا أو أبطأ كثيرًا من حركة السوق.
الأسمدة بعد الغاز.. الزراعة تُسحب إلى دائرة الكلفة الأعلى
ولفت قرار وزارة الصناعة في 3 إبريل 2026 رفع سعر الغاز المورد لمصانع الأسمدة بنسبة 21 بالمئة إلى 8.5 دولار للمليون وحدة حرارية إلى أن موجة الغلاء لم تتوقف عند الوقود. فالمعادلة الحكومية تربط تسعير الغاز لمصانع الأسمدة بالأسعار العالمية، ما يعني عمليًا أن أي قفزة خارجية تُترجم داخليًا إلى تكلفة أعلى على الإنتاج الزراعي ثم على الغذاء.
وأوضح مصطفى شفيع، مدير البحوث في إحدى شركات إدارة الأصول، أن اجتماع ضغوط الوقود والدولار والتوترات الإقليمية قد يدفع التضخم إلى نطاق 15 أو 16 بالمئة بسهولة إذا استمرت الأوضاع الحالية. وعندما يُقرأ هذا التقدير بجوار زيادة الغاز لمصانع الأسمدة، يصبح واضحًا أن الأزمة لا تخص الصناعة وحدها، بل تمتد إلى المزارع ثم إلى المستهلك في سوق الغذاء.
وأشار المجلس التصديري للصناعات الكيماوية والأسمدة إلى أن الأسعار العالمية ارتفعت بما بين 130 دولارًا للطن تقريبًا، ووصلت الأسعار التصديرية المصرية إلى نطاق بين 610 و625 دولارًا، مع توقع ارتفاع الطلب العالمي بسبب الحرب وخروج بعض المنتجين من السوق. هنا تتكرر المشكلة نفسها، لأن جاذبية التصدير تعني أرباحًا أعلى للمصانع، لكنها تضع السوق المحلي والفلاح في ذيل الأولويات.
المواطن في النهاية.. الدولة توفر في الموازنة والسوق يبتلع الدخل
وفي ظل هذه السلسلة، أكد هاني أبو الفتوح، المحلل المصرفي، أن استمرار الصراع قد يدفع الجنيه إلى ما فوق 55 مقابل الدولار ويزيد التضخم عبر الشحن والتأمين والطاقة. هذا التحذير يكشف أن الأزمة لم تعد مجرد موجة مؤقتة، بل خطر مفتوح على الأسعار والدين والقدرة الشرائية، خاصة مع اقتصاد يستهلك فيه بند الفوائد وحده نحو نصف الإنفاق الحكومي.
وفي موازاة ذلك، تُظهر البيانات الرسمية أن التضخم الشهري بلغ 11.5 بالمئة في فبراير 2026 وفق الموقع الرسمي للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، بينما استمرت الحكومة في الدفاع عن إجراءاتها باعتبارها ضرورية ماليًا. لكن ما يبدو منضبطًا على الورق يتحول في الشارع إلى حقيقة أبسط وأقسى، وهي أن كل خفض في الدعم يمر مباشرة من جيب المواطن قبل أن يظهر في حسابات الموازنة.
واخيرا أشارت المحصلة النهائية إلى أن السلطة تدير الأزمة بعقلية الجباية لا بعقلية الحماية، فتطلب من المواطنين احتمال الوقود الأغلى، والغذاء الأعلى، والخدمة الأثقل، من دون شبكة أمان تناسب حجم الصدمة. وإذا استمر هذا المسار، فلن يكون السؤال إلى أين تتجه الأسعار، بل إلى أي مدى يمكن للأسر الفقيرة والطبقة الوسطى أن تصمد قبل أن يتحول الغلاء من أزمة اقتصادية إلى أزمة اجتماعية كاملة.

