كشف الفصل الثالث عشر من كتاب الدكتور عبد الكريم زيدان صورة دقيقة لسنّة من سنن الله في الخلق، وهي سنّة الاستدراج، التي تقوم على إمهال العباد مع توالي النعم عليهم رغم إصرارهم على المعصيـة أو التكذيب أو الإعراض. ويبين هذا الفصل أن الاستدراج ليس تكريمًا كما قد يظن الغافلون، بل هو إنذار مؤجل وعقوبة تأتي على مراحل، حتى يبلغ الإنسان أو الأمة غاية الغفلة ثم يؤخذون بغتة وهم لا يشعرون.

 

ويعرض الفصل المعنى اللغوي والقرآني والتفسيري للاستدراج، ثم ينتقل إلى بيان صوره في الأفراد والأمم، موضحًا أن الله قد يفتح أبواب الرزق والصحة والقوة على الكافرين والعصاة والمكذبين، لا رضا عنهم، ولكن ليزدادوا إثمًا إذا قابلوا النعمة بالجحود والمعصية. ومن هنا يدعو النص المؤمن إلى الخوف من الاغترار بالنعم، وإلى محاسبة النفس، وشكر المنعم، حتى لا تتحول العطايا إلى باب خفي من أبواب الهلاك.

 

معنى الاستدراج في اللغة والتفسير

 

يفتتح الدكتور عبد الكريم زيدان حديثه ببيان المعنى اللغوي للاستدراج، فينقل عن أهل اللغة أن الاستدراج هو الأخذ شيئًا فشيئًا، أو الإدنـاء على التدرج، أو الجر إلى المصير المقصود مرحلة بعد مرحلة. وهذا المعنى اللغوي يوضح أن الاستدراج لا يقع دفعة واحدة، بل يتم بصورة متدرجة تخدع صاحبها وتمنعه من الانتباه إلى حقيقة ما يجري له.

 

ثم يعرض المؤلف أقوال المفسرين في معنى الاستدراج، فيذكر أن الزمخشري جعله استنزالًا للإنسان درجة بعد درجة حتى يقع في الورطة، وأن القرطبي وصفه بأنه الأخذ بالتدريج منزلة بعد منزلة، كما يذكر الآلوسي أن هذا الانتقال قد يكون من حال إلى حال حتى يصل الإنسان إلى مآله. وبهذا يتكامل المعنى اللغوي والتفسيري في بيان أن الاستدراج مسار خفي ينتهي إلى العقوبة.

 

استدراج الكفرة والعصاة والمكذبين

 

يبين الفصل أن من سنن الله استدراج الكفرة والعصاة، وذلك بأن يوسع عليهم في الصحة والرزق والنعمة، فيجعلون هذه العطايا سببًا لمزيد من الكفر والمعصية بدل أن يجعلوها بابًا للشكر والطاعة. وهؤلاء لا يشعرون أن ما هم فيه استدراج، بل يظنون أن الله أكرمهم، مع أن النعمة في حقهم صارت صورة من صور الإهانة المؤجلة.

 

ويؤكد النص هذا المعنى من خلال قوله تعالى: "سنستدرجهم من حيث لا يعلمون وأملي لهم إن كيدي متين"، فالإملاء هنا هو التأخير وعدم المعاجلة بالعقوبة، حتى يزدادوا إثمًا. كما أن تسمية ذلك كيدًا إنما جاءت لأن ظاهره إنعام وإحسان، أما حقيقته فهي خذلان يقود إلى الهلاك، حتى يأتي الأخذ الإلهي فجأة حين يكتمل غيهم وغفلتهم.

 

ثم يخصص المؤلف الحديث عن استدراج المكذبين بآيات الله، فيبين أن الله قد يدر عليهم النعم مع استمرارهم في التكذيب، فيزدادون بطَرًا وأشرًا كلما تجددت لهم نعمة. وهنا تكون النعمة نفسها سببًا في زيادة البعد عن الله، لأنهم يسيئون فهمها، ويحسبونها علامة رضا، بينما هي في حقيقتها باب من أبواب الخذلان والاستدراج.

 

استدراج الأمم وسنّة الله العامة فيه

 

ينتقل الدكتور عبد الكريم زيدان إلى الحديث عن استدراج الأمم، مستشهدًا بقول الله تعالى في سورة الأنعام عن الأمم التي ابتلاها بالبأساء والضراء فلم تتضرع ولم ترجع. فلما نسيت ما ذكرت به، فتح الله عليها أبواب كل شيء، حتى إذا فرحت بما أوتيت أخذها بغتة. وهذه الآيات ترسم سنة إلهية عامة، تبدأ بالابتلاء، ثم بالإمهال، ثم بتوسيع النعمة، ثم بالعقوبة المفاجئة.

 

ويشرح المؤلف أن فتح أبواب كل شيء على الأمم ليس دائمًا دليل رضا، بل قد يكون استدراجًا إذا لم يقترن بالشكر والرجوع إلى الله. وقد نقل عن ابن كثير والآلوسي أن هذا التوسيع في الرزق والنعم إنما يكون مكراً واستدراجًا إذا قابلته الأمة بالقسوة والإعراض. وعندئذ يأتي العقاب فجأة، فيصيرون آيسين من النجاة، ويقع الاستئصال عقوبة على ظلمهم وإصرارهم.

 

ومن خلال هذه الآيات يخلص المؤلف إلى قاعدة عامة، وهي أن سنة الله في المستدرجين تقوم على إمهالهم بعد التكذيب أو بعد عدم الاتعاظ بالبأساء والضراء، ثم توسيع الرزق والخيرات عليهم على وجه يزيد من إثـمهم إذا قابلوها بالمعاصي. فليست كل سعة علامة رضا، ولا كل رخاء دليل قرب، بل العبرة بما تثمره النعمة من شكر وطاعة أو غفلة وعصيان.

 

ما يجب على المؤمن تجاه هذه السنة

 

يؤكد الفصل أن المؤمن الحق يقابل نعم الله بالشكر والطاعة، فكل نعمة تستوجب عبادة جديدة، وكل فضل يستلزم اعترافًا بالمنعم وتسخيرًا للعطاء فيما يرضيه. أما إذا غفل الإنسان عن هذا المقام، وقابل النعمة بالتقصير أو المعصية، فإنه يعرّض نفسه لخطر الانزلاق إلى الاستدراج، لأن الفاصل بين التقصير والاستدراج قد يكون دقيقًا وخفيًا.

 

ولهذا شدد المؤلف على أن العارفين بالله كانوا يخافون من الاستدراج رغم ما هم فيه من نعمة، واستشهد بدعاء عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين رأى كنوز كسرى فقال: اللهم إني أعوذ بك أن أكون مستدرجًا. كما أورد قول الحسن البصري: كم مستدرج بالإحسان إليه، وكم مفتون بالثناء عليه، وكم مغرور بالستر عليه. وهذه الكلمات تلخص المعنى التربوي العميق للفصل كله.

 

ويختم النص بالدعوة إلى أن يخاف الفرد المسلم والجماعة المسلمة والأمة كلها من الاغترار بالنعم، وأن تجعل المعيار في الحكم على النعمة هو أثرها في السلوك. فإذا قادت إلى شكر المنعم، ووضع النعمة في موضعها، والقيام بحق الله، فهي من الإكرام. أما إذا أورثت الغفلة والتقصير والمعصية، فإنها قد تكون استدراجًا يجب الحذر منه قبل فوات الأوان.

 

.......................................................................

المصدر: الدكتور عبد الكريم زيدان، السنن الإلهية في الأمم والجماعات والأفراد، الفصل الثالث عشر: سنّة الله في الاستدراج.