تتجه أزمة أجور أعضاء هيئة التدريس في الجامعات المصرية إلى واجهة المشهد من جديد، بعدما بدأ أساتذة جامعات التحضير لتقديم مذكرة رسمية إلى مجلس النواب تطالب بإعادة هيكلة شاملة للرواتب والمعاشات، في خطوة تعكس اتساع الغضب داخل مؤسسة يفترض أن الدولة تقدمها بوصفها قاعدة إنتاج المعرفة والبحث العلمي.

 

هذه المذكرة، التي نشرت منصة “إيجبتك” تفاصيلها في الحادي والعشرين من أكتوبر 2025، لم تعرض مجرد شكوى مهنية محدودة، بل قدمت صورة تفصيلية عن كادر أكاديمي يعيش تحت ضغط هيكل مالي فقد صلته بالواقع، بينما تواصل السلطة الحديث عن التطوير والجودة والجامعات الذكية من دون أن تقترب من أصل الأزمة المرتبط بقيمة الأجر نفسه وبطريقة احتساب المعاش بعد عقود من الخدمة.

 

تكشف الوقائع التي حملتها المذكرة أن الأزمة لا تبدأ من ضعف زيادة سنوية هنا أو بدل محدود هناك، بل تبدأ من فلسفة كاملة أبقت عضو هيئة التدريس أسير قانون قديم وجداول مالية تجاوزها الزمن، في وقت ارتفعت فيه الأسعار وتآكلت فيه الدخول وتوسعت فيه الدولة في الحديث عن إصلاح التعليم من دون إصلاح أوضاع من يديرونه داخل القاعات والمعامل. لذلك بدت المذكرة، بصيغتها ومطالبها وتحذيراتها، أقرب إلى وثيقة اتهام لسياسات رسمية تركت الأستاذ الجامعي يواجه الغلاء بمعاش هزيل وراتب أساسي ضعيف وحوافز مجمدة على أسس حسابية ترجع إلى سنوات مضت، بينما تتقدم كادرات أخرى في مؤسسات الدولة إلى أوضاع أفضل وأكثر استقرارًا.

 

قانون قديم وهيكل أجور فقد صلته بالواقع

 

أولًا، تستند منظومة الأجور الحالية لأعضاء هيئة التدريس إلى قانون تنظيم الجامعات الصادر في 1972 وتعديلاته، وهو ما أبقى الجداول المالية محكومة بأرقام لم تعد تساير الاقتصاد المصري الحالي. هذا الإطار القانوني جعل الأستاذ الجامعي يعمل وفق هيكل راتبي يكرر قيمًا مالية تجاوزها الزمن، بينما تغيّرت الأسعار وتبدلت قيمة العملة وتضاعفت أعباء المعيشة على نحو متسارع.

 

ثم كشفت المذكرة مفارقة أكثر إحراجًا عندما أوضحت أن بعض القيم الواردة في الجدول لا تزال محسوبة بالقرش، رغم أن هذه الوحدة خرجت فعليًا من التداول اليومي منذ سنوات طويلة. هذه الصياغة القديمة لم تعد مجرد تفصيلة شكلية، لأن استمرارها داخل قانون ينظم أوضاع أساتذة الجامعات يعكس تجاهلًا رسميًا لطبيعة الموقع العلمي والاجتماعي الذي يشغله هؤلاء داخل المجتمع.

 

كذلك أظهرت الأرقام أن الزيادة الناتجة عن الترقية من أستاذ مساعد إلى أستاذ لا تتجاوز ثلاثة جنيهات سنويًا، أي نحو خمسة وعشرين قرشًا شهريًا، وأن الصورة نفسها تنسحب على باقي الدرجات العلمية. هذا التدرج المالي المحدود يوضح أن الترقية الأكاديمية، رغم ما تتطلبه من إنتاج علمي وجهد زمني، لا تقابلها زيادة حقيقية تحفظ القيمة المهنية أو المعيشية لصاحبها.

 

وفي هذا السياق، سبق للدكتور جابر نصار، الرئيس الأسبق لجامعة القاهرة، أن قال إن رواتب أعضاء هيئة التدريس “متدنية جدًا”، وإن مكافآت النشر الدولي أصبحت بالنسبة إلى كثيرين وسيلة لتعويض هذا التدني لا إضافة علمية منفصلة عنه. هذا التوصيف ينسجم مع مضمون المذكرة الحالية، لأن الطرفين يشيران إلى الخلل نفسه داخل البنية الأصلية للأجر الجامعي.

 

البدلات والحوافز تحجب ضعف الأساسي ولا تعالجه

 

بعد ذلك، انتقلت المذكرة إلى قلب المشكلة الحسابية عندما أوضحت أن الراتب الأساسي لا يمثل سوى أقل من عشرين في المئة من إجمالي دخل عضو هيئة التدريس، بينما تأتي النسبة الأكبر من بدلات وحوافز ومكافآت تتجاوز ثمانين في المئة. هذا التوزيع لا يمنح صاحب الوظيفة استقرارًا حقيقيًا، لأن الجزء الثابت والمرجعي في الأجر يظل هو الأضعف والأقل أثرًا.

 

كما أوضحت المذكرة أن هذه المتغيرات نفسها لا تزال تُحسب على أساس مالي ثابت يعود إلى 2015، وهو ما يفرغ أي قرارات حكومية لاحقة من مضمونها الفعلي داخل الكادر الجامعي. لذلك لم تترك الزيادات العامة في أجور العاملين بالدولة أثرًا ملموسًا على دخول أعضاء هيئة التدريس، لأن البناء الداخلي للراتب بقي محكومًا بمعادلات قديمة لم تُمس.

 

وفي هذا الموضع، يلفت الخبير الاقتصادي عبد الخالق فاروق، في أعماله التي تناولت الإنفاق على التعليم في مصر، إلى أن الخلل لا يقتصر على حجم المخصصات فقط، بل يمتد إلى طريقة توزيعها وأولوياتها داخل المنظومة التعليمية. هذا المعنى ينسجم مع الشكوى الحالية، لأن الأزمة المطروحة ليست أزمة رقم مجرد، بل أزمة تصميم مالي يبقي الأجر الحقيقي ضعيفًا حتى بعد أي زيادة اسمية.

 

كذلك أضافت المذكرة أن بعض البنود المهمة، ومنها حافز الجودة، لم تحظ بإعادة نظر تواكب ما حدث في كادرات أخرى داخل الدولة. هذا الفارق زاد شعور أعضاء هيئة التدريس بأن الدولة تطالبهم بأداء أكاديمي وبحثي متصاعد، ثم تضعهم ماليًا في مرتبة أقل من قطاعات أخرى حظيت بإعادة هيكلة فعلية خلال السنوات الماضية.

 

المعاشات المنخفضة تدفع الأزمة إلى ما بعد نهاية الخدمة

 

ثم اتسعت الصورة عندما انتقلت المذكرة من ملف الرواتب إلى ملف المعاشات، حيث أوضحت أن احتساب المعاش يتم على أساس الأجر الأساسي الضعيف، لا على أساس إجمالي الدخل الفعلي. هذا الأسلوب يؤدي مباشرة إلى تراجع كبير في دخل الأستاذ الجامعي بعد التقاعد، ويحوّل سنوات الخدمة الطويلة داخل الجامعة إلى نهاية مالية غير آمنة له ولأسرته.

 

وبناء على ذلك، أشارت المذكرة إلى أن المعاش قد لا يتجاوز ثلاثة إلى أربعة آلاف جنيه، وقد ينخفض عن ذلك في بعض الحالات، خاصة إذا وقعت الوفاة قبل بلوغ سن المعاش. هذا التفصيل لا يخص فردًا واحدًا، لأن أثره يمتد إلى أسر أعضاء هيئة التدريس ويضرب أي حديث رسمي عن حياة كريمة لمن أمضوا أعمارهم في التدريس والإشراف والبحث.

 

وفي هذا الإطار، قال الدكتور حسن شحاتة، الخبير التربوي وأستاذ المناهج بجامعة عين شمس، إن الأجور التعليمية في مصر تظل من الأدنى مقارنة بدول كثيرة، وإن هذا التدني ينعكس على قدرة المؤسسات التعليمية على الاحتفاظ بالكفاءات. ورغم أن حديثه جاء في سياق أوسع عن التعليم، فإن دلالته المباشرة تنطبق على الجامعات حين يفقد الكادر الأكاديمي الأمان المادي قبل الخدمة وبعدها.

 

لذلك ختم مقدمو المذكرة مطالبهم بالدعوة إلى جدول رواتب جديد يعكس القيمة الحقيقية للوظيفة الأكاديمية، وإعادة احتساب البدلات على أساس الأجر الحالي بدلًا من 2015، وزيادة الحوافز والبدلات، ووضع آلية عادلة للزيادات السنوية، وتحسين منظومة المعاشات أو إنشاء صندوق تكميلي. وإذا تعذر التنفيذ الفوري، اقترحوا حلولًا مؤقتة وجدولًا زمنيًا واضحًا للإصلاح الكامل.

 

وأخيرًا، حملت المذكرة تحذيرًا صريحًا من أن استمرار الوضع الحالي لن يبقى أزمة فئوية داخل أسوار الجامعة، بل سيتحول إلى خطر مباشر على مستقبل التعليم العالي نفسه، لأن تدني الأجور وضعف المعاشات يدفعان الكفاءات إلى العزوف عن العمل الأكاديمي أو إلى الهجرة خارج البلاد. عند هذه النقطة، يصبح تجاهل الملف قرارًا سياسيًا يخص مصير الجامعة المصرية، لا مجرد تأجيل إداري لمسألة مالية.